إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.
أما بعد،،،
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار.
اللهم نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضنا إليك غير مفتونين ولا ضالين ولا مضلين.
اللهم نسالك حجة مبرورة، وعمرة مقبولة، وذنوبًا مغفورة، كما نسألك زيارة لبيتك الحرام، ولحبيبك سيد الأنام، أيها المسلمون الكرام.
إن من فاته في هذا العام القيام بعرفه، فليُقم حقَ الله الذي عرفه، ومن عجز عن المبيت بمزدلفة، فلْيُبَيِّت عزمَه على طاعة الله بعد أن قرَّبَه وأَزْلَفه، ومن لم يقدر على نحر هديه بمنى، فليذبح هواه هنا لكي يبلغَ المُنَى، ومن لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد، فليقصدْ ربَ البيت، فإنه أقرب إليه من حبل الوريد.
واعلموا أن الطاعة منتظرة من العبد، بل ومرجوة أكثر مما هي في موسم العبادة، ففي موسم الحج يطوف الناس بالبيت ويسعون بالصفا والمروة، ويقفون بعرفة ويبيتون بمزدلفة، وفي هذه المناسك يطلب منهم الذكر عند المشعر الحرام بدون وصف زائد، أما إذا انقضى موسم الحج يأمرهم بكثرة الذكر، بل وبرفع الصوت به يقول تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}[البقرة/198-200].
أي إذا فرغتم من حجكم ومن ذكركم فيه، فأثنوا على الله واذكروه كما كانت عادة العرب تقف عند الجمرة تتفاخر بالآباء من كرم ونسب، فنزلت الآية بأن يلزموا أنفسهم أكثر من التزامهم ذكر آبائهم في الجاهلية،يقول ابن كثير : "كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحَمَالات ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، والمقصود منه الحث على كثرة الذكر لله عز وجل؛ ولهذا كان انتصاب قوله:{ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } على التمييز، تقديره كذكركم آباءكم أو أشد منه ذكرًا، و"أو" هاهنا لتحقيق المماثلة في الخبر، ثم إنه تعالى أرشد إلى دُعَائه بعد كثرة ذكره".
نفس الأمر تؤكدة آيات سورة الجمعة حيث يقول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)}.
فقوله:{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} "أي: اقصدوا واعمدوا واهتموا في مَسيركم إليها، وليس المراد بالسعي هاهنا المشي السريع، وإنما هو الاهتمام بها، كقوله تعالى: { وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ } [الإسراء : 19]، وكان عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهما يقرآنها: "فامضوا إلى ذكر الله". فأما المشي السريع إلى الصلاة فقد نهي عنه، لما أخرجاه في الصحيحين، عن أبي هُرَيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تُسرِعوا، فما أدركتم فصَلُّوا، وما فاتكم فأتموا". لفظ البخاري.
قال الحسن أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نُهُوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع.
وقوله: { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ } أي: فُرغ منها، { فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } لَمَّا حَجَر عليهم في التصرف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع، أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله. كما كان عرَاك بن مالك رضي الله عنه إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللهم إني أجبتُ دعوتَك، وصليتُ فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: { وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي: حال بيعكم وشرائكم، وأخذكم وعَطَائكم، اذكروا الله ذكرا كثيرا، ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة؛ ولهذا جاء في الحديث: "من دخل سوقًا من الأسواق فقال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير كُتبت له ألفُ ألف حَسنة، ومُحي عنه ألفُ ألف سَيئة " .
لذلك قال الإمام فخر الرازي"ما الفرق بين ذكر الله أولاً وذكر الله ثانياً؟ فنقول: الأول من جملة مالا يجتمع مع التجارة أصلاً إذ المراد منه الخطبة والصلاة كما مر، والثاني من جملة ما يجتمع كما في قوله تعالى : { رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله } [ النور : 37 ] .
الشاهد أن طاعة الله بعد موسم الطاعة وذكر الله بعد عون الذاكرين يعصم من الإمعية فعن عبد الله بن مسعود قال: لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً، فإن آمن، آمن، وإن كفر، كفر، وإن كنتم لا بد مقتدين، فاقتدوا بالميت فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة .
وقال ابن مسعود: لا يكونن أحدكم إمعة قالوا: وما الإمعة يا أبا عبد الرحمن ؟ قال: تقول: إنما أنا مع الناس إن اهتدوا اهتديت، وإن ضلوا ضللت، ألا ليوطننَّ أحدكم نفسه على أن كفر الناس أن لا يكفر .
أقول ما تسمعون وأستغفر الله مما لا تعلمون، وتوبوا إلى الله جميعًا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون.
الخطبة الثانية
الحمد لله أول لا أول يثانيه، وآخر لا آخر يدانيه، وظاهر لا ظاهر يضاهيه، وأحد لا أحد يحاذيه، تفضل على عباده فاختلفت العقول فيه
وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين والشافع لأمته يوم الدين وأحب الخلق إلى الله أجعين، أما بعد
إن الله عز وجل قد جعل لبعض الأزمان والأماكن فضلاً تتضاعف فيها الطاعة، وحث سبحانه على التعرض بالطاعة لتلك النفحات الفاضلة وهيأ عز وجل لها أسبابها، ومن ذلك شهر رمضان المبارك، وعرفات، ويوم الجمعة، وليلة القدر وعشر ذي الحجة.. وغيرها.
والعباد أمام هذه الأزمنة الفاضلة والأماكن أصناف:
1. صنف لا يراعي لها حرمة؛ فهو ساهٍ لاهٍ قد ران على قلبه حب الدنيا وزخرفها؛ فهو أسود مرباد لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، منكب على منكره نعوذ بالله من الخذلان.
2. وصنف عبد المواسم، فتجده يصلي الجمعة، ويصوم رمضان، ويحج البيت الحرام، أما إذا فارقهم أو فارقوه فيكون كالتي نقضت غزلها، ونسي أنه يعبد الله الذي يراه ولا يفارقه في زمان أو مكان{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }[الحديد/4].
3. وصنف جعل هذه المواسم التعبدية كما أراد الله عز وجل لها أن تكون مواسم تعبدية لزيادة العمر، جعل هذه المواسم جبراً للتقصير الذي حصل في غيرها، وتكفيرًا للذنوب التي لا ينفك عنها؛ يعبد الله ويحرص على طاعته في هذه المواسم وفي غيرها في حياته كلها.
هذه هي أصناف الواقع الذي نعيش فيه.. أما ما نوصي به فأمور:
أولاً: أن العبادة التي هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه لا تفارق المسلم أينما كان، وفي أي وقت كان قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} الحجر:99
ثانيًا: أن الأمر بالتزود دائماً وأبداً.. فمن ذاق لذة العبادة والطاعة تزود منها، قال سبحانه: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}البقرة: من الآية197.
ثالثًا: أن المسلم بينه وبين الله عهود أكيدة، وأنزل عليه في كتابه {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} (البقرة: من الآية 40) قال سهل التستري: من قال لا إله إلا الله فقد بايع الله، فحرام عليه إذا بايعه أن يعصيه في شيء من أمره، في السر والعلانية، أو يوالي عدوه، أو يعادي وليه.
يـا بني الإسـلام مـن علمكـم * * بعد إذ عاهدتم نقض العهود
كل شيء في الهـوى مستحـسـن * * ما خلا الغدر وإخلاف الوعود
رابعًا: أن المسلم يحرص على ما يحبه الله ويرضاه والعمل الصالح الذي يداوم عليه صاحبه أحب إلى الله من العمل المنقطع وإن كثر فعَنْ عَائِشَةَ فيما رواه مسلم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ "
خامسًا: علامة قبول الطاعة أن توصل بطاعة بعدها، وعلامة ردها أن توصل بمعصية، وما أحسن الحسنة بعد الحسنة، وما أقبح السيئة بعد الحسنة، فالنكسة أصعب من المرض الأول، وما أوحش ذل المعصية بعد عز الطاعة، سلوا الله الثبات إلى الممات، وتعوذوا من الحور بعد الكور، وكان الإمام أحمد يدعو ويقول: اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين فضلا منك ونعمة.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.
أما بعد،،،
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار.
اللهم نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضنا إليك غير مفتونين ولا ضالين ولا مضلين.
اللهم نسالك حجة مبرورة، وعمرة مقبولة، وذنوبًا مغفورة، كما نسألك زيارة لبيتك الحرام، ولحبيبك سيد الأنام، أيها المسلمون الكرام.
إن من فاته في هذا العام القيام بعرفه، فليُقم حقَ الله الذي عرفه، ومن عجز عن المبيت بمزدلفة، فلْيُبَيِّت عزمَه على طاعة الله بعد أن قرَّبَه وأَزْلَفه، ومن لم يقدر على نحر هديه بمنى، فليذبح هواه هنا لكي يبلغَ المُنَى، ومن لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد، فليقصدْ ربَ البيت، فإنه أقرب إليه من حبل الوريد.
واعلموا أن الطاعة منتظرة من العبد، بل ومرجوة أكثر مما هي في موسم العبادة، ففي موسم الحج يطوف الناس بالبيت ويسعون بالصفا والمروة، ويقفون بعرفة ويبيتون بمزدلفة، وفي هذه المناسك يطلب منهم الذكر عند المشعر الحرام بدون وصف زائد، أما إذا انقضى موسم الحج يأمرهم بكثرة الذكر، بل وبرفع الصوت به يقول تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}[البقرة/198-200].
أي إذا فرغتم من حجكم ومن ذكركم فيه، فأثنوا على الله واذكروه كما كانت عادة العرب تقف عند الجمرة تتفاخر بالآباء من كرم ونسب، فنزلت الآية بأن يلزموا أنفسهم أكثر من التزامهم ذكر آبائهم في الجاهلية،يقول ابن كثير : "كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحَمَالات ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، والمقصود منه الحث على كثرة الذكر لله عز وجل؛ ولهذا كان انتصاب قوله:{ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } على التمييز، تقديره كذكركم آباءكم أو أشد منه ذكرًا، و"أو" هاهنا لتحقيق المماثلة في الخبر، ثم إنه تعالى أرشد إلى دُعَائه بعد كثرة ذكره".
نفس الأمر تؤكدة آيات سورة الجمعة حيث يقول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)}.
فقوله:{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} "أي: اقصدوا واعمدوا واهتموا في مَسيركم إليها، وليس المراد بالسعي هاهنا المشي السريع، وإنما هو الاهتمام بها، كقوله تعالى: { وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ } [الإسراء : 19]، وكان عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهما يقرآنها: "فامضوا إلى ذكر الله". فأما المشي السريع إلى الصلاة فقد نهي عنه، لما أخرجاه في الصحيحين، عن أبي هُرَيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تُسرِعوا، فما أدركتم فصَلُّوا، وما فاتكم فأتموا". لفظ البخاري.
قال الحسن أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نُهُوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع.
وقوله: { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ } أي: فُرغ منها، { فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } لَمَّا حَجَر عليهم في التصرف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع، أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله. كما كان عرَاك بن مالك رضي الله عنه إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللهم إني أجبتُ دعوتَك، وصليتُ فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: { وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي: حال بيعكم وشرائكم، وأخذكم وعَطَائكم، اذكروا الله ذكرا كثيرا، ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة؛ ولهذا جاء في الحديث: "من دخل سوقًا من الأسواق فقال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير كُتبت له ألفُ ألف حَسنة، ومُحي عنه ألفُ ألف سَيئة " .
لذلك قال الإمام فخر الرازي"ما الفرق بين ذكر الله أولاً وذكر الله ثانياً؟ فنقول: الأول من جملة مالا يجتمع مع التجارة أصلاً إذ المراد منه الخطبة والصلاة كما مر، والثاني من جملة ما يجتمع كما في قوله تعالى : { رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله } [ النور : 37 ] .
الشاهد أن طاعة الله بعد موسم الطاعة وذكر الله بعد عون الذاكرين يعصم من الإمعية فعن عبد الله بن مسعود قال: لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً، فإن آمن، آمن، وإن كفر، كفر، وإن كنتم لا بد مقتدين، فاقتدوا بالميت فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة .
وقال ابن مسعود: لا يكونن أحدكم إمعة قالوا: وما الإمعة يا أبا عبد الرحمن ؟ قال: تقول: إنما أنا مع الناس إن اهتدوا اهتديت، وإن ضلوا ضللت، ألا ليوطننَّ أحدكم نفسه على أن كفر الناس أن لا يكفر .
أقول ما تسمعون وأستغفر الله مما لا تعلمون، وتوبوا إلى الله جميعًا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون.
الخطبة الثانية
الحمد لله أول لا أول يثانيه، وآخر لا آخر يدانيه، وظاهر لا ظاهر يضاهيه، وأحد لا أحد يحاذيه، تفضل على عباده فاختلفت العقول فيه
وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين والشافع لأمته يوم الدين وأحب الخلق إلى الله أجعين، أما بعد
إن الله عز وجل قد جعل لبعض الأزمان والأماكن فضلاً تتضاعف فيها الطاعة، وحث سبحانه على التعرض بالطاعة لتلك النفحات الفاضلة وهيأ عز وجل لها أسبابها، ومن ذلك شهر رمضان المبارك، وعرفات، ويوم الجمعة، وليلة القدر وعشر ذي الحجة.. وغيرها.
والعباد أمام هذه الأزمنة الفاضلة والأماكن أصناف:
1. صنف لا يراعي لها حرمة؛ فهو ساهٍ لاهٍ قد ران على قلبه حب الدنيا وزخرفها؛ فهو أسود مرباد لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، منكب على منكره نعوذ بالله من الخذلان.
2. وصنف عبد المواسم، فتجده يصلي الجمعة، ويصوم رمضان، ويحج البيت الحرام، أما إذا فارقهم أو فارقوه فيكون كالتي نقضت غزلها، ونسي أنه يعبد الله الذي يراه ولا يفارقه في زمان أو مكان{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }[الحديد/4].
3. وصنف جعل هذه المواسم التعبدية كما أراد الله عز وجل لها أن تكون مواسم تعبدية لزيادة العمر، جعل هذه المواسم جبراً للتقصير الذي حصل في غيرها، وتكفيرًا للذنوب التي لا ينفك عنها؛ يعبد الله ويحرص على طاعته في هذه المواسم وفي غيرها في حياته كلها.
هذه هي أصناف الواقع الذي نعيش فيه.. أما ما نوصي به فأمور:
أولاً: أن العبادة التي هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه لا تفارق المسلم أينما كان، وفي أي وقت كان قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} الحجر:99
ثانيًا: أن الأمر بالتزود دائماً وأبداً.. فمن ذاق لذة العبادة والطاعة تزود منها، قال سبحانه: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}البقرة: من الآية197.
ثالثًا: أن المسلم بينه وبين الله عهود أكيدة، وأنزل عليه في كتابه {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} (البقرة: من الآية 40) قال سهل التستري: من قال لا إله إلا الله فقد بايع الله، فحرام عليه إذا بايعه أن يعصيه في شيء من أمره، في السر والعلانية، أو يوالي عدوه، أو يعادي وليه.
يـا بني الإسـلام مـن علمكـم * * بعد إذ عاهدتم نقض العهود
كل شيء في الهـوى مستحـسـن * * ما خلا الغدر وإخلاف الوعود
رابعًا: أن المسلم يحرص على ما يحبه الله ويرضاه والعمل الصالح الذي يداوم عليه صاحبه أحب إلى الله من العمل المنقطع وإن كثر فعَنْ عَائِشَةَ فيما رواه مسلم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ "
خامسًا: علامة قبول الطاعة أن توصل بطاعة بعدها، وعلامة ردها أن توصل بمعصية، وما أحسن الحسنة بعد الحسنة، وما أقبح السيئة بعد الحسنة، فالنكسة أصعب من المرض الأول، وما أوحش ذل المعصية بعد عز الطاعة، سلوا الله الثبات إلى الممات، وتعوذوا من الحور بعد الكور، وكان الإمام أحمد يدعو ويقول: اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين فضلا منك ونعمة.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق