رسالة

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علمًا نافعًا



الجمعة، 25 مارس 2011

ارفع رأسك أنت مصري
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم أما بعد
أيها المصريون، لقد مرت مصر بحدث عظيم، وهو ثورة الخامس والعشرين من يناير، وكان أحد شعاراته التي رفعت هو (ارفع رأسك أنت مصري).
ولكن لماذا رفِع هذا الشعار؟ وهل هذا الشعار حقيقة أم ادعاء؟.
اعلم أخي الحبيب أن إقامة الدين لا تتأتي إلا في واقع ووطن، ولذا يصبح الانتماء الوطني بعدًا من أبعاد الانتماء الإسلامي العام، فالوطن ضرورة لإقامة دنيا الإسلام وعمرانه.
ولذلك جعل القرآن الكريم الوطن ( الديار ) والإخراج منه مثل القتل سواءً بسواء قال تعالى: "قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا" البقرة.
ولاشك أن حب الوطن من الأمور الفطرية التي جُبل الإنسان عليها، فليس غريبًا أبدًا أن يُحب الإنسان وطنه الذي نشأ على أرضه، وشبَّ على ثراه،فقد قال رسول الله مخاطبًا مكة: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلي، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" .
بل وكان صلى الله عليه وسلم يقول في الرقية: ((باسم الله، تُرْبَةُ أَرْضِنا، ورِيقَةُ بَعْضِنا، يَشْفَى سقيمُنا بإذن ربنا)) .
قال الجاحظ: "كانت العرب إذا غزَتْ، أو سافرتْ، حملتْ معها من تربة بلدها رملًا وعفرًا تستنشقه"‏
إذا فلماذا أنت مصري؟
أولاً: ذكر الله مصر في القرآن خمس مرات
1- { اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ } [البقرة : 61].
2- {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس : 87].
3- {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا}[يوسف:21].
4- { وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}[يوسف : 99].
5- {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ } [الزخرف : 51].
ثانيًا: اعلم أيها المصري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بك خيرًا، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط "، "فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا" .
فأما الرحم: فإن هاجر أم إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام من القبط من قرية نحو الفرما يقال لها: أم العرب.
وأما الذمة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم، تسرى من مارية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي من قرية في الصعيد.
ثالثًا: أكد النبي أن المصري من خير أجناد الأرض، وأنك ستكون في رباط إلى يوم القيامة، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا بها جندًا كثيفًا فذلك الجند خير أجناد الأرض" .
رابعًا: تاريخهم مشرف في البذل والعطاء والتضحية، ففي عام الرمادة، وما أدراك ما عام الرمادة؟ إنه عام جدب وقحط، نتجت منه مجاعة ضربت أرض الحجاز، أكلت الأخضر واليابس، واستمرت لمدة تسعة أشهر يقول عبد الرحمن بن كعب بن مالك رضي الله عنه: "كانت الرمادة جوعًا شديدًا أصاب الناس بالمدينة وما حولها، حتى جعلت الوحوش تأوي إلى الإنس، وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافها من قبحها، وإنه لمقفر" .
وقال الحافظ ابن كثير: "إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عسَّ المدينة ذات ليلة عام الرمادة، فلم يجد أحدًا يضحك، ولا يتحدث الناس في منازلهم على العادة، ولم ير سائلاً يسأل، فسأل عن سبب ذلك، فقيل له:
يا أمير المؤمنين، إن الناس سألوا فلم يعطوا، فقطعوا السؤال، والناس في هم وضيق فهم لا يتحدثون ولا يضحكون"، هنا تذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه "فكتب عمر إلى عمرو بن العاص بمصر: يا غوثاه لأمة محمد".
فقام عمرو بن العاص رضي الله عنه وقرأ رسالته في المسجد- مسجد عمرو بن العاص الآن- وسمع أهل مصر الرسالة وجاد المصريون بأموالهم كما يجود الصادقون مع ربهم، وبذلوا الطعام، وحملوا الجمال وذهبت القافلة تزحف كالسيل، وتسير كالضوء في الليل، تحمل النماء والحياة والخير والزرق والعطاء لعاصمة الإسلام، فرد عمرو بن العاص رضي الله عنه حين شاهد الكرم المصري برسالة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: من عمرو بن العاص إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لقد أرسل إليك أهل مصر قافلة من الطعام، قافلة أولها عندك وآخرها عندي. فأرسل ألف بعير تحمل الدقيق، وبعث في البحر بعشرين سفينة تحمل الدهن، وبعث إليه بخمسةِ آلاف كِساء.
خامسًا: أما في الجهاد فقد احتل الصليبيون بلاد الشام ومدينة القدس سنوات طويلة حوالي 200 سنة، ولكن مَن أخرجهم من البلاد الإسلامية وحرر بيت المقدس، إنهم أجدادك المصريون في موقعة حطين مع القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي يوم 27 من رجب 583ﻫ، الموافق 2 من أكتوبر 1187م.
والتتار الذين احتلوا البلاد وقتلوا العباد، ونشروا في الأرض الفساد، وبلغ الذل والمهانة بالأمة الإسلامية حتى قال قائلهم (مَن قال إن التتار يهزمون فقد كذب) فمن الذي هزمهم، إنهم أجدادك المصريون في عين جالوت مع القائد العظيم سيف الدين قطز.
وإسرائيل تلك الدولة المغتصبة التي تقتل إخواننا في فلسطين، والتي أعدت الجيش الذي لا يقهر، فمن قهرها؟، إنهم آباؤنا المصريون يوم السبت 10 رمضان 1393 الموافق 6 أكتوبر 1973.
نعم (ارفع رأسك أنت مصري).. فمصر منذ أن دخلها الإسلام وأسلم أهلها لرب العالمين، وهي تقدم للإسلام ما لم يقدمه غيرها، مصر الأزهر الشريف، دخلها صفوة خلق الله وعاش فيها وعشق ترابها.
فكان بمصر من الأنبياء: إبراهيم الخليل، ويعقوب، ويوسف، والأسباط، وموسى وهارون، ويوشع بن نون، وعيسى بن مريم،عليهم الصلاة والسلام.
ومن الصحابة:الزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو، وخارجة بن حذافة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيس بن أبي العاص السهمي، والمقداد بن الأسود، وعبد الله بن أبي سعد بن أبي سرح العامري، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، وحسان بن ثابت،و...
ومن الخلفاء: معاوية بن أبي سفيان، ومروان بن الحكم، وعبد الله بن الزبير، وعبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز، وجعفر المتوكل على الله، ومروان بن محمد، والمنصور، والمأمون، والمعتصم، والواثق،و.....
ومن الفقهاء والعلماء: منهم: الشعبي وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعكرمة، ومحمد بن إسماعيل بن علية، والشافعي، وإبراهيم بن أدهم، والليث بن سعد، وأشهب، والمزني، والنووي، والطحاوي، والسيوطي، وابن حجر العسقلاني،و...
نهرها من أنهار الجنة فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة" .
إن مصر التي جعلتك ترفع رأسك في كل مكان، وتفخر بأنك مصري، تطلب منك الآن رد الجميل، وذلك في بنائها بعد أن غيبها وأبعدها الظلمة والمفسدون عن مكانها الريادي، والبناء هنا بكل ما تحويه الكلمة من معاني: بالمشاركة بصوتك الحر الأمين على بلدك في الاستفتاءات والانتخابات النيابية والرئاسية، وبالاجتهاد والتفوق في الدراسة إن كنت طالبًا، والاتقان والمهنية إن كنت عاملا، نسأل الله أن يجعل بلدنا آمنة مطمئنة وسائر بلاد المسلمين إنه ولي ذلك والقادر عليه.
الشيخ محمد الباشا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين