بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده، نستعين به ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، فإنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد من دونه ولياً مرشداً أما بعد،
فهذه ملزمة في علوم الحديث تيسر للداعية فهم التفريعات في أصول كلية وتبسط القواعد والعبارات وترتبها ترتيباً منهجياً بعيداً عن جفاف الأسلوب وكثرة الاختلافات والأقوال المتعارضة التي يحتار معها القارئ العادي فلا يدري ماذا يأخذ وماذا يدع. لذا فقد حاولت في هذا البحث أن أُعرّف المصطلحات الخاصة بهذا العلم،
ثم أقسّم وأجمع أصناف المرويات في شكل توضيحي ييسر للدارس حصر هذه الأصناف بطريقة مبسطة ثم شرح كل نوع علي حده.
وبما أن علم مصطلح الحديث من أهم العلوم الدينية وأفضلها منزلة لأنه به يعرف الحديث الصحيح من غيره وبه تفصيل وبيان آيات الله وأحكامه لذا لابد لنا أن نعرف بمكانة السنة النبوية وحجيتها.
فالسنة مصدر من مصادر الأحكام الشرعية لقول الله تعالى وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهواسورة الحشر(7)
وعندما يرتب العلماء مصادر الشريعة قائلين: القرآن، ثم السنة، فإن هذا الترتيب ترتيب في الذكر والشرف ولا يؤخذ بمعني أن السنة متأخرة في مصدريتها عن القرآن لذا قال الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية: ”ولمّا كان القرآن كتاب تعبدٍ وتلاوةٍ كانت آياته محدودة وكلماته معدودة، وهو دستور مجمل يُعنى بالكليات أكثر مما يُعنى بالفرعيات، وما ورد فيه من تفاصيل الأحكام قليل، كما في آيات المواريث، لذا فقد أحال القرآن علي السنة لتبين الأحكام علي وجه الابتداء أو التفريع أو النسخ“.
والقرآن الكريم من غير سنة لا يمكن فهمه ولا يمكن تطبيقه والذين يقبلون القرآن وحده ويشككون في السنة إنما يحاربون القرآن بأسلوب ذكي قد يغيب عن كثير من المسلمين،
وهم يعملون علي تعطيل القرآن عن العمل ”فالقرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن“ هكذا قال مكحول أحد كبار التابعين.
وقد روي الخطيب بسنده إلى الحسن أن عمران ابن حصين كان جالسًا ومعه أصحابه فقال رجل من القوم لا تحدثونا إلا بالقرآن فقال له عمران: "ادن" فدنا منه فقال: "أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد فيه صلاة الظهر أربعاً، وصلاة العصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، تقرأ في اثنتين؟
أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد الطواف بالبيت سبعاً والطواف بالصفا والمروة؟
ثم قال: أي قوم خذوا عنا فإنكم والله إن لم تفعلوا لَتَضِلُّنَ".
وأخيرًا فقد قال ابن حزم في (أصول الأحكام): "أنه قد صح لنا أن الوحي ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: وهو متلوٌ أي مؤلفٌ تأليفاً معجز النظام وهو القرآن.
والثاني: وحيٌ مرويٌ منقولٌ غير معجز ولا متلوٍ، ولكنه مقروء وهو الخبر الوارد عن رسول الله وهو المبين عن الله لتبين للناس ما نزل إليهم(النحل(44) وقد أوجب الله طاعة القسم الثاني كما أوجب طاعة القسم الأول يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول(النساء(59)، ولا فرق بينهما، ثم ذكر القسم الثالث وأولي الأمر منكم وهو الإجماع منقول من كلام ابن حزم بتصرف.
التعريف ببعض المصطلحات
1- السنة: هي "كل ما صدر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خُلُقية من مبدأ بعثته إلى وفاته على سبيل الاقتداء به"
وسيأتي التفصيل فيما بعد.
2- الحديث: هو "كل ما أضيف إلى النبي من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خُلُقية أو خَلْقية".
ومن التعريف فالحديث أعم من السنة لذا فإننا إذا تأملنا في مفهومي الحديث والسنة نجد اتساع مفهوم الحديث عن السنة، فمثلاً الحديث عن حفر بئر زمزم يدخل في الحديث، ولا يدخل في السنة، لأن السنة لا تُعنى بأخبار ما قبل البعثة ولا يدخل في السنة صفات النبي الخَلْقية لأنها صفات فطرية وليست موضع اقتداء ولا يستفاد منها حكم شرعي، مثل: أحاديث لون بشرته وجسمه وما يرغب في الطعام وما لا يرغب إذ ليس المقصود من هذه الأخبار الاتباع وإنما المقصود الوقوف علي عصر النبوة والتعرف علي شخص النبي وسيرته.
3- الخبر: الخبر أعم من الحديث إذ يدخل في الخبر ’كل ما ينقل عن الناس دون التقييد بزمان أو مكان سواء كان عن النبي أو عن غيره، كالأخبار عن قوم عاد وثمود مثلا،
4- السند: هو "الطريق الموصل إلي العبارة"، أو ’هو سلسلة الرواة التي نصل بها إلى الحديث".
5- المتن: هو ’الألفاظ المعبرة عن المعاني المقصودة من النص، أو هو ’ألفاظ الحديث التي يقوم بها المعنى،.
6- الصحابي: ’هو كل مسلم لاقى النبي بعد بعثته حال حياته ومات على الإسلام،
وهذا التعريف يحتوي علي شروط أربعة وهي:
1- أن يكون مسلمًا, فلا يعتد باللقاء من الكافر، ولا يكون صحابيًا بهذا اللقاء، ولو لقيه وهو كافر ثم أسلم بعد ذلك ولم يحدث لقاء بينه وبين النبي فلا يعتبر من الصحابة.
2- أن يكون اللقاء بينه وبين النبي خاصة، فإذا أسلم ولم يتم اللقاء فلا يكون صحابياً ولو كان إسلامه في حياة النبي ومن هؤلاء "أصحمة" ملك الحبشة, وأبو مسلم الخولاني.
3- أن يكون اللقاء بعد البعثة لا قبلها.
4- أن يموت على الإسلام، فلو لقيه مسلم، ثم ارتد عن الإسلام، فإن الصحبة تزول مثل: عبيد الله بن جحش أسلم وهاجر إلى الحبشة ثم ارتد ومات علي النصرانية.
أما من لقيه وأسلم ثم ارتد عن الإسلام ثم عاد إلى الإسلام فهذا يحكم له بالصحبة علي الأرجح، ومن هؤلاء الأشعث بن قيس.
لكن من توفرت فيهم هذه الشروط وكانوا دون سن التمييز أي صغار يحملون عند ولادتهم للنبي فلهم شرف الصحبة لوقوع نظر النبي عليهم ولكن لا تصح روايتهم.
عدالة الصحابي: قال الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية:” إن عدالتهم ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في قول الله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس آل عمران ، وقول الله تعالى: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهمالفتح “.
ولكن عدالة الصحابة لا تعني ثبوت العصمة وخلوهم من المعصية، إنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلف في البحث عن أسباب العدالة.
ومن أشهر المصنفات في تاريخ الصحابة ’أُسْد الغابة في معرفة الصحابة، لابن الأثير علي بن محمد الجزري، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لأحمد بن حجر العسقلاني.
التابعي وعدالته: ’هو من صحب الصحابي ولو لم يسمع منه،
وقد رجح النووي هذا الرأي، وهم متفاوتون في قربهم من عصر النبوة فأول طبقاتهم الذين أدركوا الخلفاء الأربعة والعشرة المبشرين بالجنة، ومنهم سعيد بن المسيب، وقد أوصل الحاكم طبقات التابعين إلى خمس عشر طبقة، ومن التابعين من أدرك الجاهلية وأدرك حياة النبي إلى أن توفي النبي ولكنه لم يلق النبي وليس له صحبة وهؤلاء يسمون بالمخضرمين مثل: أبو وائل الأسدي.
فضل التابعين: بين القرآن فضلهم عندما قرنهم مع المهاجرين والأنصار في قول الله والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه(التوبة.
وقد ذكر النبي فضلهم فيما رواه عبد الله بن مسعود قال النبي ”خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم“(البخاري.
قال عبد الله بن مسعود لا أدري أذكر النبي بعد قرنه قرنين أو ثلاثة.
التعريف بعلوم الحديث
علم الحديث هو العلم الذي تعرف به أقوال النبي وأفعاله وأحواله، وقد نشأ هذا العلم مع صدور الحديث عن رسول الله منذ ابتداء بعثته ولكن كان يقتصر على السماع والمشاهدة ثم النقل كما قال النبي فيما رواه الترمذي وأحمد ”نضّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه“.
فكان بمقدور الصحابي أن يرجع إلى النبي ليأخذ منه مباشرة ومع ذلك كانوا متفاوتين في الأخذ عنه بسبب السبق في الدخول في الإسلام وكثرة الملازمة له.
وما أن انتقل النبي إلى الرفيق الأعلى وانتشر الصحابة في الأقطار ودخل الناس في دين الله أفواجاً أصبحت الحاجة ماسة إلى معرفة الحديث ورواياته لمعرفة أحكام الإسلام وفهم القرآن فكثرت الرحلات لطلب الحديث والبحث عنه واتسعت الرواية لكثرة الرواة واختلاف أحوالهم وتفاوت مراتبهم من حيث الحفظ والإتقان فنشأ علم يسمى بعلم الرواية وعلم آخر يسمى علم الدراية.
علم الرواية:
مدار هذا العلم هو حفظ الحديث في صدور الحفاظ بالرواية أو بالكتابة ثم تبليغه بوسيلة من وسائل التبليغ الشفوية كدروس العلم مثلاً أو الكتابية كالمؤلفات والكتب والرسائل.
علم الدراية:
هو الذي تعرف به حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها وأحوال الرواة وشروطهم وأصناف المرويات وما يتعلق بها.
كتابة الحديث
لم يكتب الحديث في حياة النبي كما كتب القرآن ويرجع ذلك كما قال الإمام الخطّابي في معالم السنن: ”كان نهى النبي أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفةٍ واحدة لئلا يختلطا ويشتبها على القارئ أما أن يكون نفس الكتابة محظوراً أو تقييد العلم بالخط فلا“.
وقد روى الإمام أبو داود قول النبي لعبد الله بن عمرو بن العاص: ”اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق (أي من فمه)“.
وبعد وفاة النبي كانت كتابة الحديث موضع خلاف بين الصحابة خوفاً من انشغال المسلمين بالحديث وكتابته عن القرآن وحفظه. ومع ذلك فقد ذهب جمهور الصحابة إلى إباحة الكتابة، فقد كتب عبد الله بن عمرو بن العاص في حياة النبي وروى البخاري من حديث أبي هريرة: ”ما أحد من أصحاب محمد أكثر حديثاَ مني عن رسول الله إلا عبد الله بن عمر، فإنه كان يكتب وكنت لا أكتب“.
تدوين الحديث
أول من عزم على تدوين الحديث وجمعه في كتاب واحد هو عبد العزيز بن مروان (توفي 85 هـ) وكان أميراَ على مصر إلا أنه مات قبل أن ينفذ عزمه فشرع في هذا العمل ابنه الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز(توفي 101 هـ)، وكان الدافع هو الخوف على الحديث من الضياع بموت العلماء والرواة وصيانة الحديث بعد أن اتسعت رواته من أن يختلط الصحيح بالموضوع.
تقسيم المتن بحسب قائله
تتنوع مصادر الحديث إلى أربعة مصادر هي ( الله، الرسول، الصحابي، التابعي ).
وبذلك يتحدد نوع الحديث وهي أربعة أنواع: قدسي ونبوي وموقوف ومقطوع.
أولاً: الحديث القدسي:
’هو ما رُوِيَ عن النبي وفيه عبارة قال الله، أو يرويه عن ربه تعالى، أو يقول أن روح القدس نفث في رُوعي، ويكون تارة بالوحي وتارة بالإلهام وتارة بالمنام، ويكون لفظه من رسول الله ومعناه من الله تعالى.
أما القرآن الكريم :
’فهو الكلام المُعْجِز المنزل على النبي المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته،
فهو لفظ مخصوص لا يحتمل الزيادة ولا النقصان ولا يقرأ بمعناه، لأنه مُعْجِز في لفظه ولا يقوى أحد على محاكاته وقد اشترك في نقله جمهور عظيم من الناس.
الفرق بين الحديث القدسي والقرآن:
1. معنى القرآن ولفظه من عند الله تعالى بخلاف الحديث القدسي يكون معناه فقط من الله ولفظه وأسلوبه من لدن رسول الله .
2. القرآن معجز للإنس والجن في ألفاظه أما الحديث القدسي فليس بمعجز في ألفاظه.
3. القرآن يشترط في ثبوت شيء منه التواتر أما الأحاديث القدسية لا يشترط في ثبوتها التواتر.
4. الصلاة والعبادات تكون بالقرآن ولا تكون بالأحاديث القدسية.
5. من يجحد بالقرآن أو جزء منه يكفر إجماعاَ بخلاف الحديث القدسي.
6. تدور الأحاديث القدسية حول مواضيع الزهد والتوحيد بخلاف القرآن يتناول كل هذا مع قضايا التشريع والأحكام.
ثانياً: الحديث النبوي:
’هو كل ما صدر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خُلُقية أو خَلْقية، وذلك يعني أن كل ما صدر عن النبي من قول فهو مثل ما رواه البخاري:”إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى “
أما ما صدر عنه من فعل فهو مثل: طريقة وضوئه ثلاثاَ أو قول الصحابي: ”كان النبي إذا دخل بيته بدأ بالسواك“
أما مثاله من التقرير فهو أن يقول الصحابي قولاً بعلم النبي ولم ينكر عليه مثل قول سلمان لأبي الدرداء:”إن لربك عليك حقاَ وإن لبدنك عليك حقاً وإن لزوجك عليك حقاَ وإن لزورك عليك حقاَ فأعط كل ذي حقٍ حقه“
أما الصفة الخُلُقية فهي كصبره وشجاعته ويسره مثل حديث عائشة فيما رواه البخاري: ”ما خير النبي بين أمرين إلا اختار أيسرهما“
أما الصفة الخَلْقية فهي كما أسلفنا صفاته الفطرية كطوله ولون بشرته التي ليست موضع اتباع ولا اقتداء، لأنها خارج طاقة المتبع أو المقتدى.
الفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي:
إن الحديث النبوي لفظه ومعناه من النبي أما الحديث القدسي فمعناه من الله لذا يقال حديث قدسي، وبالنسبة لموضوعه فالحديث النبوي يتناول كل قضايا التشريع والأحكام بل يأتي مفسراً للقرآن ومكملاً لبعض أحكامه بخلاف الحديث القدسي كما أسلفنا.
ثالثاً: الحديث الموقوف:
’هو كل ما ينسب إلى الصحابة ولا يتعداهم، مثل قول جابر فيما رواه البخاري ”كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا“
فإذا أضاف هذا الكلام إلى عصر النبي كقول جابر أيضاً فيما رواه الشيخان ”كنا نعزل على عهد رسول الله والقرآن ينزل فلم ينهنا“ كان الحديث له حكم المرفوع وهو نوع آخر سنتناوله بالتفصيل.
رابعاً: الحديث المقطوع:
’هو كل ما أضيف إلى التابعي من قوله أو فعله، لأن أقوال وأفعال التابعين كانت موضع اهتمام علماء الحديث لأنهم لازموا الصحابة وأخذوا عنهم أحكام الشريعة.
أصناف المرويات
هذا شكل توضيحي بالنسبة لأصناف المرويات لكي يسهل استذكارهم وسنقوم بشرح كل صنف على حدة بعد ذلك:
الحديث النبوي حسب طرق وروده
ينـقسـم إلى:
أولاً: متواتر ثـانيـًا: آحــاد
غريب عزيز مشهور
والأحاديث الآحاد الثلاثة احتيج إلى البحث في رواتها فقسمت إلى:
مقـبـول مـــردود
صحيح لذاته صحيح لغيره حسن لذاته حسن لغيره قطع في السند طعن في الراوي شذوذ علة
المتواتر والآحاد
الحديث الصادر عن رسول الله متفاوت من حيث كثرة رواته أو قلتهم فبعض الأحاديث تضمنت فرائض الدين وقواعد الحلال والحرام وهي التي لا يجوز الجهل بها مثل فرائض الصلاة وأنصبة الزكاة فهي من العلم الضروري فهذه عَلِمَها جمهور الصحابة ثم بلغوها لمن بعدهم وهكذا حتى عم العلم بها.
وهناك أحاديث أخري نقلها الواحد والاثنان والعدد المحصور إلى أن وصلت إلى المصنفات الحديثية ولم تصل إلى درجة العلم العام ومن هنا قسّم الإمام الشافعي الأحاديث إلى قسمين:
1. الأحاديث التي كان العلم بها علم عامة وهي المتواترة.
2. الأحاديث التي كان العلم بها علم خاصة وهي الآحاد.
أولاً المتواتر:
التواتر في اللغة التتابع ’تواترت الإبل أي جاء بعضها في إثر بعض، .
أما في الاصطلاح ’هو الحديث الذي رواه جمعٌ كثير عن جمع كثير يؤمن تواطئهم علي الكذب من مبدأ السند إلى منتهاه،.
وبذلك يكون سماع الخبر المتواتر كمشاهدة الحادثة ويكون فوق النقد لأنه لا يحتاج إلى برهان ولا يخضع لقواعد الجرح والتعديل وقد تضمن التعريف شروط يجب توافرها وهي:
1. أن يرويه جمع كثير لا يمكن اتفاقهم علي الكذب لاختلاف بلدانهم وقبائلهم فالذين نقلوا عن رسول الله فروض الحج والعمرة كانوا مائة ألف وهم مبثوثون في أرجاء جزيرة العرب ويستحيل اجتماعهم علي الكذب.
2. أن يكون هذا الجمع من بداية السند إلى منتهاه
فمثلاً: إذا ما روي الحديث في حلقة من الحلقات عدد قليل ثم كثر في باقي الحلقات لا يكون الخبر متواتراً.
عدد التواتر:
منهم من قال سبعين راوٍ في الحلقة لا يقل استناداً إلى قوله تعالي: واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتناالأعراف
ومنهم قال عشرين لقول الله: إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين(الأنفال
ومنهم من قال اثنا عشر لقول الله: وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً(المائدة
قال السيوطي في "ترتيب الراوي في شرح تقريب النواوي": لا يعتبر فيه عدد معين في الأصح وقال الإصطخري: أقل عدد التواتر عشرة، وهو المختار لأنه أول جموع الكثرة.
أقسام التواتر اثنان:
التواتر اللفظي:
’هو ما نقله الجمع الكثير بلفظ واحد،
مثل ما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك أن النبي قال ”من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار“
فقد رواه نحو سبعين صحابياً بهذا اللفظ وكذلك في بقية الحلقات والطرق.
التواتر المعنوي:
’هو ما تواتر معناه في أحاديث رواها جمع كثير،
كأحاديث: رفع اليدين في الدعاء، فقد ورد نحو مائة حديث فيه رفع اليدين بالدعاء ولكنها في قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر ولكن القدر المشترك منها وهو رفع اليدين عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع.
حكم المتواتر:
’منكر الحديث المتواتر كافر، ولذلك يلزم اعتقاد صحته كاعتقاد صحة القرآن، والعمل به واجب لأنه يكثر فيه الأحاديث الفعلية مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج.
ثانياً الآحاد:
لغة ’هو جمع أَحَدْ،
وأما اصطلاحاً ’فهو ما لم يجمع شروط المتواتر، أو ’ما رواه عدد محصور من الرواة واحد فأكثر، وإن جمع عدد التواتر في طبقة أو طبقات دون طبقة واحدة يعد آحاداً، وخبر الآحاد يفيد العلم النظري الذي يغلب الظن بصحته ولا يثبت إلا بالدليل أو البينة، ومعظم أحاديث النبي مروية بطريق الآحاد.
أقسام الآحاد:
لقد تعددت صور الآحاد تبعاً لعدد الرواة مما جعل العلماء يقسمونه إلى ثلاثة أقسام:
الغريب:
’هو الحديث الذي انفرد بروايته راوٍ واحد، وقد يكون الانفراد في جميع الحلقات أو في حلقة ’فإذا كان في حلقات السند كلها سمي الفرد، مثل حديث:" إنما الأعمال بالنيات" لم تصح روايته إلا عن طريق واحد في جميع الطبقات.
العزيز:
’هو الحديث الذي رواه اثنان من الرواة في طبقة أو في كل الطبقات كحد أدني،
وسمي عزيزاً لندرته ومثاله فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة قول النبي ”لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده“
فرواه عن النبي أنس وأبو هريرة من الصحابة، ورواه عن أنس قتادة وعبد العزيز بن صهيب من التابعين، ورواه عن قتادة شعبة وسعيد وهكذا.....
المشهور :
’هو الحديث الذي له طرق محصورة ثلاثة فأكثر ولم يبلغ حد التواتر،
ومن أمثلته حديث النبي الذي رواه الشيخان عن أنس ”أن النبي قنت شهراً بعد الركوع يدعو على رعل وذكوان“
وليس معني أن الحديث مشهوراً على ألسنة الناس أنه صحيح، فهناك أحاديث مشهورة ضعيفة مثل: ”اطلبوا العلم ولو بالصين“
وليس كل حديث مشهور على ألسنة الناس ضعيف مثل حديث: ”العجلة من الشيطان“ رواه الترمذي وحسنه.
حكم الحديث الآحاد:
’تقوم به الحجة ويلزم من يصلهم الخبر عنه العمل به، فقد كان النبي يرسل الرسل إلى الملوك يحمل الواحد منهم الخبر أو الرسالة ويترتب علي ذلك المسالمة أو المحاربة لذا فالآحاد يوجب العمل به ولا يجوز لأحد أن يقول لا أنفذ الحكم إلا إذا ثبت بالتواتر فقد أَخْبر الناس بتحويل القبلة واحد فتحولوا في الصلاة.
والأحاديث الآحاد احتيج البحث في رواتها فقسمت إلى:
أولاً: الحديث المقبول:
’وهو الخبر الذي نسمعه ولا نقبله بمجرد سماعه بل نشترط شروطاً لقبوله، بعضها في الراوي وبعضها في الخبر نفسه. لذا فإن الحديث المقبول هو الذي استوفى شروط القبول المبينة في أقسامه الآتية:
1- الصحيح لذاته:
الحديث الصحيح ’هو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله من بداية السند إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة قادحة،.
تضمن تعريف الحديث شروطاً لصحته وهي:
1. اتصال السند: بأن يكون حلقات السند الموصل إلى نص الحديث كاملة فإذا فقدت حلقة لم يصح الحديث عندئذ لانقطاعه.
2. أن يكون كل راوٍ من رواة الحديث عدلاً في دينه وهي صفات ملازمة للتقوى والورع وأن يكون مسلماً عاقلاً بالغاً سالماً من أسباب الفسق أي لا يكون خارجاً عن أحكام الدين بارتكاب الكبائر والإصرار علي الصغائر وأن يكون سالماً من خوارم المروءة وهي أفعال خارجة عن الذوق والعادة المستقرة ككثرة الضحك والمزاح مما يذهب هيبته فإن ابن سيرين فيما رواه مسلم قال ”إن هذا العلم دين فانظروا ممن تأخذون دينكم“.
3. أن يكون الراوي ضابطاً لحديثه متقناً له فالتقوى والورع لا يغنيان عن الحفظ والضبط فقد يكون الراوي صالحاً في دينه غير مقبول لروايته لسوء حفظه وقد يكون الضبط عن طريق التدوين والكتابة فشرطه أن يراعي قواعد الكتابة وطرق التصويب وأن يعرض ما كتب علي كتب الأصول.
4. سلامة الحديث من الشذوذ أي مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أي خالف أحد الثقات الضباط من هو أضبط وأحفظ وأوثق منه في الرواية.
5. سلامة الحديث من العلة والعلة شيء خفي يقدح في الحديث كأن يروي الراوي حديث بالمعنى فيغير مقصوده أو وَهِمَ في سماع اللفظ فأبدله أو روى الراوي عن إنسان عاصره ولكنه لم يسمع منه شيئاً.
وقد سمي هذا القسم بالصحيح لذاته لأنه استوفي شروط الصحة ولم يكن في حاجة لغيره ليصححه.
2 - الصحيح لغيره :
’هو الحديث الحسن لذاته إذا ما ورد عن طريقين: طريق يقوي الآخر فارتقى بالمتابعة إلى درجة الصحيح لغيره لأن صحته نشأت من غيره أو من طرق أخرى،. فشروطه لم تكن تامة بأن يكون الضبط غير تام مثلاً.
3- الحسن لذاته :
’هو ما اتصل سنده بنقل العدل الذي خفّ ضبطه من أول السند إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة،. ويتفق الحسن مع الصحيح في شروطه إلا أن الضبط فيه غير تام بأن يكون أحد الرواة ثقة وصدوق ولكن خفيف في الضبط وفي إتقان الحفظ وسمي بالحسن لذاته لأن حسنه لم يأتي من أمر خارجي وإنما من ذاته.
4- الحسن لغيره :
’هو الذي فقد شرطاً أو أكثر من شروط الحسن لذاته، ولكن إذا ورد من طريق آخر قُبِلَ الجَبْر،أي بتعدد طرقه، لأن الخلل الذي به يمكن جبره بأن لا يكون الراوي كذاب ولا فاسق ولكن ممكن أن يكون في إسناده مستور لم تتحقق أهليته .
قول الترمذي حديث حسن صحيح:
قال النووي: قول الترمذي حديث حسن صحيح معناه ”روي بإسنادين أحدهما يقتضي الصحة والأخر الحسن“.
حكم الحديث الصحيح والحسن:
يرى العلماء أنهما حجة يعمل بهما وتثبت بهما الأحكام.
من مصادر الصحيح:
1 - الجامع الصحيح للإمام مسلم.
2 - الجامع الصحيح للإمام البخاري.
من مصادر الحسن: كتب السنن الأربعة:
1- جامع الترمذي ويعرف بسنن الترمذي.
2- سنن النسائي.
3- سنن أبي داود.
4- سنن ابن ماجه.
ثانياً: الحديث المردود:
’هو الذي فقد شرط أو أكثر من شروط الحسن أو لم يرجح صدق المخبر به، ويسمي أيضاً الضعيف وينقسم إلى أربعة أقسام .
1- المردود بسبب قطع في السند:
الحديث المعلق:
’هو ما حذف من مبدأ إسناده واحد فأكثر علي التوالي ولو إلى نهايته،
وسمي معلقاً، لأن انقطاعه يكون من الجهة الدنيا أما الجهة العليا فهي التي تكون من جهة الصحابي، فأشبه المعلق بالشيء المقطوع عن الأرض المعلق بالسقف
وحكم المعلق ’هو نوع من أنواع الضعيف، وذلك للجهل بحال الراوي أو الرواة الذين لم يذكروا في الإسناد.
ويستثني من الحكم بضعف المعلق ما جاء في بعض الكتب التي التزمت الصحة مثل البخاري ومسلم قال ابن الصلاح في مقدمة شرح مسلم: ”إن معلقات مسلم موصولة من جهات صحيحة ففي نفس الكتاب وصلها واكتفي بأن يكون ذلك معروفاً عند أهل الحديث“.
وأما ما جاء في البخاري فهي متصلة أيضاً في مواضع أخرى من كتابه وإنما أورده معلقاً للاختصار
وأما التي لم ترد متصلة وهي مائة وستون فقد وصلها شيخ الإسلام في كتابه"التوفيق"
ومن أمثلة المعلق قول البخاري قال مالك عن الزهري عن أبي سلمة عن النبي ”لا تفاضلوا بين الأنبياء“ فإنه بَيْنَ البخاري ومالك واحد لم يذكر.
الحديث المرسل:
’هو قول التابعي قال رسول الله ،
أي ’سقوط الصحابي من السند، لأن التابعين لم يتلقوا الحديث عن رسول الله مباشرةً وقد أطلق عليه العلماء أنه من أقسام الضعيف لأنه فقد شرط اتصال السند وذهب الإمامان أبو حنيفة ومالك أن المرسل حجة لأنهم لا يأخذون إلا عن الصحابة، والصحابة عدول وأن النبي قد ذكى قرن التابعين بأن قال ”خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم“ رواه البخاري ولكن الكثيرين قالوا بضعفه لجهل حال الرواة.
مرسل الصحابي
’وهو أن يروي الصحابي حادثة عن النبي لم يدركها بسبب تأخر إسلامه أو صغر سنه، مثل أحاديث بدء الوحي التي روتها السيدة عائشة رضي الله عنها فهي لم تكن قد ولدت عند بدء الوحي.
وحكم مرسل الصحابي ’حجة، ولا يقدح فيه احتمال سقوط أحد الصحابة لأن جهالة الصحابي لا تضر فهم عدول معلومهم ومجهولهم سواء.
الحديث المنقطع :
’هو الذي فقد حلقة من السند بعد الصحابي، كسقوط التابعي مثلاً ويدخل في المنقطع ما كان في إسناده راوٍ مبهم لم يسمّ مثل قوله ’عن رجل أو عن شيخ.
ومثال المنقطع هو أن زرارة بن أوفى روي عن تميم الداري عن النبي قال ”إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها“
قال الإمام أحمد ما أحسب لقي زرارة تميماً لأن تميماً كان بالشام وزرارة ببصري.
الحديث المُعضَلْ:
مأخوذ في اللغة من ’أعضله، أي أعياه. ’وهو الذي سقط من إسناده اثنان فأكثر علي التوالي في أول السند أو وسطه أو في منتهاه، ويكثر المعضل في الموطأ للإمام مالك بن أنس مثل قول مالك: بلغني أن رسول الله قال: ”استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ علي الوضوء إلا مؤمن“ رواه الحاكم أيضاً فهذا السند سقط منه راويان علي الأقل الصحابي والتابعي.
كان كثير من الفقهاء في القرن الثاني يعضلون الأحاديث اعتماداً علي عدالة تلك الأجيال، ولكن علماء الحديث لم يقبلوا هذه الدعوى وحكموا ’بضعف المعضل وأنه أشد ضعفاً من المنقطع،.
الحديث المدُلَّس:
التدليس في اللغة هو ’إخفاء العيب، وبذلك يكون ’هو أن يروي المحدث عمن لقيه ولم يسمع منه أو عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، أو ’يسمي شيخه بما لا يعرف، وعلى ذلك ينقسم التدليس إلى:
1- تدليس الإسناد:
’وهو أن يروي المحدث عن شيخٍ لقيه مجرد لقاء لا سماع فيه،
ثم يقول عن فلان بل من الممكن أن يروي عنه حديثاً في الصلاة ثم يزعم أنه روي عنه حديثاً في الزكاة بعبارة "عن" فيوهم أن سمعه ولكنه لم يسمعه. والجدير بالذكر أن أكثر المدلسين من كبار الثقات وقد حملهم علي ذلك أحوالٌ منها:
أ- أن يكون الراوي الساقط في السند ضعيفاً عند غيره فيخشى المدلس إذا ذكره أن يرد الحديث.
ب- الأوضاع السياسية التي كانت تمنع أحياناً من الرواية عن أناس مخصوصين.
2- تدليس الشيوخ:
وليس في هذا النوع انقطاع في السند ’ولكن الراوي يغير اسم الشيخ باسم أو لقب أو كنية لا يعرف بها بين العلماء، وقد يلتبس حاله بحال غيره فمثلاً قد يقول: ’حدثني البخاري، ويعني غير البخاري صاحب الصحيح فيظن السامع أنه يروي عن البخاري المعروف.
أو يقول ’حدثنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، فيظن أنه البخاري ومنه أن يلقب الشيخ بما لا يعرف به مثل ما روى الحارث بن أبي أسامة عن ابن أبي الدنيا سماه مرة عبد الله بن عبيد ومرة عبد الله بن سفيان ومرة أبو بكر بن سفيان ومرة أبو بكر الأموي فهذه الأسماء الأربعة حقيقية لابن أبي الدنيا ولكنه لا يعرف بها عند العلماء.
2-المردود بسبب طعن في الراوي:
الحديث المتروك:
’هو الذي يرويه من هو متهم بالكذب ولا يعرف ذلك الحديث إلا من جهته،
ويكون هذا الحديث مخالفاً لقواعد الشرع وأيضاً إذا رواه من عرف عنه الكذب في كلامه وفحشه أو غفلته وإن لم يظهر منه ذلك في الحديث، ويسمي هذا النوع ’متروكاً لا موضوعاً، لأن مجرد الاتهام بالكذب لا يسوغ الحكم بالوضع.
ومن أمثلته حديث عمرو بن شمر عن جابر عن أبي الطفيل عن علي وعمار قالا: ”كان النبي يقنت في الفجر ويكبر يوم عرفة من صلاة الغداة ويقطع صلاة العصر أخر أيام التشريق“ وهذا السند أوهى الأسانيد، قال الدراقطني وغيره عمرو بن شمر متروك.
الحديث المنكر:
’هو مخالفة الضعيف للثقة في حديث يرويانه عن شيخ لهما، فإذا أمكن الترجيح بين الراويين بأن أحدهما ثقة والآخر ضعيف فإننا نرد رواية الضعيف، والضعيف هو من ظهر فسقه بالفعل أو بالقول أو كثر غلطه أو غفلته. وحكمه ’مردود لا يحتج به،.
الحديث المدرج:
الإدراج لغة ’هو لف الشيء في الشيء، أما في الاصطلاح ’زيادة تتصل بالحديث إما سنداً أو متناً وهي ليست منه،
مثال ذلك هو أن يدخل علي الحديث شيء من كلام أحد الرواة أو يزاد في سنده راوٍ لم يكن فيه، فمَثَل إدراج المتن قول أبي هريرة قال النبي”أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار“
فإن قوله أسبغوا الوضوء مدرج من قول أبي هريرة كما وُضِحَ في رواية البخاري.
أما إدراج السند ’فهو أن يسمع الراوي الحديث بأسانيد مختلفة فيأتي راوٍ آخر فيرويه عنه ويجمع الكل على إسناد واحد دون أن يوضح الخلاف،
مثال ذلك ما رواه الترمذي من طريق ابن مهدي عن الثوري عن واصل الأحدب ومنصور الأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود قال قلت يا رسول الله ”أي الذنب أعظم ... الحديث“
فإن رواية واصل مدرجة علي رواية منصور والأعمش فإن واصل يرويه عن أبي وائل عن ابن مسعود مباشرةً لا يذكر فيها عمرو بن شرحبيل وهكذا.
الحديث المقلوب:
’هو الذي أَدْخَل عليه بعض رواته إبدالاً في السند أو المتن،
مثاله ما رواه الإمام أحمد من حديث بن عمرو وعائشة عن النبي قال: ”إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم“
فقلب الحديث كما يلي ”إن ابن مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال“
أما في الإسناد كأن يقول ’كعب بن مرة، بدل ’مرة بن كعب، وحكم المقلوب ’أنه ضعيف،.
وقد يعمد إلى القلب لاختبار قدرة المحدث علي تمييز الأحاديث وردها إلى متونها كما فعل محدثو بغداد مع البخاري قلبوا له مائة حديثاً فأعاد ترتيبها علي الوجه الصحيح.
الحديث المضطرب:
المضطرب لغةً كاضطراب الموج ’ضرب بعضه بعضاً،
وفي الاصطلاح ’الاختلاف في رواية الحديث متناً أو سنداً علي أوجه لا مرجح لأحدهما ولا يمكن الجمع بينهما،
مثال اضطراب المتن ما رواه مسلم عن أنس بن مالك قال: ”صليت خلف النبي وأبي بكر وعمر فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها“
قال بن عبد البر اختلف في ألفاظ هذا الحديث فمنهم من يقول صليت خلف النبي وأبي بكر وعمر ومنهم من يذكر عثمان ومنهم من يقتصر علي أبي بكر وعثمان ومنهم من قال كانوا يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم وهذا الاضطراب لا تقوم معه حجة بجميع رواياته. "ولكن الحديث صحيح ".
أما اضطراب السند فيقول مرة عن أبي عمرو بن حريث ومرة عن أبي محمد بن عمرو بن حريث ومرة عن أبي محمد بن عمرو بن حزم.
الحديث الموضوع:
’هو الخبر المختلق المصنوع، فالكذب في الحديث لم يظهر في عصر النبوة لما كان فيه من نقاء وصلاح فقد روي الإمام مسلم عن بن عباس قال: ”إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول قال رسول الله ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف“
فأول بوادر الكذب كانت من اليهود والمنافقين في الفتنة في عهد عثمان ثم استفحل أمرها بعد ذلك.
وأسباب الوضع منها:
1-الكيد والتشكيك في الإسلام كإضافة عبارة علي الحديث الصحيح مثل: ”أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله“ والصحيح ”أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي“.
2-الانتصار للفرق الضالة كقول المرجئة ”إن لكل أمة يهوداً ويهود أمتي المرجئة“.
3-تحقيق المنافع الشخصية مثل قول غياث بن إبراهيم عندما دخل على الخليفة المهدي فوجده يلعب بالحمام فقال: ”لا سبق إلا في نصل أو حافر أو جناح“ فأضاف كلمة ”جناح“ إلا أن المهدي أدرك مقصده فقال عندما قام: أشهد أن قفاك قفا كذاب.
القرائن التي يعرف بها الوضع:
1-أن تناقض القرآن وقواعد الدين كأن يأتي حديث يذكر ميعاد قيام الساعة.
2-مناقضة بديهيات العقيدة
كمثل ”إذا غضب الله أنزل الوحي بالفارسية وإذا رضي أنزله بالعربية“.
3-سماجة المعني وسخافته
لأن النبي أوتي جوامع الكلم كقول:”لو كان الأرز رجلاً لكان حليماً ما أكله جائع إلا أشبعه“.
4-مبالغات في الأحاديث النبوية
كذم الأسود أو احتقار مهنة أو مبالغة في الأجر كقول: ”من قال لا إله إلا الله خلق الله من تلك الكلمة طائراً له سبعون ألف لسان لكل لسان سبعون ألف لغة يستغفرون الله له“.
5-أن يكون راوي الخبر مشهوراً بالوضع كمأمون بن أحمد الهروي وحكم الموضوع ’لا تجوز روايته، إلا علي سبيل التعرف بوضعه وتحذير الناس من خطره.
3- المردود بسبب الشذوذ:
الشاذ في اللغة ’هو الذي انفرد عن الجماعة،
أما في الاصطلاح ’فهو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه في حديث يرويانه عن شيخ لهما، فإذا روي اثنان من الرواة حديثاً عن شيخ لهما ثم اختلفا في السند أو في المتن وأمكن ترجيح أحدهما لأنه أحفظ أو أوثق من الثاني فإن الرواية المرجوحة يحكم عليها بالشذوذ ويسمي الحديث حديثاً شاذاً ومثاله ما رواه الدراقطني في السنن عن عائشة أن النبي: ”كان يقصر في السفر ويتم ويصوم ويفطر“
فهذا الحديث رواته ثقات ولكن يوجد في السند مخالفة لما اتفقت عليه الثقات أن الحديث لعائشة وليس للنبي أي ’موقوفاً،
وهذا يسمي شذوذاً في السند كما يوجد شذوذ في المتن لاتفاق الثقات علي مواظبة النبي في السفر على قصر الصلاة، وحكم الحديث الشاذ ’مردود، لا يقبل وإن كان إسناده صحيحاً لأن المخالفة تدل على أن الراوي لم يضبط الحديث.
4-المردود بسبب العلة:
العلة في اللغة ’هو المرض الخفي الكامن في الأعماق لا يظهر إلا للطبيب الخبير، بينما الجرح ’شيء ظاهر على الجلد، وهذا هو الفرق بين الجرح والتعديل وعلم العلل.
أما في الاصطلاح فالحديث المعل: ’هو حديث ظاهره السلامة اطُلع فيه بعد التفتيش علي قادح،. فالحديث قد يستوفي جميع العناصر الشكلية للصحة فيتوهم الناظر إليه أنه صحيح ولكنه إذا عرض على المتخصص الخبير يرده ولا يقبله ولذلك يقول الحاكم النيسابوري في معرفة علوم الحديث ”إن حديث المجروحين ساقط والكشف علي هذا الضرب سهل يستطيعه طالب العلم في أيامه الأولي وإنما الدقة والجهد والفهم في تتبع الثقات“ .
لذلك تنبه علماء الحديث إلى أن الثقة الموصوف بالعدالة قد يخطئ وقد يقلب المتون والأسانيد وقد ينسى وقد يختصر ويخل فهو في هذه الأحوال ثقة لا يتعمد الخطأ ولا يقصد إلا الخير لأن الراوي قد يحدث بالحديث في شيخوخته حيث تبدأ الذاكرة بالتخليط لذلك قال الإمام مسلم في كتابه "التمييز": ”ليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضيين إلى زماننا – وإن كان من أحفظ الناس وأشدهم توخياً لما يحفظ وينقل – إلا والسهو والغلط ممكن في حفظه ونقله“
ومن أمثلة العلة في السند والمتن معاً ما رواه ابن ماجة والنسائي من حديث بقية عن يونس عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي قال: ”من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها فقد أدرك“
فالسند معل وصوابه عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي .
أما المتن فقوله: ”من أدرك من صلاة ركعة فقد أدركها“
أما ”من صلاة الجمعة“ فليس في هذا المتن.
حكم العمل بالحديث الضعيف
قلنا فيما سبق أن رواية الحديث الضعيف ’تجوز، مع بيان ضعفه أما بالنسبة للعمل فقد ذهب الإمام بن حجر إلى تقييد العمل به علي النحو التالي:
1 - أن لا يكون ضَعْف الحديث شديداً كرواية الكذابين والوضّاعين وفاحش الخطأ كرواية مأمون الهروي قال: ”يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي“.
2 -أن يشهد للحديث الضعيف أصل عام من أصول الشريعة كبر الوالدين أو صلة الجار أي لا يأتي الحديث بشرع جديد.
3 -أن لا يعتقد عند روايته ثبوته وسنيته حتى لا ينسب إلى النبي ما لم يقله وأن ينبه على ضعفه.
وهذه الشروط إذا ما توافرت جاز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال دون الأحكام الشرعية في الحلال والحرام وفضائل الأعمال مثل مكارم الأخلاق والصلة والإحسان إلى الآخرين وممن روي عنه التساهل في روايتها سفيان الثوري وأحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي.
حكم الرواية باللفظ والرواية بالمعني
الرواية باللفظ ”هي رواية الحديث علي النحو الذي يحمله الراوي وباللفظ الذي سمعه دون تغيير أو نقص أو زيادة“ .
وهذا النوع ’جائز، دون خلاف بين العلماء لأن هناك أحاديث لابد لها أن تروي باللفظ وهي:
1 -الأحاديث التي تتعلق بأسماء الله وصفاته فلا يجوز إبدال اللفظ بغيره وإن كان يحمل المعني المراد.
2 -الأحاديث التي تشمل بعض الصيغ التي يتعبد بألفاظها مثل الأدعية المأثورة لكونها مقصودة لذاتها.
3 -ما كان متعلقاً بألفاظ العبادة كالأذان والإقامة والتكبيرات في الصلاة وصيغ التشهد.
4 -ما كان من جوامع كلم النبي لأن رواتها بالمعني لا تبلغ مراده مثل ما رواه مسلم من قول النبي: ”قل آمنت بالله ثم استقم“.
أما الرواية بالمعني فقد اتفق العلماء على أنه ’لابد للراوي أن يكون عالماً بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها وأن يكون بصيراً بالشريعة ومقاصدها، فإذا توافرت هذه الشروط جازت الرواية بالمعني لأن النبي جاء بمقصود الألفاظ لا بالألفاظ نفسها وقد استدل العلماء علي ذلك بالأتي:
1 -أن الصحابة رووا عن النبي بما سمعوا وبما كان مخزوناً في ذاكرتهم بعد فترة مما يلزم بتعذر الرواية بنفس لفظها.
2 -أن الصحابة نقلوا القصة الواحدة بألفاظ مختلفة، في المجلس الواحد، ولم ينكر بعضهم على بعض.
3 -لرفع الحرج عن الأمة والتيسير عليها حيث روى الطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن سليمان الليثي قلت يا رسول الله: إني أسمع منك الحديث ولا أستطيع أن أؤديه كما أسمع منك، يزيد حرفاً أو ينقص حرفاً فقال: إذا لم تُحِلُّوا حراماً أو تُحَرِّمُوا حلالاً وأصبتم المعني فلا بأس“ وقال الحسن في الجامع لأخلاق الراوي ”لا بأس إذا أصبت المعني“.
الجرح والتعديل
الجرح في اللغة ’أثر السلاح في الجلد،
أما في الاصطلاح ”عيوب ومطاعن في دين المرء أو أمانته أو حفظه وإتقانه“
فالجرح هنا ’جرح معنوي، وقد تعظم هذه العيوب حتى يحكم على صاحبها بإسقاط عدالته ورد روايته.
والجرح ليس غيبة لأنه ضرورة لصيانة حديث النبي عن افتراء المفترين وبذلك يكون الجرح أداء واجب لا يستقيم أمر الدين إلا به.
أما التعديل ’فهو وصف الراوي بالعدالة، أي ’يكون تقياً أميناً ضابطاً متقنا،ً فإن الأصل براءة المسلم وعدالته ينطلق بذلك من قاعدة ’البراءة الأصلية، فإذا لم يظهر عليه شيء من الكبائر والمعاصي فهو عدل معصوم الدم والمال والعرض وبما أن هذا المسلم يلزم غيره بأمور جديدة ففي الخصومات مثلاً :يلزم غيره برفع مال أو بإيقاع الحد عليه أو يروي حديثاً فيه حلال أو حرام فإنه لا يترك هذا الإلزام بدون ضوابط لكي تصان هذه الحقوق وهي:
1 -الدين والأمانة بأن يكون مسلماً عاقلاً بالغاً سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة.
2 -الضبط والإتقان إما بالكتابة أو بالإلقاء من ذاكرته دون الحاجة للكتابة.
بعض مصطلحات علماء الجرح والتعديل
1 -أمير المؤمنين في الحديث وهو الذي تفوق علي كل من سبقه في حفظ الأحاديث وإتقان علومها حتى أصبح مرجعاً.
2 -الحاكم هو الذي تمكن من معرفة كل الأحاديث إلا القليل منها.
3 -الحجة من يحفظ ثلاثمائة ألف حديث بأسانيدها ومتونها.
4 -الحافظ وهو الذي يعرف تراجم وأحوال وبلدان الرجال إلا قليل منهم.
5 -المحدث هو من تحمل الحديث رواية أي حفظاً وتبليغاً واعتني به دراية أي اطلع علي شروط وأحوال الرواية والرواة.
أساليب التخريج
للتخريج أساليب كثيرة ولهذا صنفت كتب مختلفة لطرق التخريج فمثلاً
1- التخريج بحسب تحديد الموضوع:
وهو من أهم الأساليب والمتمرس يمكنه بقليل من البحث العثور على ما يريد باتخاذ الخطوات الآتية:
تحديد موضوع الحديث ثم يلجأ إلى الكتب التي تجمع الأحاديث ذات الموضوع الواحد في مكان واحد تحت عنوان كبير مثل "كتاب الحج" "كتاب الجهاد" والمصادر المصنفة على الكتب والأبواب هي:
1-الجوامع مثل جامع الصحيح للبخاري ومسلم والترمذي "المعروف بسنن الترمذي".
2-السنن وهي الكتب التي تجمع الأحاديث المرفوعة مرتبة على أبواب الفقه مثل سنن النسائي وأبي داود وابن ماجه.
3-الموطآت وهي تشمل الأحاديث المرفوعة والموقوفة والمقطوعة مرتبة على أبواب فقهية وأهمها موطأ مالك.
4-المستدرك وهو كتاب يخرج فيه صاحبه أحاديث لم يخرجها كتاب من كتب السنة رغم أنها على شرطه مثل "المستدرك على الصحيحين" للحاكم النيسابوري.
3- التخريج بحسب رواة الحديث من الصحابة:
وهي كتب تجمع الأحاديث التي يرويها كل صحابي في موضع خاص يحمل راويها.
مثل: المسانيد وهي التي يذكر فيها ترتيب الصحابي على حسب حروف الهجاء أو السبق في الإسلام أو شرافة النسب وعدد المسانيد كثير حوالي "82" مسنداً أشهرها مسند الإمام أحمد ومسند أبي يعلى ومسند أبي داود الطيالسي.
السبعة المكثرون من الصحابة في رواية الحديث
المكثرون من الصحابة:
أعني بالمكثرين الذين تجاوزت مروياتهم الألف حديث وهم سبعة على النحو التالي:
1 - أبو هريرة ، رُوي عنه (5374) خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثاً، حسب مسند بقي بن مخلد، وله في مسند أحمد (3848)، واتفق الشيخان له على (326) وانفرد البخاري برواية (93)، ومسلم برواية (98) حديثا.
2 - عبد الله بن عمر بن الخطاب ، رُوي عنه (2630) ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثاً، وله في مسند أحمد (2019) واتفق الشيخان له على (168) وانفرد البخاري برواية (81)، ومسلم برواية (31) حديثا.
3 - أنس بن مالك ، رُوي عنه (2286) ألفان ومئتان وستة وثمانون حديثا، وله في مسند أحمد (2192)، واتفق الشيخان له على (180)، وانفرد البخاري برواية (80) ومسلم برواية (90) حديثا.
4 - أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، رُوي عنها (2210) ألفان ومئتان وعشرة أحاديث، ولها في مسند أحمد (1340)، واتفق الشيخان لها على (174)، وانفرد البخاري برواية (54)، ومسلم برواية (69) حديثا.
5 - عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ، رُوي عنه (1660) ألف وستمائة وستون حديثا، وله في مسند أحمد(1696)، واتفق الشيخان له على (75)، وانفرد البخاري برواية (120)، ومسلم برواية (9) أحاديث.
6- جابر بن عبد الله ، رُوي عنه (1540) ألف وخمسمائة وأربعون حديثا، وله في مسند أحمد (1206)، واتفق الشيخان له على (58)، وانفرد البخاري برواية (21)، ومسلم برواية (126) حديثا.
7 - أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري ، رُوي عنه (1170) ألف ومائة وسبعون حديثا، وله في مسند أحمد (958)، واتفق الشيخان له على (43)، وانفرد البخاري برواية (16)، ومسلم برواية (52) حديثا.
8 - ويلي هؤلاء المكثرين السبعة: عبد الله بن مسعود ، وله في مسند بقي (848) ثمانمائة وثمان وأربعون حديثا، وفي مسند أحمد(892)، واتفق الشيخان له على (64)، وانفرد البخاري برواية (21)، ومسلم برواية (35) حديثا.
9 - ثم عبد الله بن عمرو بن العاص ، وله في مسند بقي (700) سبعمائة حديث وفي مسند أحمد (627)، واتفق الشيخان له على (7)، وانفرد البخاري برواية (8)، ومسلم برواية (20) حديثا. ( )
وربما بَدَا أن ثمة تعارضا بين هذا الذي رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وبين حديث أبي هريرة كما في البخاريفي باب "كتابة العلم": "ما من أصحاب النبي أحدٌ أكثر حديثا عنه منِّي، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب، ولا أكتب"؛ فأبو هريرة يجزم في هذا الحديث بأنه ليس أحد في الصحابة أكثر حديثا عن النبي منه إلا عبد الله بن عمرو، في حين أن المروي عن قريب من ثمانية أضعاف المروي عن عبد الله بن عمرو .
وقد أجاب العلماء عن ذلك بعدة أجوبة( ):
- فقيل: الاستثناء منقطع، والتقدير: لكن الذي كان من عبد الله وهو الكتابة لم يكن مني، ولا يلزم من ذلك أنه كان أكثر حديثا من.
- وقيل: الاستثناء متصل، وعبد الله بن عمرو أكثر حديثاَ وتحمُّلاً من، ولكن أبا هريرة كان أكثر رواية منه للأسباب الآتية:
1 - أن عبد الله بن عمرو كان مشتغلاً بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، فقلَّت الرواية عنه.
2 - أن عبد الله بن عمرو كان أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف، ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم في ذلك العصر كالرحلة إلى المدينة، حيث كان أبوهريرة متصدِّيا فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات، ويظهر هذا من كثرة من حمل العلم عن ، فقد قال البخاري: "روى عنه نحو من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم من أصحاب النبي والتابعين( )". ولم يقع هذا لغير.
3 - ما اختُص به أبو هريرة من دعوة النبي له بأن لا ينسى ما يحدثه به.
- فعنه قال: "قلت: يا رسول الله، إني أسمع منك حديثاَ كثيراً أنساه، قال: "ابسط رداءَك“ فبسطتُه. قال: فغرف بيديه، ثم قال: "ضُمه". فضممتُه، فما نسيتُ شيئا بعده"( ).
فهذا الحديث يدل على أن أبا هريرة لم ينس شيئا سمعه، ولم يثبت ذلك لأحدٍ غيره من الصحابة.
4 - أن عبد الله بن عمرو كان قد ظفر في الشام بحمل جملٍ من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها، ويحدِّث منها، فتجنَّب كثير من التابعين الأخذ عنه لهذا السبب، كما تجنب كثير من الرواة الأخذ عن تلاميذه خشية أن يكونوا قد خلطوا بين ما يريه عن النبي وبين ما يريه عن أهل الكتاب.
أسباب تفاوت الصحابة في الرواية:
يرجع التفاوت الكبير بين الصحابة في عدد ما أُثر من الرواية عنهم عن النبي إلى جملة من الأسباب أوجزها فيما يلي:
1 - التفاوت الطبيعي في قوة الذاكرة والحفظ، فطبيعة الناس أن يكون فيهم الحافظ وغير الحافظ، فإذا حدَّثهم النبي حفظ البعض ونسي البعض.
فعن عمر بن الخطاب قال :"قام فينا النبي مقاماَ، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهلُ الجنة منازلهم وأهلُ النار منازلهم، حفظ ذلك مَنْ حفظه، ونسيه مَنْ نسيه"( ).
وعن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري قال: صلى بنا رسول الله الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا، حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمُنا أحفظُنا"( ).
وعن حذيفة بن اليمان قال: "قام فينا رسول الله مقاما، ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدَّث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيتُه، فأراه، فأذكره كما يذكر الرجلُ وجهَ الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه ( ) ".
فهذه الأحاديث تدلُّ على أن النبي قام فيهم مقامات متعددة، يذكر فيها الفتن وما هو كائن، وأن منهم من حفظ، ومنهم من نسي، ولا شك أن المكثرين كانوا أحفظ من غيرهم وأوعى لما سمعوا، فكثرت مروياتهم.
2 - تفرغ الصحابي لمجالسة النبي وملازمته أو عدم تفرغه لذلك، فالذي تفرغ لهذا الأمر لابد أنه حمل علما أكثر وحديثا أوفر ممن شغلته تجارته أو زراعته أو حرفته أو غير ذلك، وقد ذكر أبو هريرة أن فراغه وملازمته للنبي كانت سببا مباشراً لكثرة حفظه:
فعن قال: "إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدَّثت حديثا. ثم يتلو إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ.إِلاَّ الَذيِنَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التُّوَّابُ الـرَّحِيم(البقرة)
إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصَّفْق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول اللهبشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون"( )
وقد شهد له بذلك كبار الصحابة ، فقد سبق عن ابن عمر قوله: "يا أبا هريرة، كنت ألزمنا لرسول الله ، وأعلمنا بحديثه "( ).
وهكذا ترى أن التفرغ لملازمة النبي كان له أثر كبيرٌ في زيادة تحمل الملازم عمن سواه.
3 - تقدم وفاة الصحابي أو تأخرها، ومدى حاجة الناس إلى ما عنده من العلم، فمن تقدمت وفاتهم كانوا - غالبا - أقل روايةً ممن تأخرت وفاتهم، واحتاج الناس إلى سؤالهم ومعرفة ما عندهم من العلم، في الحوادث التي تكثر وتتجدد، وبخاصة مع اتساع نطاق الفتوح الإسلامية، وكثرة الداخلين في الإسلام، ولذلك تجد أن المكثرين جميعا كانوا من أحداث الصحابة، فباستثناء عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن مسعود اللذين كانا في نحو الأربعين عند وفاة النبي كان سائر المكثرين دون الثلاثين، فكان جابر وأبو هريرة في نحو السابعة والعشرين، وابن عمر في نحو الحادية والعشرين، وأنس وأبو سعيد الخدري في العشرين، وعائشة في الثامنة عشرة وابن عباس في الثالثة عشرة، فتهيأ لهم أن يحملوا عن النبي وعن أكابر الصحابة، وتأخرت وفاتهم حتى احتاج الناس إلى ما جمعوا من العلم، فكثرت مروياتهم.
"قال محمد بن عمر الأسلمى: إنّما قلّت الروايةُ عن الأكابر من أصحاب رسول الله ، لأنّهم هلكوا قبلَ أنْ يُحتاج إليهم، وإنّما كثرتْ عن عمر بن الخطّاب وعلىّ بن أبي طالب لأنّهما وَلِيَا فسُئلا وقَضَيَا بين الناس، وكلّ أصحاب رسول الله كانوا أئمّةً يُقتَدَى بهم ويُحفظ عليهم ما كانوا يفعلون ويُستَفتَوْن فيُفْتُون، وسمعوا أحاديث فأدّوها، فكان الأكابرُ من أصحاب رسول الله أقلّ حديثا عَنْه منِ غيرهم مثل أبي بكر وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأبي عبيدة بن الجرّاح وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل وأبي بن كعب وسعد بن عبادة وعبادة بن الصامت وأُسَيد بن الحُضير ومُعاذ بن جبل ونُظَرائهم.
فلم يأت عنهم مِن كثرة الحديث مثلُ ما جاء عن الأحداث من أصحاب رسول الله ، مثل جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن العبّاس ورافع بن خَديج وأنس بن مالك والبَراء بن عازب ونُظَرائهم، وكلّ هؤلاء كان يُعَدّ من فُقهاء أصحاب رسول الله ، وكانوا يَلزمون رسول الله ، مع غيرهم من نُظرائهم، وأحْدَثُ منْهم مثلُ عُقبة بن عامر الجُهنيّ وزيد بن خالد الجُهنيّ وعمران بن الحُصين والنّعَمان بن بشير ومعاوية بن أبي سفيان وسهل بن سعد الساعدىّ وعبد الله بن يزيد الخَطْمىّ ومَسلمة بن مخَلّد الزُّرَقىّ وربيعة بن كعب الأسلميّ وهند وأسماء ابني حارثة الأسلميِّيْن، وكانا يَخدمان رسولَ الله ، ويَلزمانه، فكَان أكثرُ الرواية والعلم في هؤلاء ونُظرائهم من أصحاب رسول الله ، لأنّهم بَقُوا وطالت أعْمارُهم واحتاج الناسُ إليهم. ومضى كثيرٌ من أصحاب رسول الله ، قبله وبعده بعلمه، لم يؤثر عنه بشيء، ولم يُحتَج إليه؛ لكثرة أصحاب رسول الله "( )
4 - تحرُّج بعض الصحابة وتهيُّبهم من الرواية عن رسول الله ، حذراً من الخطأ أو الزيادة أو النقصان، ونحو ذلك. وسيأتي بيان ذلك عند الحديث عن ضوابط الرواية إن شاء الله.
قال محمد بن عمر الواقدي: "ومنهم - أي الصحابة - من تأخر موته بعد وفاة رسول الله ، وهم أكثر، فمنهم من حُفِظ عنه ما حدَّث به عن رسول الله ، ومنهم من أفتى برأيه، ومنهم من لم يحدِّث عن رسول الله شيئا، ولعله أكثر صحبةً ومجالسةً وسماعا من الذي حدث عنه، ولكنا حملنا الأمر في ذلك منهم على التوقي في الحديث، أو على أنه لم يُحْتج إليه؛ لكثرة أصحاب رسول الله ( ).
5 - وقوع الفتنة وظهور الكذب والوضع من الفرق التي انحرفت عن جادة الصواب، كالخوارج والشيعة، جعل المرويات التي ينقلونها عن بعض الصحابة مردودة ومرفوضة من الصحابة والتابعين، فأفسدوا بذلك مرويات كثيرة.
فعن طاووس قال: "أُتِى ابن عباس بكتابٍ فيه قضاء علىٍّ فمحاه إلا قدْرَ”وأشار سفيان بن عيينة بذراعه.
وقال المغيرة بن مقسم الضبي: "لم يكن يصدق( ) على علي في الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود"( ).
فكان من أثر رواية الكذابين من الشيعة عن علي بن أبي طالب أن أهْملت كثير من مروياته، واللّه أعلم.
6- اشتغال عدد كبير من الصحابة بالعبادة أو الجهاد في سبيل الله وفتوح الأمصار، شغلهم عن التحديث بكل ما سمعوا من رسول الله ، فقلّت مروياتهم، بينما كان لغيرهم من المكثرين مجالس للتحديث يجتمع فيها طلبة العلم، فيحدثونهم، ويؤدون إليهم كل ما سمعوه من الحديث، ومن ثم كثرت الروايات عنهم.
تلك كانت باختصار أهم أسباب تفاوت الصحابة في الرواية، والله أعلم ( ).
مراجع ومصادر هذا البحث
الباحث الحثيث الحافظ ابن كثير
التمهيد في علوم الحديث د. همام بن عبد العزيز
مفاتيح علوم الحديث محمد عثمان الخشت
علم الحديث دراية د. علي عبد الحليم محمود
علم مصطلح الحديث د. أحمد عمر هاشم
المدخل لدراسة السنة النبوية د. يوسف القرضاوي
السنة المشرفة وعلم مصطلح الحديث د. عبد الخالق الشريف
تيسير مصطلح الحديث د. محمود الطحان
تدريب الراوي الإمام السيوطي
مناهج المحدثين د. عبد الرحمن البر
الفهرس 1
التعريف ببعض المصطلحات 2
التعريف بعلوم الحديث 3
كتابة الحديث 4
تدوين الحديث 4
تقسيم المتن بحسب قائله 5
أولاً: الحديث القدسي : 5
ثانياً : الحديث النبوي : 6
ثالثاً: الحديث الموقوف: 6
رابعاً: الحديث المقطوع: 6
أصناف المرويات 7
المتواتر والآحاد 8
أولاً المتواتر : 8
ثانياً الآحاد: 9
أولاً: الحديث المقبول: 10
ثانياً: الحديث المردود : 12
حكم العمل بالحديث الضعيف 18
حكم الرواية باللفظ والرواية بالمعني 18
الجرح والتعديل 19
بعض مصطلحات الجرح والتعديل 20
أساليب التخريج 20
السبعة المكثرون من الصحابة في رواية الحديث 21
مراجع ومصادر هذا البحث 21 الفهرس 22
الثلاثاء، 25 مايو 2010
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق