رسالة

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علمًا نافعًا



السبت، 22 مايو 2010

الحج تربية واتباع

الحمد لله الذي خلق الأشياء فدبرها، ودبر الأمور فأحكمها، وأحكم الشريعة فأحسنها، وأحسن الخليقة فأظهرها، وأظهر الرسالة فنورها، ونور الكواكب فسيرها، وسير السحاب فأمطرها، وأمطر الأشجار فأثمرها، ثم جعلها آية لعبده كي يعلمها،



تبارك اسمه، وتعالى جده، وعز جاهه، وجل ثناؤه، وعظم سلطانه، ولا إله غيره، أوصانا بالتقوى فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ"، وقال: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ".


وقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا".


وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، هو خيرُ من كبَّر وحمد، وركع وسجد، وعظَّم ووحد.


هو خير من بعث بالرسالة وسلمت عليه الغزالة


وآمن به الحجر وانشق له القمر ولبى دعوته الشجر


واشتكى إليه الجمل من شدة العمل


وسبحت في كفه الحصباء ونبع من بين يديه الماء


هو الرسول الخاتم العدنان صلى الإله عليه في القرآن


"إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا"


أما بعد،،،،


إن الحج عبادة والعبادة تستلزم الطاعة المطلقة التي لا يستعمل معها العقل يقول الإمام علي فيما رواه الدارقطني وأبوداود وقال الألباني صحيح : " لو كان الدين بالرأي (العقل) لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، ولقد رأيت رسول الله يمسح على ظاهر خفه"


ولكن دستور الله المحكم، ومنهجه القويم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ربىَّ قبل أن يأمر بالاتباع، ربىَّ الأمة على الإيمان به وباليوم الآخر وبالجنة لمن أطاع، والنار لمن عصى وأبى، وكان هذا أول حديثه معهم، الذي ظل ثلاث عشر سنة مدة الفترة المكية ودليل ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: " إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنْ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ لَقَالُوا لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا وَلَوْ نَزَلَ لَا تَزْنُوا لَقَالُوا لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ{ بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ".


هذا هو المنهج المتدرج الذي وصل بالمسلمين بعد ذلك أن يقبِّلوا حجرًا لا يضر ولا ينفع امتثالاً لفعل رسول الله وحبًّا واقتداءً، لا أمرًا وانقيادًا كما قال أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلرُّكْنِ: "أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ قَالَ فَمَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ أَهْلَكَهُمْ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ"


وسجل الله رد المؤمنين على حكم الله بينهم فقال:


" إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "


بل وجعل التسليم بالحكم والرضا به شرطًا للإيمان فقال:


" فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" .


وتأتي عبادة الحج على رأس هذا كله؛ لأنها


1- العبادة الوحيدة التي يستدعى إليها الناس فلا تصح إلا في مكانها.


2- العبادة الوحيدة التي لها لباس مخصوص.


3- العبادة الوحيدة التي لها سورة في القرآن باسمها، فلها بذلك قدر عند الله فحبب الله المسلمين فيها، ورغب في أداء مناسكها، ثم جعلها لمن استطاع إليها سبيلاً، ودعا إليها بصور مليئة بالترغيب والترحيب،والأمن والأمان فقال الله تعالى:


" وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى" أي: مكانًا آمنًا يأمن فيه كل من دخله ثم قال:


"وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ"أي: وصينا وأمرنا "أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ " كأنه يعده لاستقبال أضيافًا وزوَّارًا، لهم شأن وقدر عنده، ( انظر إلى طهرا بيتي)


ثم قال: "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ" فالبركة لا تفارقه فكل من يلتمسها بزيارته وحجه والطواف به يجدها ويحظى بها، كما جعله هدى للعالمين فالمؤمنون يأتون حجاجًا وعمارًا فتحصل لهم بذلك أنواع من الهداية.


إن الإيمان والترغيب الذي يفضي إلى الحب؛ لهو من العوامل الهامة في التربية قبل الأمر بالاتباع مما يجعل المسارعة إلى فعله وإيثاره على نفسه، ثم التسليم والرضا بعد انقضاءه.


كانت الدعوة إلى العبادة بلغة تخاطب القلوب، فكان الاتباع والانقياد إلى الأمر بغير سؤال لم تقبيل الحجر الأسود، ولم ارتداء هذا اللباس، ولم الطواف سبعًا، والسعي سبعًا، ورمي الجمراتِ سبعًا.


أقول ما تسمعون وأستغفر الله مما لا تعلمون، وأسأل الله أن أكون خيرًا مما تظنون ادعوا الله واستغفروه يغفر لكم.


الخطبة الثانية


الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا خاتمُ النبيين، وسيدُ المجاهدين، وإمامُ الخلق إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين،


أما بعد،،


إن الخليل إبراهيم عليه السلام ضرب لنا أروع المثل في الامتثال لأمر الله، ليس بعدم إعمال العقل فقط، ولكن بإهمال القلب أيضًا فيما يؤدي إلى عدم طاعته، بل وإيثاره على حب ولده الحليم، الذي لم يكن يومًا بالشقي ولا بالعصي، جاء الأمر بذبحه لما اشتد عوده وبلغ معه السعي في تحمل المسئولية بعد أن مسه الكبر، بل ويشاركه في كل طاعة، امتثل إبراهيم وأخبر ولده إسماعيل بأمر الله له، وليس العجيب أمر الخليل بذبح ولده، وإنما العجيب أن باشر الذبح بيده، ولو كان الأمر بإلقائه من على سفح جبل، أو الزج به في معركة لكان أهون، ولكن حب الله وطاعته غلبت عليه وغلبت على حبه لولده، بل شاركه ولده في الأمر وقال له عند الذبح كما يروي ابن الجوزي "يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف ثيابك لئلا ينتضح عليها شيء من دمي فتراه أمي فتحزن، وأسرع السكين على حلقي، ليكون الموت أهون علي، واقذفني على وجهي، لئلا تنظر إلى وجهي فترحمني، ( فتعصي ربك) ولئلا أنظر إلى الشفرة فأجذع، وإذا أتيت إلى أمي فأقرئها مني السلام.


فلما كان كل هذا التسليم "نَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ".


فالإيمان قبل الأمر والحب قبل الاتباع يؤدي إلى الرضا والتسليم، ولتعلم أن الابتلاء ما جاء ليعذب إنما ليهذب " ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرًا عليمًا".


نسال الله أن يرزقنا حبه وحب من أحبه وحب عمل صالح يقربنا إلى حبه، اللهم رضِّنا وارض عنا، وتقبل منا واقبلنا وخذِّل عنا ولا تخذلنا، اللهم واجعل الإسلام منتهى رضانا.


"فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ".


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق