تــقــريـــظـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد،،
فيقول الله سبحانه في مطلع سورة النساء بشأن ولي مال اليتيم: {وَمَن كان غنيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كان فقيرًا فليأكلْ بالمعروف .......}
فالقضية واحدة، والمصدر واحد، واختلف الحكم فيها باختلاف الظروف، وقد قيل في الحِكَم "لكل مقام مقال".
وقد قال إمامُ الأنبياء صلى الله عليه وسلم لِلْـمُـمَـثـِّلِين لخير أمة أخرجت للناس في خطبة الوداع والشهد الخالد: "إنَّ دِماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ إلى أَنْ تَلْقَوا ربَكم كحُرْمَةِ يَوْمِكُم هذا في شَهْركم هذا في بلدِكم هذا ....."
وما أجمل ما أشرتم إليه (ص20) من اختيار العقاب المناسب للإنسان المناسب، فليس كل الناس سواسية، فقد يجزئ نظرة عتاب أونصح أو تذكير أو موعظة عن العقوبة المالية التي قد يكون أولاده وأسرته في مسيس الحاجة الضرورية إليها.
واشتغال الشباب المسلم بالفكر الشرعي، والتفقه في الدين، مما يجدد الأمل، ويبعث الرجاء في قرب بزوغ فجر النصرة للدين والعزة لرايته الخالدة، ومن يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين.
جزى الله ابني العزيز الأستاذ| محمد الباشا كلَ خيرٍ وتوفيقٍ، على ما بذل من جهد في هذا البحث،
وتقبل منا ومنه، والله الموفق والمستعان،
أ.د| محـمـد عبـد المـنعـم البــري
رئيـس جبـهة علـماء الأزهـر الشريـف
وعـضو اللجـنـة الـدائــمة لترقيات الأساتذة
وأستاذ الدراسات العليا بكلية الدعوة الإسلامية
بـالقـــــــاهــــرة.
تـوطـئـة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،
وبعد،،
فهذا بحث نفيس بين يديك أخي الباحث، وهو إن كان قد طرق بابه الباحثون من قبل، فإنه قد تفرد بينهم بالتركيز على العقوبات التعزيرية المالية وحكمها ما بين الجواز والنسخ؛ لجوازها وحرمتها مسترشدًا بنـقولات أهل العلم من أئمة المذاهب الفـقهية، وأقوال شيخي الإسلام ابن تيمية وابن قـيم الجوزية، وغيرهما من أسـاطيـن العلم وجبــال الحـفـظ.
ولعله مما سيثير اهتمامك وإعجابك كما أثار اهتمامي وإعجابي تركيز الأخ الباحث على مسألة التعزير بالأموال كعقوبة من المسئول لرعيته وإيفائها حق الوفاء من الأدلة الشرعية، ونقولات أهل العلم مع الإنصاف في عرض الاختلافات،
ثم كان اختياره في نهاية البحث أنه لا يجوز توقيع عقوبة مالية على إنسان بدون سابق اتفاق وإعلام (مثل لائحة العقوبات) وعدم ترك الأمر لمسئول عن عمل ما، يقدر ما يراه بدون سابق إعلام أو اتفاق، مما قد يؤثر على صفاء النفوس، ناهيك عن التعدي على أموال الناس بغير حق وبغير اتفاق أو موافقة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم"لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه"
ولعل من أراد أن يبني على هذا البحث بحوثًا أخرى في ذات الموضوع سيستفيد أيّما استفادة من هذا البحث القيم.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل في ميزان صاحبه، وأن يأتي يوم القيامة شفيعًا له، ولمن قرأه، ولمن استفاد منه، إنه ولي ذلك، والقادر عليه
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الفقير إلى عـفـو ربه
د.أحمد حسن غالي
في أول صفر 1429هـ
المــقـدمــة
الحَمْدُ للهِ الدَّاعِي إلى بَابِه, المُوَفِّقُ مَنْ شَاءَ لِصَوَابِه, أَنْعَمَ بإنْزَالِ كِتَابِه, يَشْتَمِلُ عَلَى مُحْكَمٍ وَمُتَشابِه, فأمَّا الَّذِين في قُلوبِهِم زَيْغٌ فَيَتَّبِعونَ مِنْهُ مَا تَشَابَه, وأمَّا الرَّاسِخُونَ في العِلْمِ فَيَقُولونَ آمنَّا بِه.
أحْمَدُهُ عَلَى الهُدَى وَتَيْسِيرِ أَسْبَابِه, وَأشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ, شَهَادَةً أرْجُو بِهَا النَّجَاةَ مِنْ عِقَابِه, وَأشْهَدُ أنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, أكْمَلُ النَّاسِ عَمَلًا في ذِهَابِه وإيَابِهِ, صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى أبِي بَكْرٍ أفْضَلِ أصْحَابِهِ, وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي أعَزَّ اللهُ بِهِ الدِّينَ, واسْتَقَامَتْ الدَّنْيَا بِهِ, وَعَلَى عُثْمَانَ شَهِيدِ دَارِهِ وَمِحْرَابِهِ, وَعَلَى عَلِيٍّ ،رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، المَشْهُورِ بِحَلِّ المُشْكِلِ مِنَ العُلُومِ وَكَشْفِ نِقَابِهِ, وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ, وَمَنْ كَانَ أوْلَى بِهِ.
أمَّا بَعْدُ,،
فإِنَّ للمالِ في الإسلام مكانةً، كوسيلة من وسائل عبادة الله التي خلقها من أجل
الإنسان, فقد خلق الله الإنسان لعبادته، وخلق له كل شيءٍ ليستعين به على طاعته.
والمحافظةُ على المال محافظةٌ على إحدى الضروريات الخمسِ التي جاءت بها الشريعةُ الإسلاميةُ لصيانتها.
وقد بلغ من احترام الشريعةِ للمال أنها وضعت من الضماناتِ ما يكفل حمايته, فقد جعلت حدَ قطعِ اليد لمن سَرَقَ, ولمن أتلفه المِثْلَ أو القِيمةَ, ودعت إلى كسبه من الحلال, ونفَّرتْ من كَسْبِهِ من الحرام.
وقد زكَّى الله في الطبائعِ البشرية حُبَّ المال, وجعل بعضَ العباداتِ لا تؤدَّى إلا به كالزكاة، أو مع القدرة كالحج والنذر والكفارات.
ومن أجَلِّ ما يدل على مكانة المال، احترامُ الشريعةِ الواضح للملكية الفردية؛ وذلك لأن الأصلَ في مال المسلم العصمة, فلا يؤخذ إلا بحق, وعصمةُ مالِ المسلم كعصمة دمه وعرضه,
ومن المعلوم أن الإسلام جاء بنظامٍ خاصٍ للحياة, ولابد لكل نظام من قوةٍ تحفظ له أمْنَهُ واستقرارَه في الداخل والخارج, وحتى يحفظ الإسلام لنظامه أمْنَه الخارجِي، شَرَعَ الجهادَ, ولأمنهِ الداخلي شرع العقوبات من حدودٍ, وجنايات، وتعزيرات, زواجرَ لأصحابِ النفوس الضعيفة التي قد تسول لها اختراقَ سياق ِالأمنِ الداخلي، في أية جهة من جهاته.
وحتى تقع العقوبةُ موقعَهَا، لابدَّ أن تكون في مستوى المخالفةِ, لكي تُردعَ المذنبَ وتخيفَ من يحاولُ التأسي به.
ومن الملاحظ أن العقوبةَ الشرعية نوعان:
1- عقوبة مقدرة: وهي الحدود : كحد الزنى, والسرقة, والقذف, والديات على النفس, أو الأعضاء.
2- عقوبة غير مقدرة: متروك أمر كمها، واختيار نوعها إلى اجتهاد الحاكمِ العادلِ, الذي يستهدف تحقيقَ المصلحة.
ومن الملاحظ أن العقوبة المقدرة قد تكونُ بالمال مثل: الدية للقتل الخطإ,
وقد تكون بغير بالمال مثل: قطع يدِ السارق.
أمَّا العقوبة غير المقدرة وهي: التَّعْزِير ، فمن المتفقِ عليه أنها قد تكون بالسجن, أو النفي, أو الضرب, أو الجلد, فهل يمكن أن يكون التعزيرُ كذلك بالمال؟ أم أنَّ التعزيرَ بالمال لا يجوز شرعًا؟ أم يجوز في حالات دون بعض؟
هذا ما سنحاول الإجابةَ عنه في هذا البحثِ - قليلٍ سطرُهُ كثيرٍ نفعُهُ- بإذن الله تعالى، واللهَ أسأل أن يتقبل هذا الجهد مني، ومن كل من أعانني عليه، سواء بالنصح أو الدعاء، وأخص منهم الوالد والعالم الجليل الأستاذ الدكتور| محمد عبد المنعم البري،
كما أسأله أن يجعل هذا البحث مرشدًا وهاديًا إلى صراط الله، ومذكرًا بمصلحة المؤمنين، فقد أمر الله تعالى بالتذكرة بين المؤمنين لمصلحة المؤمنين فقال تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} .
وجعل رسول الله مدار الدين كله على النصيحة فقال صلى الله عليه وسلم:
"الدِّينُ النَّصِيحَةُ_ثلاثًا_ قُلْنَا لِمَنْ يا رسول الله؟
قَال:َ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ" .
ولقد كتبت هذا البحث امتثالًا لأمر الله، وأداء للواجب الديني، ثم وفاء بحق المؤمنين عليَّ، وهم أولى الناس بالاستجابة لنداء الرحمن: {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ} .
اللهم وفقنا وإخواننا إلى ما تحب وترضى، واجعل الإسلام منتهى رضانا، واحرسنا على الطريق حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.
الفقير إلى عفو ربه| محمد الباشا
الفصل الأول:
المبحث الأول
معنى التَّعْزِير لغةً و شرعًا
1- معناه في اللغة: "التأديب دون الحد" ، والتعزير في قـوله تعالى: "وتعزروه وتوقروه" النصرة والتعظيم, فهو بذلك من ألفاظ الأضْدَاد, ويرى ابن مَنْظور أن المعنى الأصلي هو التقوية, وتأويل: عزَّرتُ فلانًا, أي أدَّبْتُه, إنما فعلت به ما يَردَعُهُ عن القبيح .
2- معناه في الشرع: تأديبٌ على ذنوبٍ لم تشرع فيها الحدود.
فقوله: "تأديب" جنس في التعريف، يشمل جميعَ أنواع التأديب، مثل: تأديب الرجل أهله, والمعلم تلاميذه.
وقوله: "على ذنوب" خرج به، الضرب عن الانتقام، أو التشفية.
وقوله: "لم تشرع فيها الحدود" لإخراج الحدود؛ لأنها تأديباتٌ لها عقوبات مقدرة: كالسرقة, وبقيت الذنوب والمعاصي التي ليس فيها عقوبات محددة مثل: الغش , وقول الزور, والفطر في نهار رمضان لغير عذر جهارًا.
المبحث الثاني
حكم التعزير و دليله
هو مشروعٌ بالاتفاق كما يقول ابن القيم ، بل إنَّ الكَمَال بن الهُمام يرى أن الصحابة أجمعت على مشروعيته, وهو واجبٌ عند الجمهور , ودليل مشروعيته:
من القرآن:
قال الله في سورة النساء "فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن".
فقد أمر الشرع بالضرب للزوجات تأديبًا وتهذيبًا.
من السنة:
قال النبي، صلى الله عليه وسلم، عن أبي بردة " لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ "
وقد يعزر بهجره وترك السَّلامِ عليه حتى يتوب إذا كان ذلك هو المصلحة، كما هجر النبيُ وأصحابُه الثلاثةَ الذين خُلِّفوا، وذلك بعد تخلفهم عن الخروج معه في غزوة تبوك .
من فعل الصحابة:
فقد أمر أبو بكرٍ و عمرُ بضرب رجلٍ وامراةٍ وُجِدَا في لحافٍ واحدٍ مائة، ومائة .
المبحث الثالث
حكمة ومشروعية التعزير
يقول ابن تيمية: "المقصود تأديبه"، أي تأديب العاصي حتى يرتدع.
وقال ابن فرحون: "التعزير: تأديب, وإصلاح, وزجر عن ذنوب لم تشرع فيها حدود ولا كفارات", فأضاف أنه ليس للزجر فقط، بل لإصلاح النفس, وتهذيبها.
وأضاف الكمال بن الهمام غاية أخرى عندما قال: "الزجر عن الأفعال السيئة كي لا تصير ملكات فيفحش، ويستدرج إلى ما هو أقبح وأفحش" .
أي إن الغرض من التعزير مواجهة الآثام في بدايتها حتى لا تصبح طبعًا, فتقوده إلى الجرائم.
وهذا الأمر هام فتنبه, فإذا كان القصد من التعزير التهذيب, والتقويم, والإصلاح، فلابد أن يغير التعزير في النفس, لا المنع من الفعل فقط والزجر عنه إذا أردت شمول المعنى.
فلا بد أن تصل الرسالة التربوية من وراء التعزير, والمعنى المقصود منه؛ حتى يؤدي التعزير دوره في التقويم والإصلاح والتأديب، وهذا أفضل من أن يكون همُّ المعزِّر الزجرَ فقط، فقد يعود الفاعل إلى فعله مرة ثانية، وثالثة حتى وإن لم يره المعزِّر، فتنبه.
المبحث الرابع
الفرق بين التعـزير والحـدود
التـعزيـر الـحـد
1 مفوضٌ إلى الإمام تقديرُه مقدرٌ من قِبَلِ الشرع
2 يجب مع الشبهة يُدرأ بالشبهات
3 يجب على الصبي لا يجب على الصبي
4 ليس الإمام مختصًّا به (فقد يعزر الرجل زوجته) لا يُقيمُه إلا الإمام
5 تقبل فيه الشفاعة لا تقبل فيه الشفاعة
6 يجوز العفوُ إذا بلغ الأمرُ إلى الإمام (في الأمور الشخصية) لا يجوز العفو إذا بلغ الأمر الإمام
7 لا يقع على الذمي (لأن التعزيز شرع للتطهير) يقع على الذمي
8 التَّخْيِيرَ يَدْخُلُ فِي التعزير مُطْلَقًا لَا يـَدْخُلُ إلَّا فِي حد الْحِرَابَةِ
9 يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ مَعَه لَا يخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ فَاعِلِهَ
10 يختلف بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَار ِوَالْأَمْصَارِ لَا يخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الأعصار ِوَالْأَمْصَارِ
11 يختلف باختلاف الجنايات لا يختلف باختلاف الجنايات (فحد السرقة في دينار مثل ألف دينار)
الفصل الثاني
المبحث الأول: وسائل إثبات حق التعـزير
يمكن إثبات التعزيز بكل ما تثبت به حقوق العباد, بالإقرار مثلًا، بأن يقر بالخطإ، أو البينة عليه, أو الشهادة عليه، أوعلم القاضي، وهكذا.
وسائل التعزير:
هي متنوعة حسب الذنب, وحسب الجاني ومكانته الاجتماعية, وحسب ما يراه الإمامُ من مصلحة اختيار العقوبة الملائمة له, فعبوسُ القاضي في وجهه، إلى العتاب, فالزجر، فالتعنيف، وقد يصل إلى الجلد, أو السجن, أو القتل في رأي بعض الفقهاء كابن تيمية في مَنْ يُفَرِّقُ جماعةَ المسلمين, وفيمن لا ينحسمُ شرُهُ إلا بقتله, كالمُصِرِّ على شرب الخمر وإفساد النَّاس.
السؤال هنا: هل يجوز أن يلزم القاضي أو المربي أو الزوجُ، الجانيَ بدفع مبلغ من المال جزاء تقصيره, أو تعدِّيه تأديبًا, وزجرًا, ويؤخذ هذا المال, ليودعَ في بيت المال للإنفاق في مصلحة الأمة, أو حتى في وجوهِ البر والخير؟
وبعبارة أصرح هل يجوز التأديب بأخذ المال تعزيرًا أم لا ؟
يقول العالم الجليل:عبد القادر عودة
"لقد ظن البعض خطأ أن الشريعة الإسلامية لم تعين جرائم التعزير، وأنها تركت للقاضي تلك المهمة، ورتبوا على هذا الظن الخاطئ أن سلطة القاضي في التعزير سلطة تحكمية، وأن جرائم التعازير وعقوباتها غير منصوص عليها، وأنها متروكة لتقدير القاضي، فإن رأى أن يعاقب على الفعل عاقب ولو أنه لم يحرم من قبل، أو لم يسبق العقاب عليه.
ومنطق هؤلاء باطل، لأنه يقوم على ظنون لا أساس لها من الحق أو الواقع، وليس للقاضي ولا لأحد كائنًا من كان أن يعتبر فعلًا ما معصية ما لم تعتبره الشريعة كذلك، وليس للقاضي ولا لأحد كائنًا من كان أن يعاقب على معصية بعقوبة لم تقررها الشريعة، وإلا كان محرمًا ما أحله الله، مبيحًا ما حرمه، وقائلًا على الله بغير علم.
إن الشريعة كما نصت على جرائم التعزير نصت أيضًا على عقوبات التعزير، والآن نقدم الدليل على هذا القول:
أولاً: عقوبة الوعظ، وعقوبة التهديد، وعقوبة الجلد أو الضرب، هذه العقوبات نص عليها القرآن والسنة، فيقول الله تعالى: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} ،
فهذا النص القرآني يفرض ثلاث عقوبات تعزيرية على المرأة التي لا تطيع زوجها، وهي الوعظ، والهجر، والضرب، ولما كان النشوز وعدم الطاعة معصية لا حد فيها ولا كفارة، فمعنى ذلك أن هذه العقوبات فرضت لكل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
ثانيًا: عقوبة التوبيخ، فعَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ .
فهذا هو الرسول يعاقب أبا ذر بتوبيخه، ومن ثم يكون التوبيخ عقوبة تعزيرية، وسنة سنها الرسول، والسنة هي المصدر الثاني للشريعة سواء كانت عملية أو قولية.
ثالثًا: القتل: ومصدر هذه العقوبة السنة القولية، فعن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه"
والمفروض أن عقوبة القتل مقررة للجرائم الخطيرة.
وظاهر مما سبق أن الشريعة الإسلامية نصت على جرائم التعزير وعقوباتها، وعينت الجرائم وحددت العقوبات تحديدًا دقيقًا بحيث لا يستطيع القاضي أن يعاقب على فعل لم تحرمه الشريعة، ولا يستطيع أن يعاقب بغير العقوبات المقررة للتعازير، ولا أن يخرج على حدودها" .
وإليك أقوال العلماء في "التعزير بالمال" خاصة ما بين مؤيد، ومعارض، وقائل بالنسخ.
المبحث الثاني
أدلة المانعين للتعزير بالمال
هذا الاتجاه يرفض التعزيز بالمال إتلافًا أو تحويلًا أو أخذًا, وهو اتجاهُ جمهورِ الفقهاء من المذاهب الأربعة، و أدلة هذا الاتجاه هي:
الدليل من القرآن:
قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنو لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم, ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا"
قال أبو السعود في تفسيره:
هو شروعٌ في بيان بعضِ الحرماتِ المتعلقةِ بالأموال والأنفسِ إثرَ بيانِ الحرماتِ المتعلقةِ بالأبضاع ، وتصديرُ الخطابِ بالنداء والتنبيهِ لإظهار كمالِ العنايةِ بمضمونه،
والمرادُ بالباطل: ما يخالف الشرعَ:
كالغصب، والسرقةِ، والخيانةِ، والقِمارِ، وعقودِ الربا، وغيرُ ذلك مما لا يُبِحْه الشرعُ ، أي لا يأكلْ بعضُكم أموالَ بعض بغير طريقٍ شرعي
قال القاضي أبو يعلى: والباطل على وجهين :
أحدهما: أن يأخذه بغير طيب نفس من مالكه ، كالسرقة ، والغصب ، والخيانة ، والثاني: أن يأخذه بطيب نفسه ، كالقمار ، والغناء ، وثمن الخمر
"ووجه الاستدلال: أن الله حرَّم أموال المسلمين أخذًا، وأكلًا بالطرق غير الشرعية, واستثنى على سبيل الاستثناء المنقطع التجارةَ، وكذلك ما يقاس عليها من العقود، إذ أساسها التراضي الحقيقي, والتعزير بالمال بجميع صوره، ليس مما استثنى الله، كالعقود المبنيةِ على التراضي.
ولم يثبتْ التعزير بالمال بدليلٍ صحيحٍ قاطعٍ في محل النزاع, أو حتى على حد تعبير ابن قدامة " إن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدى به".
بل إن الأصول الشرعية الثابتة تعارضه, فإن قيل فيها مصلحة مرسلة مرجوة من العقاب, وهو "التأديب".
قلنا : إن المصلحة المرسلة لم يأت الشرعُ بما يوافقها أو يخالفها, لكن هذا التعزير جاء على خلاف الأصول, فإنها ليست مصلحة, بل مضرةٌ بماله, أو هي مصلحةٌ مُتَوَهَّمَةٌ، ضررها أكثر من نفعها؛ ذلك لأن المعاقَبَ لم يدفعه مقابل ما اقترف من إثم, بل فرض عليه، لما يتوهمه الإمام من توقع مصلحة في تأديبه، وزجر غيره في تقليده,
فكأنه بذلك كفارة من الكفارات, وليس تعزيرًا، ولكن الكفارات أمور تعبدية، والصحيح من أهل العلم أنه لا يقاس عليها".
الدليل من السنة:
عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه "
قال المناوي:
(كل) مبتدأ (المسلم) فيه رد لزعم أن كلَ لا تضاف إلا إلى نكرة (على المسلم حرام) خبره (ماله) أي أخذ ماله بنحو غصب (وعرضه) أي هتك عرضه بلا استحقاق (ودمه) أي إراقة دمه بلا حق.
وأدلة تحريم هذه الثلاثة مشهورة معروفة من الدين بالضرورة.
وجعلها كل المسلم لشدة اضطراره إليها، فالدم فيه حياته، ومادته المال فهو ماء الحياة الدنيا، والعرض به قيام صورته المعنوية، واقتصر عليها لأن ما سواها فرع عنها وراجع إليها، لأنه إذا قامت الصورة البدنية والمعنوية، فلا حاجة لغيرهما، وقيامهما إنما هو بتلك الثلاثة" دمه، وماله، وعرضه" ولكون حرمتها هي الأصل والغالب لم يحتج لتقييدها.
وقتال المؤمن من شأن الكافر، وحرمة ماله كحرمة دمه، أي كما حرم الله قتله، حرم أخذ ماله بغير حق .
قال ابن الماجشون عن مالك:" لايحل ذنب من الذنوب مال إنسان، وإن قتل نفسًا"
وكان من آخر كلام النبي الكريم ما ورد في خطبة الوداع، فعن أبي حِرَّةِ الرّقاشي، عن عمه قال: كنت آخذ بزمام ناقة رسول الله في أوسط أيام التشريق أذودُ عنه النَّاس فقال:
"أيها النَّاس: أتدرون في أي شهرٍ أنتم؟ وفي أي يومٍ أنتم؟ وفي أي بلدٍ أنتم؟ قالوا:في يومٍ حرام, وشهرٍ حرام, وبلدٍ حرام, قال: فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام، كحرمه يومكم هذا, في شهركم هذا, في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه, ثم قال: اسمعوا مني تعيشوا: ألا لاتظلموا, ألا لاتظلموا, إنه لا يحل مالُ امرئٍ إلا بِطِيبِ نفسٍ منه........".
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى:
أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: بَلَدٌ حَرَامٌ، أَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا
وعنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَخَذَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هَذَا، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ بِالْبَلْدَةِ، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ قَالَ: ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَذَبَحَهُمَا، وَإِلَى جُزَيْعَةٍ مِنْ الْغَنَمِ فَقَسَمَهَا بَيْنَنا.
قال تقي الدين السبكي: " فمن ادَّعى بتحليلِ شيء منها فهو المطالَبُ بالدليل, بل هذا أصل في تحريم كل مالٍ، حتى يتحققَ سببٌ يدل على إباحته".
وعن أبي حرة، عن عمه قال النبي، صلى الله عليه وسلم أيضًا: " لا يحل مال امرئٍ مسلمٍ إلا بطيب نفس منه" .
أي إلا بانشراح صدرٍ ورضا, وهذا بالتأكيد لا يكون عند تعزيره بقوته وقوت عياله, فربما من يعزِّر لايدري ما وراء المعزَّر من ظروف وأحوال, وربما يمنعه حياؤه من عرضها عليه, فيقع في حرج أو محظور.
القواعد الفقهية:
من الأصول الشرعية في القواعد الفقهية أن الأصل في مال الغير الحرمة , فلا يحل إلا بسبب شرعي مثل الأبْضاعِ , فإن الأصل فيها الحُرْمة, فلا تَحِلُّ إلا بسبب شرعي, ولذلك ترى الشرعَ يجمع بينهما في الأحاديث, وقد يضيف إليها الدَّمَ, مثل: حديث النبي،صلى الله عليه وسلم "كل المسلم على المسلم حرام دمه، وماله، وعرضه".
ولا يوجد دليل شرعي صحيح سَلِمَ من المعارضة جوَّز العقوبة بالمال لا أخذًا, ولا إتلافًا, ولا تحويلًا.
وفي التعزير بالمال تفرقةٌ بين الناس من حيث الفقر والغنى, فالغني يدفع غرامة مالية, والفقير يسجن, أو يضرب, أو بأي لون من ألوان العقوبات, ففيها تناقض لروح الشريعة من المساواة التامة أمام أحكام الشرع, وأنها سبب هلاك الأمم السابقة، كانوا إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.
ومن الأدلة الفقهية أيضًا المانعة: "سد الذريعة"؛ لأن القول بالتعزير المالي ذريعة للظلمة، بفرض غرامات على الناس بحجة تأديبهم وتعزيرهم.
الأقوال الفقهية من المذاهب الأربعة
• من أقوال الحنفية:
ذكر الإستروشني وهو أحد فقهاء الحنفية في القرن السابع الهجري (ت632هـ) قال: "وفي الظهيرية لم يذكر محمد "يعني ابن الحسن" في شيء من الكتب التعزير بأخذ المال".
وقال ابن عابدين في التعزير بالمال:
"وفي شرح الوهابية عن ابن وَهْبَان، وأفاد في البَزَازيَّة: إن معنى التعزير بأخذ المال على القول به هو إمساكُ شيءٍ من ماله عنه مدة لينزجر, ثم يعيده الحاكم إليه, لا أن يأخذ الحاكم لنفسه, أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة, إذ لا يجوز لأحد من المسلمين أخذ مال أحد بغير سبب شرعي.
والحاصل أن المذهب عدم التعزير بأخذ المال، وما نقل عن أبي يوسف في ذلك رواية ضعيفة".
• ومن أقوال المالكية
قال الدسوقي في حاشيته:
" قال ابن سهل:
لا يحل الأدب بمال امرئ مسلم، فلا يتصدق به عليه، ولا يراق اللبن ونحوه، ولا تحرق الثياب، ولا تقطع الثياب ويتصدق بها، وإنما يؤدب الغاش بالضرب.
وقال ابن ناجي:
اعلم أن هذا الخلاف إنما هو في نفس المغشوش هل يجوز الأدب فيه أم لا ؟
وأما لو زنى مثلًا فلا قائل فيما علمت أنه يؤدب بالمال، وإنما بالحد، وما يفعله الولاة من أخذ المال، فلا شك في عدم جوازه.
وقال الونشريسي:
أما العقوبة بالمال فقد نص العلماء على أنها لا تجوز، وفتوى البُرْزُلِي بتحليل المغرم لم يزل الشيوخ يعدونها من الخطإ " .
وقال الصاوي في حاشيته:
" وأما التعزير بأخذ المال، فلا يجوز إجماعًا، وفي "نظم العمليات": لم تجز عقوبة بالمال أو فيه" .
ومن نقول المالكية أنهم يقولون بجواز العقوبة المالية فيما كان سببه المال نفسه أو في عوضه, وهذه العقوبة تكون بالتصدق به, أو تغيره أو إتلافه إذا كان يسيرًا.
ومن مسائل مالك في هذا:
"إذا اشترى مسلم من نصراني خمرًا, فإنه يُكسر على المسلم، ويتصدق بالثمن أدبًا للنصراني إن كان النصراني لم يقبضه" .
والغرض من ذلك واضح عندهم, وهو تأديب صاحب المال, ومنع الضرر على المسلمين بتقديم مصلحة العامة على مصلحة الخاصة.
ونقل عن مالك: " لا ينبغي لأحد أن ينهب مال أحد، ولا يحل ذلك في الإسلام، ولا يحل ذنب من الذنوب مال إنسان، وإن قتل نفسًا " كما تقدم لابن الماجشون.
• من أقوال الشافعية
قال الشبراملسي في حاشيته: "ولا يجوز التعزير على الجديد (مذهب الشافعي الجديد) بأخذ المال".
ويفهم من ذلك أن للشافعي في التعزير بالمال قولين: القديم يجوز ذلك، والجديد لايجوز ذلك, والذي عليه الفتوى هنا هو الجديد؛ لأن الإمام النووي ذكر المسائل التي عليها الفتوى من مذهب الشافعي القديم، وليست هذه منها، وكذلك جلال الدين السيوطي رحمهما الله.
وما كان للشافعي في القديم فقد رجع عنه، فلا يصح أن ينسب إليه"هذا هو الصواب الذي قاله المحققون، وجزم به المتقنون من أصحابنا-الشافعية-وغيرهم" .
وأصرح ما ترى الشافعية ما نقله الربيع عن الشافعي: " إنما العقوبة في الأبدان لا في الأموال"، ومن صريحه أيضًا مانقله الأخميمي عن الغزالي قوله: "العقوبة بالمال لا عهد بها في الإسلام، ولا تلائم تصرفات الشرع".
• من أقول الحنابلة
قال ابن قدامة: "التعزير يكون بالضرب، أو بالحبس، أو بالتوبيخ, ولا يجوز قطع شيء منه ولا جرحه, ولا أخذ ماله؛ لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدى به؛ لأن الواجب أدب، والتأديب لايكون بالإتلاف".
وقال الشيخ البهوتي: " ويحرم التعزير بأخذ المال أو إتلافه؛ لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عمن يقتدى به".
وقال ابن تيمية: "ومذهب أحمد في مواضع فيها نزاع عنه -يعني- جواز التعزير بالمال".
يُفهَمُ من ذلك أنه لم يثبتْ بالنقل الصحيح أن الإمام أحمد يقول بالتعزير بالمال, لكن في مذهبه بعض المواضع نقل ذلك عنه, ولكن في ثبوتها نزاع، ويبدو في الثابت المستقر في المذهب أنه لا يجوز التعزير بالمال.
قال الأخميمي -من علماء المذهب الحنبلي-:" وأكثر هذه المسائل التي تقدم عليها النقول، شائعة في مذهب الإمام أحمد دعوةٌ غير مسلمة على مذهبه, والمنقول عنه هو منع العقوبات بالمال".
المبحث الثالث
أدلة المجوزين للتعزير بالمال والرد عليها
هناك فريق من المجوزين للتعزير بالمال استدلوا ببعض الأدلة من الكتاب والسنة, ولكن هذه الاستدلالات لا تدل على أخذ مال الغير أو إتلافه, ولكن كل دليل يدل على مصلحة شرعية أخرى، لا للتأديب والتهذيب لصاحب المال، وهذا أمر هام فتنبه له.
الدليل الأول من القرآن:
قال تعالى: " والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وارصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون".
فالنبي صلى الله عليه وسلم، حرَّق هذا المسجد؛ لأن المنافقين اتخذوه وكرًا للفساد.
يقول الدكتور رمضان على السيد:
" ومن هنا نرى أنه يجوز للحاكم أن يحرِّق المسارح، والملاهي، والبارات، والمطابع التي تزيف النقود, وكذلك الكتب المضلة".
ونحن نوافقه على أنه يجوز للحاكم ذلك, بل نقول: إن هذا من واجبه كجزء من إزالة المفاسد؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح, ولكن لا يصلح ذلك دليلًا؛ لأن ما ذكر إنما هو في المال غير المتقوم , ولكن نزاعنا إنما ينحصر في المال المتقوم؛ لأن المال الغير متقوم حيز وفيه ضرر, فمنع الانتفاع به شرعًا ,
أما المال المتقوم: هو الذي حيز بالفعل وله نفع شرعي, وما فقد أحد هذين الوصفين فليس متقومًا .
الدليل الثاني من السنة:
1- عن البراء بن عازب قال: لقيت خالي ومعه الراية, فقلت أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه وآخذ ماله" .
ووجه الدلالة في هذا الحديث أن النبي أمر بضرب عنق، وأخذ مال من عصى بسبب ارتكاب الحرام المذكور في الحديث, ففيه الدلالة على جواز أخذ المال عقابًا.
والحق أنه ليس في الحديث المذكور دلالة على المقصود؛ لأنه إن صح فهو عقاب المرتد , والمرتد يقتل, وتصادر أمواله بلا خلاف بين الفقهاء في ذلك .
وهذا الذي تزوج أرملة أبيه مستحلًا ذلك، مرتد بلا ريب؛ لأن فعلته هذه تسمى "نكاح المقت" الذي وصفه الله بأشنع مما وصف به القتل والزنا قال تعالى:"ولا تنكحوا ما نكح آبائكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلا".
وحرمة هذا النكاح كانت معلومة لديهم من الدين بالضرورة, وإلا فلو كان هذا الناكح على هذا النحو جاهلًا لعَذَرَهُ النبي، صلى الله عليه وسلم, ولَمَا أقام عليه الحد؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
2- عن عمرو بن شعيب،عن أبيه، عن جده، عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن رجلًا من مزينة أتى رسول الله قال: "يارسول الله كيف ترى حَريسة الجبل؟
فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: هي ومثلها والنكال, وليس في شيء من الماشية قطع, إلا فيما آواه المراح, فبلغ ثمن المِجَنِّ , ففيه قطع اليد, وما لم يبلغ ثمن المِجَنِّ, ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال,
قال: يا رسول الله كيف ترى في الثمر المعلق؟
قال: هو ومثله معه والنكال, وليس في شيء من الثمر المعلق قطع إلا فيما آواه الجرين ، فما أخذه من الجرين، فبلغ ثمن المجن ففيه القطع, ومالم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال".
قالوا: ويؤخذ من الحديثين أنه يجوز التأديب بالمال, فضلًا عن العقاب بالجلد.
وليس هناك أصرح في الدلالة على جواز التعزير بالمال إتلافًا وأخذًا من هذا, حيث صرح النبي بتغريم الجاني الثمن مضاعفًا لقوله:" ففيه غرامة مثليه ونكال (العقوبة)، فهذا نص صريح على جواز العقوبة بالمال".
وبالتأمل نجد أنه ليس في الحديث دلالة صريحة على المطلوب, بل الأمر أبسط من ذلك، فإن غرض النبي،صلى الله عليه وسلم، التخويف, والتهديد, والوعيد, قال: جلال الدين السيوطي: "هذا على سبيل الوعيد و التغليظ، لا الوجوب؛ لينتهي فاعله عنه، وإلا فلا واجب على متلف الشيء أكثر من مثله".
"وهذا الحديث يشبه تهديد النبي، صلى الله عليه وسلم، المنافقين المتخلفين عن الجُمَع والجماعات بحرق بيوتهم, والهَمُّ ليس من السنة، لأنه ليس قولًا، ولا فعلًا، ولا تقريرًا" .
3- استدلوا أيضًا بأمر النبي، صلى الله عليه وسلم، عبدالله بن عمر، رضي الله عنه، "أن يحرق الثوبين المعصفرين" .
وبالرغم من أن هذه واقعة حال, فإنه يحتمل أن يكون النبي، صلى الله عليه وسلم، أمره بذلك؛ لأن الثوب المعصفر لم يعد صالحًا للبس الرجال, فإن فيه تشبهًا بالنساء.
وقد اختلف العلماء في لبس الثوب المعصفر - المصبوغ بالعصفر وهي ريحة طيبة- مما يدل على عدم الأخذ به، فقد أباح جمهور الفقهاء لبس الثوب المعصفر من الصحابة والتابعين ومن بعدهم, وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك, ولكن مالكًا قال: غيرهما "أي الثوبين من الرائحة" .
وقال بعض العلماء:"هو مكروه كراهة تنزيهية, وحملوا النهي على هذا؛ لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، لبس حُلَّةً حمراء, وحمل بعض العلماء النهي على المُحْرِِِِِِِم بالحج والعمرة" .
يقول النووي: "ليكون موافقًا لحديث ابن عمر رضي الله عنهما في نهي المحرم أن يلبس ثوبًا به وَرْس أو زعفران" .
وفي صحيح مسلم أن النبي قال لابن عمر:" أأمك أمرتك بهذا" فهذا السؤال يشير إلى كراهية النبي لذلك؛ لأن في لبس مثل هذا الثياب المصبوغة بألوان وروائح العطور تشبهًا بالنساء .
ومن الجدير بالذكر هنا أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قد يَشْتَدُّ في تربية بعض أصحابه فينهاهم عن أشياء خاصة، كنوع من التربية لهم، لما يعُدُّهُم له من عظائم، دون أن يكون ذلك عامًّا؛ ولذلك قال سيدنا علي، رضي الله عنه:
"نهاني رسول الله ولا أقول نهاكم" .
وهذا من أصح الأحاديث التي استدلوا بها وأبينها، وما عداها فأكثَرُهُ فيه ضعفٌ، وبعيدٌ الاحتجاج به.
الدليل الثالث من فعل الصحابة
1. تحريقُ عمرَ بن الخطاب - رضي الله عنه- المكان الذي يباع فيه الخمر.
2. تحريقُ عمرَ بن الخطاب - رضي الله عنه- كتب الأوائل الكاذبة المضلة.
3. تحريقُ عمرَ بن الخطاب - رضي الله عنه- قصر سعد بن أبي وقاص لمَّا احتجب فيه عن الرعية.
فهذه إتلافات في ثبوتها عن عمر شكٌ، لكن إن صحت فهي محمولةٌ على سد ذرائع الفساد، وليس في هذا عقوبة مالية، أو أنه فعل صحابي، وهو غير حجة في ذاته عند كثير من الأئمة, وليس ملزمًا عند الجميع.
أما الاستدلال بتضعيف عمر الغُرْم في ناقة أعرابي أخذها مماليك جياع, فأضعف الغرم فيها على سيدهم, فقد جاء في رواية ابن القيم: " أن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتى بهم عمر فأقروا، فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء فقال له: إن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مزينة وأقروا على أنفسهم، فقال عمر: يا كثير بن الصلت اذهب فاقطع أيديهم، فلما ولي بهم ردهم عمر، ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم، حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له، لقطعت أيديهم، وايم الله إذ لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك، ثم قال يا مزني بكم أريدت منك ناقتك قال بأربعمائة قال عمر: اذهب فأعطه ثمانمائة....قال أحمد بن حنبل: وكل من درأنا عنه الحد والقود، أضعفنا عليه الغرم" .
وقول الإمام ابن حنبل يفسر فعل عمر رضي الله عنه، إذ أنها واقعة خاصة بسبب المجاعة التي أصابت المسلمين اجتهد فيها عمر، فأسقط فيها الحد لكثرة المحاويج والمضطرون، وحتى تدرأ شبهة السرقة في وقت المجاعة على الإباحة، فيسرع السارق إلى السرقة، وينتشر الفساد جعل الغرم، لأنه تعدي على الغير، لذلك قال عمر: "إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له، لقطعت أيديهم".
أما إذا بان أن السارق لا حاجة به، وهو مستغن عن السرقة، لطبق الحد، ولقطعت يده، وعلى كل حال: فهو اجتهاد في حالة خاصة، ولا يصح القياس عليه، ليكون الحكم فيها على العموم.
قال الدكتور أحمد يوسف: "وعلى فرض صحة هذه القصة، فليس فيها دليل جواز، فعمر لم يغرم صاحب الغلمان ثمانمائة، وأعطى صاحب الناقة أربعمائة, وضم أربعمائة إلى بيت المال, بل أعطى المال كله لصاحب الناقة، كأنه رأى تطيبَ خاطرِ صاحب الناقة جزاءَ ترويعِهِ, وفي نفس الوقت يُدخل الأسى والأسف على نفس صاحب الغلمان" .
قال الإمام الشوكاني: "وأما المروي عن عمر في ذلك فيجاب عنه بعد ثبوته بأنه قول صحابي لا ينتهض للاحتجاج به, ولا يقوى على تخصيص عمومات الكتاب والسنة" .
الدليل الرابع المصلحة المرسلة
بنى المجوزون للعقوبة بالمال استدلالَهم بالمصلحة على أساس أن مصلحة الفرد والمجتمع تَكْمُنُ في العقوبة المالية التي تستفيد منها الدولة.
وهذا الاستدلال بالمصلحة المرسلة مرفوضٌ, فإنه لا يستدل بمصلحة أهدرها الشرع؛ لأنها عندئذٍ لا تكون إلا مصلحة متوهمة, أو مصلحة يترتب عليها ضرر أكبر من نفعها.
ومن القواعد الفقهية أن "درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة "
وهذه المصلحة التي تستفيدها الدولة من زيادة الخزانة العامة، سيترتب عليها إهدار عصمة المسلم في ماله, وهي مصلحة تتعارض مع الأصول الصحيحة المقررة بالكتاب والسنة تلك الأصول التي تثبت حرمة مال الغير إلا بالحق.
والعقاب بأخذ المال أو إتلافه لم يتعينْ أنه الطريق الوحيد للتأديب والتعزير.
وقد استدل د.رمضان السيد بقاعدتين فقهيتين على مشروعية التعزير بالمال همـا:
الأولى: "الضرر يزال".
والثانية: "تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة" .
والحق أن هاتين القاعدتين تشهدان للمنع لا للتجويز؛ لأن من تمام قاعدة "الضرر يزال", أن ""الضرر لا يزال بضررٍ أشد منه"".
والعقاب المالي قد يكون أشد من الجرم ذاته إذا نحن أزلناه بهذه الطريقة وحدها, علمًا بأنه يوجد ما هو أفضل منها.
فمثلًا لو أن شخصًا غشَّ في صَنْعَةٍ, فهل إزالة هذا الضرر تكون بإتلافه أو ببيعه، ووضع ثمنه في بيت المال, أو بتمليكه للغير, أم الأفضل أن يكون بيع تلك السلعة المغشوشة على صاحبها بالثمن العادل الذي تستحقه، وهي مغشوشة, وإخراجه من السوق, أو حرمانه من دخول السوق فترة مع تنبيه الناس إليه تعزيرًا.
لا شك أن في العلاج الثاني إزالة للضرر بضرر أخف لا بضرر أشد منه, مع المحافظة على مصالح الناس بعدم إدخال الغش عليها, وعقاب الجاني عقابًا ملائمًا لا يهدر مقررات الشرع.
أما القاعدة الثانية:
"تصرفات الإمام على الرعية منوط بالمصلحة"
فإنها تشهد كذلك بالرفض؛ لأن مصلحة الرعية تكون بحفظ الثروة القومية لا بإتلافها, ومصلحة الرعية تكون في صيانة الملكية الخاصة وحمايتها، لا في العدوان عليها.
فمثلا: لو ترك شخص الصلاة في جماعة, أو غَازَلَ امرأةً أجنبية, أو تَفَوَّهَ بلفظ نابٍ، فإن مصلحة المجتمع تكون بتأديبه بما يراه الإمام من الزجر، أو النهر، أو التعنيف، أو السجن دون الاعتداء على ماله الخاص.
وحسبنا كلمة الإمام مالك" بأن أي ذنب من الذنوب لايبيح الاعتداء على مال المسلم حتى ولو قتل" .
كما أن العقوبة يجب أن تكون من جنس الجناية, كما أشار إلى ذلك أكثر المنافحين عن العقوبة بالمال، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية.
المبحث الرابع
أدلة القائلين بالنسخ للتعـزير بالمال
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن العقوبة المالية كانت مشروعة, ثم نسخت وهو قول أبي جعفر الطحاوي وأكثر الشافعية, وقال به ابن رشد, "وقد نقل عن الغزالي والطحاوي الإجماع على نسخ العقوبة بالمال" .
قال الطحاوي عند كلامه عن حديث شَقِّ دِنانِ الخمر ومنع الانتفاع بها: "وكان ذلك عندنا في الحال التي كانت للعقوبات على الذنوب تكون في الأموال".
وقال ابن رشد في العقوبة المالية: "ثم نسخ ذلك كله بالإجماع على أن ذلك لايجب, وعادت العقوبات في الأبدان وبالله التوفيق".
"فالناسخ للعقوبة بالمال عند أصحاب هذا الاتجاه هو الإجماع, وإذا كان بعض الأصولين أجاز النسخ للنصوص بالإجماع، فإن جمهورهم على أن الإجماع لابد أن يكون له مستند من الشرع, وإلا فلا يعقل أن تحفظَ الأمةُ المنسوخَ وتنسى الناسخَ, رغم أننا غير مطالبين بالعمل بالمنسوخ، ومطالبون بالعمل بالناسخ, فما النص الذي استند إليه الإجماع هنا"
زعم الشافعي أن الناسخ حديث ناقة البراء؛ لأنه حكم عليه بضمان ما أفسدت؛ ولم ينقل عنه في تلك القضية أنه أضعف الغرامة.
قال الإمام النووي هذا الجواب ضعيف من وجهين:
(1) أما ما ادَّعوه من كون العقوبات كانت بالأموال في أول الإسلام، فليس بثابت ولا مدون.
(2) والثاني أن النسخ إمَّا يصار إليه إذا علم التاريخ، وليس هنا علم بذلك.
وقال ابن اتيمية: "ومن قال إن العقوبات المالية منسوخة، وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد، فقد غَلَطَ على مذهبهما، ومن قاله مطلقًا من أي مذهب كان، فقد قال قولًا بلا دليل، ولم يجيء عن النبي، صلى الله عليه وسلم، شيء قط، يقتضي أنه حرم جميع العقوبات المالية، بل أخذ الخلفاء الراشدون وأكبر أصحابه بذلك بعد موته دليل على أن ذلك محكم لا منسوخ.
وقال ابن القيم :"والمدعون للنسخ ليس معهم كتاب ولاسنة ولا إجماع يصحح دعواهم.... ومحال أن ينسخ الإجماع السنة، ولكن لو ثبت الإجماع لكان دليلًا على نص ناسخ.
وأما حديث ناقة البراء الذي جعله الشافعي دليل النسخ، فإنه في الواقع لايصلح دليلًا على ذلك.
قال الشوكاني: "ولا يخفى أن تَرْكَهُ، صلى الله عليه وسلم، للمعاقبة بأخذ المال في هذه القضية لا يستلزم الترك مطلقًا، ولايصلح للتمسك به على عدم الجواز وجعله ناسخًا البتة" .
الفصل الثالث
المبحث الأول
مناقشة ونتيجة
إن القلب ليطمئن بعد دراسة الاتجاهات الثلاثة(المنع-الإجازة-النسخ) وبالموازنة والمقارنة بينهم إلى الاتجاه الذي أخذ به جمهور الفقهاء، والذي يقول بمنع التعزير بالمال, لا لأنه قول الجمهور, ولكن لأنه القول الصحيح، بل والأصح من حيث،
1- قوة أدلته:
فقد لاحظنا أنه اعتمد على أدلة صحيحة من الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة, وسَلِمَ من أي معارض قوي, وكل ما وُجِّه إليه من اعتراض لم يورث شكًا في رجاحته وقوته, بل كانت كل الانتقادات حجة له لا عليه, وزاده قوة وثباتًا ووضوحًا, وهذا شأن ما هو حق "فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض"
2- ضعف أدلته القائلين بالنسخ والجواز
فأما القول بالنسخ فلا مستند لهم فيما يقولون, لأنهم عاجزون عن إثبات نسخه؛ ولأن القول بالنسخ يستلزم معرفة التاريخ لتعيين المتقدم المنسوخ والمتأخر الناسخ, بل ومعرفة الدليل الذي استند إليه هذا الفريق في أن الحكم به منسوخ.
وأما مانسبوه إلى الإمام الشافعي فغير صحيح.
3- شهادة الواقع وقرائن الأحوال
هذا الأمر من أهم الأمور الدافعةِ لهذا البحث؛ لأنَّ جُلَّ من يستخدم هذا الأسلوب في العقاب لا يعرف حُكْمَهُ، ولا دليلَ فيه يستند إليه، بل وتكاد تجد المُعَاقَبَ أيضًا يستخدمه، كوسيلة لتقويم غيره،
ويرجع هذا إلى قلة الخبرات التربويةِ الداعمةِ لعمليةِ التقويمِ السليمة، والإفلاس في اختيار العقاب المناسب للشخص المناسب، فليس كل الناس سواسية، تناسبهم نفس الوسيلة في التقويم، فقد ينفع البعض نظرة عتاب، وقد ينفع البعض كلمةُ نصحٍ، أو تذكير، أو موعظةٍ....وهكذا.
وأما عن قرائن الأحوال فقد تجد المُعَاقَبَ بالمال تعزيرًا ليس معه إلا ما عوقب به، ويرجع إلى أهل بيته مفلسًا، يعالج معهم ظروف الحياة، أو تجد آخرًا يدفع وهو لا يعرف، لماذا أُخِذَ منه مبلغ من المال نظير تقصيره؟ وما هي العَلاقة بينهما؟
أما الأمر الذي يحتاج مِنَّا إلى وقفة هو:
• هل هناك تسعيرة لبعض الأعمال للتقصير فيها؟
• أم أن الأمر موكول إلى المسئول يحدده كيف يشاء ؟
• وهل إذا اشترك أكثر من فرد في هذا التقصير، هل سيكون المبلغ واحدًا للجميع؟
فلا يراعي فيه الفروق الاقتصادية بينهم - فقد يؤثر مبلغ في شخص ،ويكون عليه حملًا، ولا يحرك ساكنًا في الآخر- أم أنه سيحدد لهذا مبلغًا، وهذا مبلغًا يدفعه، ويكون بذلك قد فرق بينهما، مما يثير التساؤل لديهما؟
إنَّ الأمر كما رأيتم شائك، لا لأنه صعب فقط في تنفيذه؛ ولكن لأن هذا طبيعة أي شيء محرم، لا تجد الوصول إليه بشرع الله سهلًا .
وأما القول الذي يرى جواز التعزير بالمال فإنه مبني على أسس ضعيفة, وما كان منها قويًّا فإنه بعد مناقشته تبين أنه كان واقعة حال، أو بعيدًا كل البعد عن موطن النزاع، أو اعتمد على مصلحة ألغاها (أهدرها) الشارع الحكيم, الأمر الذي جعله مناقضًا للأصول، ومخالفًا للثوابت الشرعية مثل: عصمة مال المسلم، واحترام الشريعة للمال، وصيانة الملكية الفردية, ومعاملة الناس بالعدل، والتسوية بينهم في مجال تطبيق الأحكام دون تفرقة بين شريف وضعيف، وغني وفقير.
يبقى في نهاية البحث أن أشير إلى قضية هامة جدًّا ينبغي أن نلتفت إليها, وهي أن القائلين بالتعزير بالمال لم يقولوه حكمًا عامًّا, ومن قال بالعموم، فإن قوله كما تبين أنه واهٍ من حيث الدليل والبرهان, فأبو يوسف مثلًا: يميل إلى أخذ المال تعزيرًا في أي ذنب سواء كان لهذا الذنب صلة بالمال أم لم يكن.
وهذا مخالف لفلسفة العقوبة في الإسلام, فقد لاحظنا أن العقوبة في الشريعة الإسلامية تكون من جنس الجرم, بل هي كذلك في قدر الله وشرعه في الدنيا والآخرة كما حقق ذلك ابن تيمية فإن من أفطر في رمضان يناسبه الحبس في مكان ليس فيه طعام ولا شراب، ولكن لا يناسبه الغرامة المالية مثلًا.
ومن جهة أخرى فإن ابن تيمية وابن القيم ومن وافقهم اتجهوا إلى ربط التعزير بالمال بالجرائم المالية أى المتعلقة بالمال كالغش فى السلعة أو عوضها أو إتلاف مال الغير.
وفي هذا المعنى أورد العالم الجليل محمد بن محمد المعروف بابن الأخوة سؤالًا :
"هل للسلطان زجر النَّاسِ عَنْ الْمَعَاصِي بِإِتْلَافِ أَمْوَالِهِمْ، وَتَخْرِيبِ دُورِهِمْ الَّتِي فِيهَا يَشْرَبُونَ وَيَعْصُونَ، وَإِحْرَاقِ أَمْوَالِهِمْ الَّتِي يَتَوَصَّلُونَ بِهَا إلَى الْمَعَاصِي ؟ "
ثم أجاب عنه بقوله:
"اعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ لَمْ يَكُنْ خَارِجًا عَنْ سُنَنِ الْمَصَالِحِ، وَلَكِنَّا لَا نَبْتَدِعُ الْمَصَالِحَ،
بَلْ نَتْبَعُ فِيهَا، وَكَسْرُ ظُرُوفِ الْخَمْرِ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ لَا يَكُونُ نَسْخًا، بَلْ الْحُكْمُ يَزُولُ بِزَوَالِ الْعِلَّةِ وَيَعُودُ بِعَوْدِهَا، فَإِنَّمَا جَوَّزْنَا ذَلِكَ لِلْإِمَامِ بِحُكْمِ الِاتِّبَاعِ، وَمَنَعْنَا آحَادَ الرَّعِيَّةِ مِنْهُ لِخَفْيِ وَجْهِ الِاجْتِهَادِ فِيه.
ِ بَلْ نَقُولُ لَوْ أُرِيقَتْ الْخُمُورُ أَوَّلًا فَلَا يَجُوزُ كَسْر الْأَوَانِي بَعْدَهَا، وَإِنَّمَا جَازَ كَسْرُ الْأَوَانِي تَبَعًا لِلْخَمْر،ِ فَإِذَا خَلَتْ عَنْهَا فَهُوَ إتْلَافُ مَالٍ، إلَّا أَنْ تَكُونَ ضَارِبَةً بِالْخَمْرِ لَا تَصْلُحُ إلَّا لَهَا، فَهَذِهِ تَصَرُّفَاتٌ فِقْهِيَّةٌ يَحْتَاجُ الْمُحْتَسِبُ لَا مَحَالَةً لِمَعْرِفَتِهَا".
وهذا الأمر هام جدًا؛ لأنه يشير إلى أن التعزير وسائر تصرفات المحتسب أو الإمام لابد أن تكون عن معرفة بأحكامها الفقهية، وعن دراية بأحوال الرعية.
وحتى أبو يوسف لم يقل إن التعزير بالمال يعني إتلافه، أو تحويله، أو التصدق به، بل قال إن صح نقل الرواية عنه: "إمساك شيء من ماله عنه مدة لينزجر، ثم يعيده إليه لا أن يأخذه الحاكم لنفسه، أو لبيت المال" .
وقد فسر فقهاء المذهب ما نسب لأبي يوسف أنه يحتمل أن يكون مراده منع بعض ماله عنه ليتوب، ثم يرده إليه, فإن لم يتب، يمكن أن يتصرف فيه الإمام مما فيه مصلحة المسلمين.
وحتى ما ذكره ابن القيم في جواز العقوبة بالمال رد عليه الأخميمي من علماء المذهب نفسه فكلاهما حنبليٌّ بقوله: "وأكثر هذه المسائل التي تقدم عليها النقول شائعة في مذهب الإمام أحمد دعوة غير مسلمة على مذهبه, والمنقول عنه منع العقوبة بالمال".
وبِناءً عليه: يتضح لنا أنه إن جازت العقوبة تعزيرًا بالمال عند الحنابلة، تكون على الظالم الجاني على مال غيره بقيمة ما تعدى وظلم, دون زيادة على ذلك، مع بقاء تحريم أكل مال الغير على حرمته فيما سوى ذلك.
وأما حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال "ومن منعها(أي زكاة المال) فإنا آخذوها (أي زكاة المال) وشطر ماله (زيادة عن الزكاة) عَزْمة من عَزَمَات ربنا، ليس لآل محمد فيها شيء"
"قال النووي: وهل يؤخذ معها نصف ماله عقوبة له؟"
في الجديد –المذهب الجديد للشافعي- لا, وفي القديم يؤخذ.
ونقررهنا: أن ما كان في القديم يُنسخ حكمُهُ بالجديد، وأما إذا لم يقل الشافعي في نفس المسألة شيئًا في الجديد يؤخذ بحكم القديم، وهذا من أصول الشافعية.
"وقال أبو إسحاق الشيرازي: هذه من خصوصية الزكاة بكونها عبادة، فلا يجب الامتناع عنها" (أي فلا يقاس عليها).
المبحث الثاني
العقوبة المالية المشروطة
تجوز العقوبة المالية المشروطة مسبقًا؛ لاحترام الشريعة الشروط بين العباد، وهي بمنزلة العهد الذي ألزم المُكَلفُ فيه نفسه، ومثل هذا في لائحة الجزاءات التأديبية لقانون العمل، وهي مجموعة من القواعد العامة التي يضعها رب العمل؛ لتنظيم المسائل التفصيلية التي تواجه العمل في المنشأة.
والأصل أن العقد شريعة المتعاقدين، فلا يكون لأي من العاقدين أن ينفرد بتعديل أي من بنود العقد استقلالًا عن الطرف الآخر، وهي القاعدة التي يقررها القانون المدني باعتباره الشريعة العامة لقانون العمل، وهي مستمدة من الشريعة الإسلامية.
يقول الإمام ابن القيم :
"لِلشُّرُوطِ عِنْدَ الشَّارِعِ شَأْنٌ، وإنَّ الِالْتِزَامَ بِالشَّرْطِ كَالِالْتِزَامِ بِالنَّذْرِ، وَالنَّذْرُ لَا يَبْطُلُ مِنْهُ إلَّا مَا خَالَفَ حُكْمَ اللَّهِ وَكِتَابَهُ، بَلْ الشُّرُوطُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ أَوْسَعُ مِنْ النَّذْرِ فِي حَقِّ اللَّهِ، وَالِالْتِزَامُ بِهِ أَوْفَى مِنْ الِالْتِزَامِ بِالنَّذْرِ.
والشَّرْطُ الْجَائِزُ بِمَنْزِلَةِ الْعَقْدِ، بَلْ هُوَ عَقْدٌ وَعَهْدٌ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } ، وَقَالَ تعالى : { وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا } .
والشُّرُوطُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِينَ كَالنَّذْرِ فِي حُقُوقِ رَبِّ الْعَالَمِينَ".
وعن أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق من ذلك" .
لذا، وبعد كل هذه الأدلة، فلسنا إلا سائرين مع الأدلة كتابًا وسنةً حيث سارت، وواقفين معها حيث وقفت.
وينطبق هذا الحكم على كل حاكم، أو مسئول، أو من ينوب عنهما في أي عمل، أو تجمع، أو رئاسة.
والله من وراء القصد،
وهو يهدي السبيل،
وإليه المنتهى،
أ/محمد الباشا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
ليسانس دار العلوم في اللغة العربية وآدابها والعلوم الإسلامية
القاهرة
الجمعة 25 صفر1430
20 فبراير 2009
مصادر البحث
1- القرآن الكريم.
2- صحيح البخاري بشرح فتح الباري.
3- صحيح مسلم بشرح النووي.
4- سنن النسائي وحاشية السيوطي عليه.
5- سنن الترمذي.
6- سنن أبي داود.
7- سنن ابن ماجه
8- زوائد ابن ماجه.
9- مسند الإمام أحمد.
10- سنن البيهقي.
11- معجم الطبراني.
12- السلسلة الصحيحة للألباني.
كتب الأحناف
13- فتح القدير للكمال بن الهمام الحنفي.
14- حاشية ابن عابدين للشيخ محمد أمين الدمشقي الحنفي المسماة حاشية المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار.
15- فصول الإستروشني للفقيه الحنفي.
16- مشكل الآثار لأبي جعفر الطحاوي الحنفي.
كتب المالكية
17- البيان والتحصل لابن رشد الجد القرطبي (ت 520).
18- وثائق في شئون الحسبة في الأندلس مستخرجة من مخطوط "الأحكام الكبرى" للقاضي أبي الأصبغ عيسى بن سهل الأندلسي.
19- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للشيخ محمد بن عرفة الدسوقي على الشرح الكبير للدردير.
20- حاشية الصاوي على الشرح الصغير لأحمد بن محمد الصاوي المالكي.
21- تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام لإبراهيم بن فرحون المالكي.
كتب الشافعية
22- المستصفى للغزالي (ت 505).
23- الأحكام السلطانية للماوردي الشافعي.
24- فتاوى السبكي لتقي الدين علي بن عبدالكافي (ت 756).
25- الأشباه والنظائر للسيوطي(ت911).
26- حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج شرح المنهاج الشافعي.
27- المجموع للنووي شرح "المهذب" للشيرازي.
28- شرح منتهى الإرادات للبهوتي.
كتب الحنابلة
29- المغني لابن قدامة المقدسي الحنبلي.
30- الحسبة لابن تيمية
31- زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم.
32- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم.
33- إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم.
كتب وأبحاث عامة
34- نيل الأوطار للشوكاني.
35- التعزير بالمال في الفقه الإسلامي د.أحمد يوسف رئيس قسم الشريعة بكلية دار العلوم.
36- التعزير بالمال, بحث منشور بمجلة كلية الشريعة بصنعاء للدكتور رمضان علي السيد العدد الأول سنة (1985).
37- حكم الغرامة المالية في الفقه الإسلامي لعصام أنس الزفتاوي.
38- مقاصد الشريعة الإسلامية للشيخ محمد الطاهر عاشور.
39- لسان العرب لابن منظور المصري الإفريقي.
40- المصباح المنير للفيومي.
41- مجالس شهر رمضان لابن عثيمين.
42- معالم القربة في طلب الحسبة للعلامة محمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن الأخوة القرشي الشافعي.
43- أنوار البروق في أنواع الفروق لأبي القاسم قاسم بن عبدالله بن محمد الأنصاري المعروف بابن الشاط على كتاب "الفروق" للإمام أحمد بن إدريس القرافي.
44- تفسير"إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" لأبي السعود ، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي.
45- تفسير "زاد المسير" لابن الجوزي.
46- التشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي للمستشار عبد القادر عودة
فهرس البحث
تقريظ الدكتور البـري....................................................................2
توطئة الدكتور غالي.......................................................................3
المقدمة للمؤلف ...........................................................4
معنى التَّعْزِير لغةً و شرعًا...................................................6
حكم التعزير و دليله......................................................6
حكمة ومشروعية التعزير....................................................7
الفرق بين التعزير والحدود..................................................7
وسائل إثبات حق التعزير...................................................8
أدلة المانعين للتعزير بالمال...............................................10
أدلة المجوزين للتعزير بالمال والرد عليها...................................16
أدلة القائلين بالنسخ للتعزر بالمال........................................22
مناقشة ونتيجة...........................................................24
العقوبةالماليةالمشروطة....................................................27
مصادر البحث.............................................................29
الثلاثاء، 25 مايو 2010
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق