رسالة

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علمًا نافعًا



الخميس، 14 مارس 2013

الـهـــدايـــة الحمد لله رعيت من استرعاك، وحميت من لجا بحماك، لا معين غيرك، ولا ناصر سواك، أنت البارئ والطبيب، وأنت المعاقب والمثيب، وأنت الحارس والرقيب، وأنت على كل شيء حسيب. سبحانك لا قوة على طاعتك إلا بإعانتك، ولا تحول عن معصيتك إلا بمشيئتك، تهدي من تشاء وتعصم وتعافي فضلا، وتضل من تشاء وتخذل وتبتلي عدلا، وكلنا يتقلب في مشيئته بين فضله وعدله، الوجود وجوده، والملوك عبيده، نستعينه ونستهديه ونستغفره، نؤمن به، ونتوب إليه، ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله، هو المتعالي عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره، خالق بلا حاجة، رازق بلا مـئونة، مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة، قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفـهام، ولا يُشبه الأنام، حي لا يموت، قيوم لا ينام، آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلاً من عنده ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وأنه خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وحبيب المتقين، وإمام الخلق إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين. أما بعد : فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي نبينا محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين، ثم أما بعد. كيف السبيل إلى الهــدايـة هذا هو عنوان لقائنا اليوم، وسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم في هذا الموضوع في العناصر التالية : أولاً : أقسام الهداية . ثانيا : أسباب الهداية . ثالثاً : علامات الهداية . وأخيرًا : عقبات وموانع الهداية . أيها الأحبة المسلمون عباد الله: إن أعظمَ وأشرف وأجل نعمةٍ يمتن الله بها على عباده هي نعمةُ الهداية للإسلام والإيمان، ليؤدي العبدُ الوظيفةَ التي من أجلها خلق، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)} [الذاريات : 56 - 58]. وبما أن العبد لن يتوصل إلى عبودية الله جل وعلا إلا عن طريقها، لذا فقد افترض الله على عباده أن يتضرعوا إليه بطلب الهداية لا في كل يوم، ولا في كل صلاة، بل في ركعة من ركعات الصلاة، سبعة عشر مرة على الأقل، سواء كانت الصلاةُ فريضةً أم نافلةً، فما من ركعةٍ وإلا وتتضرع فيها إلى الله أن يهديك إلى الصراط المستقيم بقولك: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} [الفاتحة : 6 ، 7]، و{ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } كما قال ابن كثير هم المذكورون في سورة النساء، حيث قال: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا } [النساء: 69، 70]. عن أم سلمة، وهي أسماء بنت يزيد بن السكن، أن رسول الله:" كَانَ يُكْثِرُ فِي دُعَائِهِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ. قَالَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِِ، أوَإِنَّ الْقُلُوبَ لَتَتَقَلَّبُ ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَا مِنْ خَلْقِ اللهِ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ بَشَرٍ إِلاَّ وَقَلْبُهُ بَيْنَ إِصْبُعَيْنِ مِنْ أصَابِعِ اللهِ، فَإِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أزَاغَهُ، فَنَسْالُ اللَّهَ رَبَّنَا أَنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَنَسْألُهُ أَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِِ ، ألا تُعَلِّمُنِي دَعْوَةً أدْعُو بِهَا لِنَفْسِي؟ قَالَ: بَلَى، قُولِي: اللَّهُمَّ رَبَّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَأذْهِبْ غَيْظَ قَلْبِي، وَأجِرْنِي مِنْ مُضِلاَّتِ الْفِتَنِ مَا أحْيَيْتَنَا". أخرجه أحمد والترمذي وقال حديث حسن، وابن مردويه في تفسيره. غير المغضوب عليهم اليهود ولا الضالين وهم النصارى يقول ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم - (3 / 7) "إن كُفْرَ اليهودِ أصلُه من جهة عدم العمل بعلمهم، فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه لا قولا ً ولا عملاً (وما اختلفوا إلا..)، وكفر النصارى من جهة عملهم بلا علم، فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون على الله ما لا يعلمون(ورهبانية..). ولهذا كان السلف: سفيان بن عيينة وغيره، يقولون: إن من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود! ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى"، فما هي الهداية وما أقسام الهداية ؟ الهداية في اللغة: هي الدَلالة أو الدِلالة بالكسر والفتح للدال واللغتان صحيحتان، والتعريف والإرشاد والبيان وهي تنقسم إلى أربعة أقسام : القسم الأول : الهداية العامة: وهي مأخوذة من قول ربي حين سأل فرعون موسى وهارون عن ربهما {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى} [طه/49] فأجابه موسى بقوله: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } [طه/50] هذه هي الهداية العامة:{ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}. قال الشعراوي: (1 / 5689) معنى {أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ } [ طه : 50 ] أي: كل ما في الوجود، خلقه الله لمهمة، فجاء خَلْقُه مناسبًا للمهمة التي خُلِق لها { ثُمَّ هدى } [ طه : 50 ] أي: دلّ كل شيء على القيام بمهمته ويسّره لها، والخَلْق يُطلَق، ويُراد به المخلوق.أهـ فالعين مثلا: خلقها الله بهذه الصورة البديعة والشكل الجميل لمهمة، وهيأها للإبصار، فخلقها في تجويف حتى لا تتلف، وأحاطها بحمايات عدة: بالرموش لتدفع الرموش عن العين الضوء، وبغطاء واقي وهو الجفن، ثم بحاجب يمنع العرق من أن يتساقط إلى داخل العين، ثم أمدها بماء مالح لتحفظ العين من الأتربة والميكروبات. والفم مثلا، خلقه الله بهذا الشكل البديع الذي يؤهله للطعام والكلام والتعبير عن الابتسامة والغضب، فالشفتان تنفرجان للطعام، دون أمر منك لهما بالانفراج والقواطع تقطع والأنياب تمزق، والضروس تطحن، واللعاب يسهل، واللسان يتحرك هنا وهنالك لتيسير المضغ وكذلك للكلام. وفي الرأس تجد إفرازات مختلفة كل منها له وظيفة مثل: اللعاب في الفم والمخاط في الأنف والدموع في العين فقدر لكل مخلوق وظيفته، وهداه إلى ما خلقه لأجله، { الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}. لله في الآفــاق آيــاتٌ لعل أقلَّها ما إليـه هـداك ولعل ما في النفس من آياته عجبٌ عجابٌ لو ترى عيناك الكون مشحونٌ بأسرار إذا حاولت تفسيرًا له أعياك قال ابن القيم: "من تأمل بعض هداياته في خلقه لعلم أنه الإله الواحد الحق الذي يستحق أن يوحد ويستحق أن يعبد بلا منازع أو شريك". بل لقد أضاف العلامة الألوسي في (( روح المعاني )) إضافة جديدة جميلة للآية فقال:"{قال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}[طه/50] قال ربنا الذي خلق كل شيء على صورته وشكله اللائق به، وجعل هذا الشيء دليلاً على وجوده" . ففي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد القسم الثاني من أقسام الهداية هداية الفطرة والخلقة والتسوية: ومعناها: أن الله خلق الإنسان وأرشده ودله وهداه وعرفه طريق الخير والشر . قال تعالى:{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}[البلد/10] أي: الطريقين: طريق الخير وطريق الشر . قال تعالى:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا{7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا{8} قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا{9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}[ الشمس/7-10] قال ابن كثير: (8 / 411) وقوله: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } أي: خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة، كما قال تعالى: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } [الروم: 30]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة في البخاري مسلم: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه أو يُنَصِّرانه أو يُمَجِّسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جَمْعَاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ". شرح النووي على مسلم : (16 / 209) "أي مجتمعة الأعضاء سليمة من نقص لا توجد فيها جدعاء بالمد وهي مقطوعة الأذن أو غيرها من الأعضاء ومعناه أن البهيمة تلد البهيمة كاملة الأعضاء لا نقص فيها وإنما يحدث فيها الجدع والنقص بعد ولادتها" وفي صحيح مسلم من رواية عياض بن حمار المجاشعي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله عز وجل: إني خلقت عبادي حُنَفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" . وقوله: { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } أي: فأرشدها إلى فجورها وتقواها، أي: بين لها ذلك، وهداها إلى ما قدر لها. قال ابن عباس: { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } بين لها الخير والشر. وكذا قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، والثوري. القسم الثالث: هداية التعريف والبيان والإرشاد قال تعالى:{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}[الإنسان/3] والمراد بالهداية هنا كما قال ابن كثير: "الدلالة إلى طريق الحق، والإِرشاد إلى الصراط المستقيم. أى: إنا بفضلنا وإحساننا - قد أرشدنا الإِنسان إلى ما يوصله إلى طريق الحق والصواب، وأرشدناه إلى ما يسعده، عن طريق إرسال الرسل وتزويده بالعقل المستعد للتفكر والتدبر في آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا". إنا هديناه ودللناه على ما يوصله إلى الصراط المستقيم، في حالتي شكره وكفره، لأنه إن أخذ بهدايتنا كان شاكرًا، وإن أعرض عنها كان جاحدًا وكافرًا لنعمنا، فالهداية موجودة في كل الأحوال. ولما كان الشكر قل من يتصف به، كما قال: { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور } جاء التعبير بقوله:{ شَاكِراً } بصيغة اسم الفاعل، ولما كان الجحود والكفر يعم أكثر الناس، جاء التعبير بقوله:{كَفُوراً} بصيغة المبالغة. ومن رحمة الله بنا أن الله لم يعذب خلقه إلا بإقامة الحجة بهداية الدلالة والبيان والتعريف والإرشاد، وهي إرسال الرسل والأنبياء إلى الخلق، وأنزل الله عليهم الكتب، ليأخذ الرسلُ والأنبياء بيد البشر من ظلام الشرك والوثنية إلى أنوار التوحيد والإيمان برب البرية، ليدل الرسلُ والأنبياء البشرَ على الحق تبارك وتعالى قال تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}[الإسراء/15 . وقال سبحانه: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} النساء/165. وبالجملة قال تعالى:{وإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ}[فاطر/24] . فالله لا يعذب عباده إلا بعد أن يقيم الحجة عليهم ببعثه الأنبياء والمرسلين، ومع ذلك من رحمة الله بخلقه وأمة حبيبه أن أبقى في كل أمة بعد رسولها ورثة لهذا النبي، إنهم ورثة الأنبياء، إنهم الدعاة المخلصون، المصلحون المنصفون، الربانيون الصادقون، الآمرون بالمعروف بمعروف، والناهون عن المنكر بغير منكر، الشموع التي تضيء للأمة طريق ربها ونبيها، فهؤلاء يدلون الخلق على الحق، ويأخذون بأيدي البشر إلى طريق رب البشر، والسير على طريق سيد البشر . قال رسول الله كما في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا وكان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبةُ خردل". إذًا هداية الدلالة يؤديها العلماء بعد الرسل والأنبياء، لأنهم ورثة الرسل والأنبياء فعن أَبي الدرداء رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:(( مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَبْتَغِي فِيهِ عِلْماً سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَريقاً إِلَى الجَنَّةِ، وَإنَّ المَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضاً بِمَا يَصْنَعُ ، وَإنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّماوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ حَتَّى الحيتَانُ في المَاءِ، وَفضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، وَإنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ، وَإنَّ الأنْبِيَاءَ لَمْ يَوَرِّثُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً وَإنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بحَظٍّ وَافِرٍ )) . رواه أَبُو داود والترمذي . قال تعالى لنبينا: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي}.{يوسف/108{ قال ابن القيم: "ولا يكون الرجل من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم حقًا حتى يدعو إلى ما دعا إليه النبي على بصيرة" . القسم الرابع هداية التوفيق والإعانة : وهذه لا يملكها مَلَكّ مقرب، ولا نبيٌ مرسل، ولو كان هو رسولَ الله محمدًا، فلا يملك هداية التوفيق إلا الله، نعم ! لا يملك هداية التوفيق إلا الله، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ}آل عمران قال ابن كثير: (2 / 60) "هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتم الإيمان" {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(35)}، [يونس : 35] قال ابن كثير: "هو الذي يفعل هذا ويستقل به" وقال الشعراوي:" فالذي يهدي هو الذي خَلَق " { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23} [الزمر : 23] ما هي هداية التوفيق ؟ أن يوفقك الله لطاعته والسير على صراطه المستقيم، ليست بيدك ولا بيدي. ولو كانت هداية التوفيق بيد المصطفى لهدى النبي عمه أبا طالب الذي تفطر قلب النبي من أجل هدايته، لأن أبا طالب كان يشكل حائط صدٍ منيعٍ للنبي ،ومع ذلك فلم يستطع النبي هدايته أبدًا، هو بذل له هداية الدلالة، وهي المرادة في قوله تعالى:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}}[الشورى/52] . أما هداية التوفيق قال الله فيها لنبيه: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}}[ القصص/56 {. روى البخاري وغيره أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: أَيْ عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ يَا أَبَا طَالِبٍ تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ فَنَزَلَتْ { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } وَنَزَلَتْ { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ } فلو كانت هداية التوفيق بيد المصطفي لاستطاع أن يهدي عمه أبا طالب هذا يبين لنا أيها الأحبة أننا في غاية الفقر لله وفي أمس الحاجة إلى توفيق الله، فوالله ما أتيت اليوم برغبتك وإنما بتوفيق الله لك، والله ما جلست اليوم في هذا المكان من ساعات مبكرة إلا بعد توفيق الله لك . والله لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا قال الله:{وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} }[الأعراف/42] ثم تدبر قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ} الأعراف/43]. اعتراف المؤمن بالفضل لله، فالمؤمن لا يرى لنفسه أبداً فضلا، لا يرى لنفسه في قول ولا في عمل فضلا، فالفضل ابتداء وانتهاء لله فإن أطعت فمن وفقك للطاعة وإن ذكرت فمن أعانك على الذكر ؟ وإن شكرت فمن وفقك للشكر ؟ وإن فهمت مراد الله فمن فهمك ؟ وإن وفقك الله لبر الوالدين فمن وفقك ؟ وإن حبب الله إليك البذل فالفضل ابتداء وانتهاء لله قال سبحانه وتعالى:{يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات/17] . قال الله: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى } قال ابن كثير - (7 / 315) أي: والذين قصدوا الهداية وفقهم الله لها فهداهم إليها، وثبتهم عليها وزادهم منها، { وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } أي: ألهمهم رشدهم. قال صاحب الظلال - (6 / 448) فالذين اهتدوا بدأوا هم بالاهتداء، فكافأهم الله بزيادة الهدى، وكافأهم بما هو أعمق وأكمل: { وآتاهم تقواهم } . . والتقوى حالة في القلب تجعله أبداً واجفاً من هيبة الله، شاعراً برقابته، خائفاً من غضبه، متطلعاً إلى رضاه، متحرجًا من أن يراه الله على هيئة أو في حالة لا يرضاها . . هذه الحساسية المرهفة هي التقوى . . وهي مكافأة يؤتيها الله من يشاء من عباده، حين يهتدون هم ويرغبون في الوصول إلى رضى الله . قال الله: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76)} قال القرطبي: (11 / 133)أي: ويثبت الله المؤمنين على الهدى ويزيدهم في النصرة قال تعالى:{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} قال الشعراوي: (1 / 5372) فحقيقة هؤلاء أنهم فتية آمنوا بالله، وهذه قضيتهم التي ضَحَّوْا من أجلها، فلما آمنوا بالله تولاّهم ونوَّر بصائرهم وربط على قلوبهم، وزادهم إيماناً، كما قال في آية أخرى:{ والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وءاتاهم تَقْوَاهُمْ } [ محمد: 17]. القسم الخامس الهداية في الآخرة وهي آخر مراتب الهداية . تدبر معي ! أيها الحبيب اللبيب فمن هدي في الدنيا إلى الصراط المستقيم هدي في الآخرة للسير على قَدْر هداه في الدنيا على الصراط المضروب على متن جهنم . على قدر سيرك هنا يكون سيرك هناك، وعلى قدر وجود الشهوات والشبهات، التي تعيق سيرك على الصراط المستقيم في الدنيا، ستكون قوة الخطاطيف والكلاليب، التي تعيق سيرك إلى جنات النعيم . فمن الناس من يمشي على هذا الصراط في الدنيا بثبات، اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك، لا يلتفت إلى الوراء لنداء الشيطان والنفس الأمَارة بالسوء والهوى وصحبة السوء، إنما هو عرف طريقه، عرف ربه، وسار على درب الحبيب لا يلتفت إلى الوراء، بل إذا وقعت قدمه في بؤرة معصية، وتأثرت ثيابه بشوك المعاصي، سرعان ما يجذب ثيابه ليطهرها بدموع التوبة، ليواصل سيره ومسراه إلى ربه وسيده ومولاه خلف حبيبه سيدنا رسول الله . هذا يمر على الصراط المضروب على متن جهنم يوم القيامة كالبرق بمجرد أن يعبر، أو أن يضع قدمه اليمنى على الصراط، يرى نفسه كالبرق في جنات النعيم، ومنهم من يمر عليه كالطرف كالريح، كأجاويد الخيل والركاب، ومنهم من يمر عليه يجري، ومنهم من يمر على الصراط يمشي، ومنهم من يمر على الصراط يحبو على يديه ورجليه، ومنهم من يمر فتسفعه النار مرة، وتخدشه النار مرة وينجيه الله، ومنهم من تخطفه الكلاليب إلى نار جهنم فأهل الإيمان يعبرون الصراط إلى الجنة تدبر معي قول ربي:{إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ{23} وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ } أي في الدنيا، وفي الآخرة { وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ}[ الحج /24،23] . اللهم اجعلنا منهم وهدوا إلى الطيب من الأقوال في هذه الحياة، لا يتكلم إلا خيرًا، لا يأمر إلا بمعروف، لا ينهي إلا عن منكر، لسانه رطب بذكر الله، لا يخرج العيب، لا يعرف الغيبة، لا يعرف النميمة، لا يعرف الكذب، لا يعرف شهادة الزور، هذا يهديه ربه يوم القيامة إلى صراط الحميد، وهدوا إلى صراط الحميد. قال الله:{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ{10} أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ{11} فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ{12} ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ{13} وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ}[ الواقعة / 10-14] . قال ابن القيم : السابقون في الآخرة إلى الرضوان والجنات ، هم السابقون في الدنيا إلى الخيرات والطاعات، وعلى قدر السبق هنا يكون السبق هناك . قال الحبيب وتدبروا هذا الحديث الذي رواه البخاري وغيره من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : "إذا خلص المؤمنون من النار"، أي إذا عبروا الصراط ونجاهم العزيز الغفار من النار وأرجو أن تتصوروا معي هذا المشهد الذي يخلع القلب قال تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً{71} ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}[ مريم 72،71] اللهم اجعلنا من المتقين. تدبر معي المشهد قال : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا" قال الله في سورة محمد: {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}}[محمد/6] أقول : ينطلق الآن بعد صلاة الجمعة بعد هذا الجمع الكريم بين يدي كل واحد منا سيذهب إلى بيته ومنزله، دون أن يسأل أحداً، ليدله على هذا المنزل كذلك في الآخرة بعد هذا القصاص والتطهير والتهذيب، ينطلق كل مؤمن إلى منزله على قدر مكانته وعمله في الجنة قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)} [يونس : 9 ، 10] قال ابن كثير: وهذا إخبار عن حال السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وامتثلوا ما أمروا به، فعملوا الصالحات، بأنه سيهديهم بإيمانهم. يحتمل أن تكون "الباء" هاهنا سببية فتقديره: بسبب إيمانهم في الدنيا يهديهم الله يوم القيامة على الصراط، حتى يجوزوه ويخلصُوا إلى الجنة. قال ابن جريج: أخبرتُ أن قوله: { دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ } [قال: إذا مر بهم الطير يشتهونه، قالوا: سبحانك اللهم] (6) وذلك دعواهم فيأتيهم الملك بما يشتهونه، فيسلم عليهم، فيردون عليه، فذلك قوله: { وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ } قال: فإذا أكلوا حمدوا الله ربهم، فذلك قوله: { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ القسم الثاني أسباب الهداية أولا من أعظم أسباب الهداية أن تعرف الله: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} ، فمن عرف الله بأسماء جلاله وصفات كماله أحبه، ومن عرف الله خافه، والحب والخوف هما العبادة، فالعبادة هي كمال الحب لله، مع كمال الذل لله، ومن عبد الله وحده لا شريك له فقد هدي إلى الصراط المستقيم ثانيا : الإيمان بالله تبارك وتعالى تدبر معي ! هذه الآية الجميلة قال سبحانه:{ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [ التغابن/11] الله أنت قرأتها مرارًا، ولكن أرجو أن تتدبرها عش معنى الآية:{َومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} ولو هدى القلب لسجد بين يدي الرب سجدة لا يقوم منها حتى يستمتع بالنظر إلى وجه ربه في الجنة، والله لو ذاق القلب حلاوة السجود ما قام من سجدته ، والله لو ذاق القلب حلاوة الإيمان ما فارق هذا الباب أبدا وهدى القلب سبيل السعادة في الدنيا والآخر{ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ{88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشعراء/89،88] اللهم اهد قلوبنا. قال صاحب الظلال - (7 / 226) "قد فسرها بعض السلف بأنها الإيمان بقدر الله والتسليم له عند المصيبة، وعن ابن عباس يعني يهدي قلبه هداية مطلقة" وعن أبي يحيى صهيب بن سنانٍ رضي الله عنه، قَالَ : قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( عَجَباً لأمْرِ المُؤمنِ إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خيرٌ ولَيسَ ذلِكَ لأَحَدٍ إلاَّ للمُؤْمِن: إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيراً لَهُ، وإنْ أصَابَتْهُ ضرَاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْراً لَهُ )) رواه مسلم ثالثا : من أسباب الهداية الاعتصام بالله قال تعالى:{ومَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }[آل عمران/101] فما هو الصراط المستقيم ؟ وأنت تكرر اللفظة كثيرًا، قال عليّ رضي الله عنه: الصراط المستقيم هو القرآن، وقال ابن عباس رضي الله عنه: الصراط المستقيم هو الإسلام، قال ابن الحنفية رضي الله عنه: الصراط المستقيم هو دين الله، الذي لا يقبل غيره أبدا .. دين الله هو الصراط المستقيم . قال ابن كثير (2 / 86) قال تعالى: { وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }" أيّ: ومع هذا فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العُمْدة في الهداية، والعُدَّة في مباعدة الغَواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد، وحصول المراد". الوسيط لسيد طنطاوي - (1 / 686) وفى هذا إشارة إلى أن التمسك بدين الله وبكتابه كفيل بأن يبعد المسلمين الذين لم يشاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم عما يبيته لهم أعداؤهم من مكر وخداع. رابعًا من أسباب الهداية الصحبة الصالحة إنها من أعظم أسباب الهداية أن تصحب رجلا يذكرك بالله ، وأن تبتعد عن رجل يحول بينك وبين معرفة الله{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً{27} يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً{28} لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً} [ الفرقان / 27-29] لذا فعن أَبي سعيد الخدري عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ : (( لا تُصَاحِبْ إلاَّ مُؤْمِناً ، وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إلاَّ تَقِيٌّ )) . رواه أَبُو داود والترمذي وحسنه الألباني و عن أَبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قَالَ: ((إِنَّمَا مَثلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ: إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ، وَإمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحاً طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إمَّا أنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحاً مُنْتِنَةً )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ خامسًا من أعظم أسباب الهداية أيضا المجاهدة : قال تعالى:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} الوسيط لسيد طنطاوي - (1 / 3326) أما الذين بذلوا جهدهم في سبيل إعلاء ديننا، وقدموا أنفسهم وأموالهم في سبيل رضائنا وطاعتنا، وأخلصوا لنا العبادة والطاعة، فإننا لن نتخلى عنهم، بل سنهديهم إلى الطريق المستقيم، ونجعل العاقبة الطيبة لهم، فقد اقتضت رحمتنا وحكمتنا أن نكون مع المحسنين في أقوالهم وفي أفعالهم، وتلك سنتنا التي لا تتخلف ولا تتبدل. والمجاهدة للنفس أربع مراتب : المرتبة الأولى : مجاهدة النفس على تعلم الحق، والهدى . المرتبة الثانية : مجاهدة النفس على العمل بما تعلمت . المرتبة الثالثة : مجاهدة النفس على الدعوة إلى الحق والهدى . المرتبة الرابعة : مجاهدة النفس على الصبر على الأذى والبلاء . فمن تعلم وعمل وعَلْم لابد أن يتعرض للأذى من المنافقين والظالمين. قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ}[ الفرقان /31] . وقال تعالى:{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ{2} وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [ العنكبوت /3،2] . سادسًا من أسباب الهداية الدعاء والتضرع إلى الله تعالى الذي بيده الهداية ولذا يردد المسلم في كل صلاة ]اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ[ [الفاتحة:6]. لاسيما في أوقات الإجابة، والثلث الأخير من الليل وساعة الجمعة ووقت الإفطار … الخ. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال ما صليت خلف نبيكم إلا سمعته يقول حين ينصرف: "اللهم اغفر لي خطئ وعمدي اللهم اهدني لصالح الأعمال والأخلاق إنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت" رواه الطبراني وقال الهيثمي: رجاله وثقوا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُعَلِّمُنَا دُعَاءً نَدْعُو بِهِ فِي الْقُنُوتِ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ :« اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِى وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ ». السنن الكبرى للبيهقي قال ابن تيمية رحمة الله عليه: والعبد مضطر دائما إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم فهو مضطر إلى مقصود هذا الدعاء فإنه لا نجاة من العذاب، ولا وصول إلى السعادة إلا بهذه الهداية، وهذا الهدى لا يحصل إلا بهدى الله. الخـطـبـة الـثـانـيـة : الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين . أما بعد فمع العنصر الثالث القسم الثالث علامات الهداية : وأول علامة من علامات الهداية : تحقيق الإيمان : وبدايتها أن تحافظ على الصلوات فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - ، قَالَ : مَنْ سَرَّهُ أنْ يَلْقَى اللهَ تَعَالَى غداً مُسْلِماً ، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هؤُلاَءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ ، فَإنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكم - صلى الله عليه وسلم - سُنَنَ الهُدَى ، وَإنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الهُدَى ، وَلَوْ أنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ في بُيُوتِكم كَمَا يُصَلِّي هذا المُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّة نَبِيِّكُم لَضَلَلْتُمْ ، وَلَقَدْ رَأيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤتَى بهِ ، يُهَادَى((2)) بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ في الصَّفِّ . رَوَاهُ مُسلِم . ثانيا من أعظم علامات الهداية السمع والطاعة لله ورسوله: قال تعالى:{فَبَشِّرْ عِبَادِ{17} الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} } [ الزمر / 18،17] . وقال في شأن طاعة رسوله :{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور : 54]لأنه يدعو إلى صراط مستقيم فطاعة الله وطاعة رسول الله من أعظم علامات الهداية إن كنت ممن أطاع الله وأطاع رسوله.. ثالثا من علامات الهداية : أن يكون سمتك وهديك موافقا لسمت وهدي رسول الله مع نية صادقة وعمل صالح ، وإلا فإن المظهر وحده لا يكفي مع سوء وفساد الطوية وبعد عن العمل الصالح لا يكفي هذا المظهر على الإطلاق . لذا روى الإمام أحمد في مسنده وغيره بسند صحيح ، بشواهده أن النبي قال: "خير عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله" قال الألباني في " السلسلة الصحيحة " هناك مسلم إذا مشي في طريق ورآه الناس ذكروا الله ، تذكروا الله بسمته بهيبته ، ولاحظ أن الهيبة ليست كبرا ، فقد يتصور بعض طلابنا ، أنه من أجل أن يُحَصْل الهيبة عند الناس يتصور أنه لابد من أن يتقعر ، ولابد من أن يعبث بجبينه ، ولابد من أن يتكلم بصوت أجش ، لا ، لا اسمع لابن الجوزي – رحمه الله تعالى – إذ يقول : "هيبة الناس لك لا تكون إلا على قدر هيبتك أنت من الله ، فمن الناس من يُرى فيذكر الله" . رابعًا من علامات الهداية الصبر في الله وبالله وعلى الله قال تعالى: ] وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ[ [السجدة:24]. تفسير ابن كثير - (6 / 371) أي: لما كانوا صابرين على أوامر الله وترك نواهيه وزواجره وتصديق رسله واتباعهم فيما جاؤوهم به، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ثم بيَنَّ تعالى مَنِ الصابرون (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) } [البقرة : 154 - 158] قال ابن كثير - (1 / 467) "أي: تسلَّوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنَّهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء" وعن أم سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا سُررْتُ به. قال: "لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجُرني في مصيبتي واخلُف لي خيرًا منها، إلا فُعِل ذلك به". قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منه، ثم رجعت إلى نفسي. فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدَّتي استأذن علي رسول الله صلى الله عليه وسلم -وأنا أدبغ إهابا لي فغسلت يدي من القَرَظ (القذى) وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حَشْوُها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله، ما بي ألا يكون بك الرغبة، ولكني امرأة، فيّ غَيْرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلتُ في السن، وأنا ذات عيال، فقال: "أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يُذهبها الله، عز وجل عنك. وأما ما ذكرت من السِّن فقد أصابني مثلُ الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي". قالت: فقد سلَّمْتُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت أم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه، رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أخرجه أحمد في المسند خامسًامن علامات الهداية : حب الناس لك وثناء الناس عليك : ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي r قال: ((إذا أحب الله عبدا نادى جبريل يا جبريل إني أحب فلانا)) .. يا الله !! تصور أن يذكر اسمك ملك الملوك الله، يذكر اسمك لجبريل ، وجبريل يذكر اسمك في الملأ الأعلى ((يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه ، فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء: يا أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم ينادي جبريل في أهل الأرض: يا أهل الأرض إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل الأرض أو فيوضع له القبول في الأرض" اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين . وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر أنه قال : يا رسول الله إن الرجل ليعمل العمل من الخير فيلقى الله له الثناء الحسن – أي : على ألسنة المسلمين – فقال النبي :تلك عاجل بشرى المؤمن." فمن علامات هداية الله لك أن يحبك الناس لكن ليس كل الناس فلن يحب المؤمن إلا المؤمنون ، أما المنافق فهو يبغض المؤمن من كل قلبه ، لذا اعلم أخي : أنه لا يبغض مؤمنا إلا منافق ، ولا يحب مؤمنا إلا مؤمن ، فعنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ" صحيح البخاري قال الخطابي : أرواح المؤمنين تحن إلى المؤمنين ، وأرواح المنافقين تحن إلى المنافقين قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً} [مريم/96] أي : محبة في قلوب عباده المؤمنين . كان عمر بن هبيرة الفزارى واليا على العراقين في عهد الخليفة الأموي : يزيد بن عبد مالك وكان يزيد يرسل إليه بالكتاب تلو الكتاب ويأمره بإنفاذ ما في هذه الكتب ولو كان مجافيا بحق أحيانا فدعا ابن هبيرة كلا من الحسن البصري وعامر بن شراحبيل المعروف بالشعبي يستفتيهما في ذلك وهل له من مخرج فيدين الله ؟ فأجاب الشعبي جوابا فيه ملاطفة للخليفة ومسايرة للوالي والحسن ساكت فالتفت عمر ابن هبيرة إلى الحسن وقال : ما تقول أنت يا أبا سعيد فقال : يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ، ولا تخف يزيد في الله ، واعلم أن الله عز وجل يمنعك من يزيد ، وأن يزيد لا يمنعك من الله ... يا ابن هبيرة إنه يوشك أن ينزل بك ملك غليظ لا يعصى الله ما أمره فيزيلك عن سريرك هذا وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ، حيث لا تجد هناك يزيد ، وغدا تجد عملك الذي خالفت فيه رب يزيد ... يا ابن هبيرة إنك إن تك مع الله تعالى وفي طاعته يكفك بائقة يزيد بن عبد الملك في الدنيا والآخرة ، وإن تك مع يزيد في معصية الله تعالى فإن الله يكلك إلى يزيد . واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوق كائناً ما كان في معصية الخالق - عز وجل - فبكى عمر بن هبيرة حتى بللت دموعه لحيته ومال عن الشعبي إلى الحسن ، وبالغ في إعظامه وإكرامه ، فلما خرجا من عنده توجها إلى المسجد ، فاجتمع عليهما الناس ، وجعلوا يسألونهما عن خبرهما مع أمير العراقين ، فالتفت الشعبي إليهم وقال : أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله - عز وجل - على خلقه في كل مقام فليفعل ، فوالذي نفسي بيده ما قال الحسن لعمر بن هبيرة قولاً أجهله ولكنى أردت فيما قلته وجه ابن هبيرة ، وأراد فيما قاله وجه الله ، فأقصاني الله من ابن هبيرة وأدناه منه وحببه إليه. القسم الرابع عقبات وموانع الهداية فمن أخطر العقبات : الكفر قال تعالى:{ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}} [المائدة/67] ، {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86)} [آل عمران : 86] والفسق قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} }[المنافقون/6] ، والظلم قال تعالى:{إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}الأنعام/144 ] ، والإسراف والكذب قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ}} [غافر/28 ] ، والهوى قال تعالى:{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}ص/26] . ومن موانع الهداية عدم الأهلية: فإنه قد تكون المعرفة تامة لكن يتخلف عنه عدم زكاة المحل وقابليته وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ [لأنفال:23] قال ابن كثير - (4 / 34) " ولكن لا خير فيهم فلم يفهمهم؛ لأنه يعلم أنه { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ } أي: أفهمهم { لَتَوَلَّوْا } عن ذلك قصدا وعنادا بعد فهمهم ذلك، { وَهُمْ مُعْرِضُونَ } عنه". مثل: الأرض الصلدة التي يخالطها الماء، فإنه يمتنع النبات فيها لعدم قبولها، عَنْ أبي موسى الأشعري ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي الله بِهِ مِنَ الهُدَى والعِلْم كَمَثَلِ غَيثٍ أَصَابَ أرْضاً فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفةٌ طَيِّبَةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أمسَكَتِ المَاء فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ فَشَربُوا مِنْهَا وَسَقُوا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ طَائفةً مِنْهَا أخْرَى إنَّمَا هِيَ قيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلاَ تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ بمَا بَعَثَنِي الله بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأساً وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ . (( فَقُهَ )) بضم القافِ عَلَى المشهور وقيل بكسرِها : أي صار فقيهاً . وأخطر هذه العقبات الشيطان: قال تعالى:{لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}}[النور/21]، فالشيطان له خطوات وهو لنا عدو:{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّا}} [فاطر/6] ، وقال الله فيه:{كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}[الحج/4].
الصبر طريق التمكين الحمد لله رعيت من استرعاك، وحميت من لجا بحماك، لا معين غيرك، ولا ناصر سواك، أنت البارئ والطبيب، وأنت المعاقب والمثيب، وأنت الحارس والرقيب، وأنت على كل شيء حسيب، سبحانك لا قوة على طاعتك إلا بإعانتك، ولا تحول عن معصيتك إلا بمشيئتك، تهدي من تشاء وتعصم وتعافي فضلا، وتضل من تشاء وتخذل وتبتلي عدلا، وكلنا يتقلب في مشيئته بين فضله وعدله، الوجود وجوده، والملوك عبيده، نستعينه ونستهديه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوب إليه، ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله، هو المتعالي عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره، خالق بلا حاجة، رازق بلا مـئونة، مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة، قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفـهام، ولا يُشبه الآنام، حي لا يموت، قيوم لا ينام، آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلاً من عنده ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وأنه خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وحبيب المتقين، وإمام الخلق إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين. إن الله أوجب علينا في كتابه أن يوصي بعضنا بعضًا بالحق والصبر فقال: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) }، علق الفلاح بالصبر والتقوى فعقل ذلك عنه المؤمنون فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، وضمن لهم ألا يضرهم عدوهم إذا تحصنوا بالصبر فقال تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} وجعل السبيل إلى التمكين والإمامة في الدين إنما تنال بالصبر واليقين فقال تعالى {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}. معنى الصبر: الصبر في اللغة: قال ابن القيم:أصل هذه الكلمة هو المنع والحبس فالصبر حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب. والصبر أقسامه ثلاثة أقسام: 1- صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها. فالعبادة لا يوفق العبد إليها إلا بالصبر، قال تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّ} [مريم 65}، والصلاة تحتاج إلى الصبر، قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه 132].، والدعوة إلى الله تحتاج لصبر قال تعالى: {يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (4)وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7} 2- وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها، كصبر يوسف عليه السلام، الذي راودته المرأة الجميلة، وهددته وتوعدته، وبدأته وأفصحت عن رغبتها، وكان شابًا غريبًا قويًا، وغلقت الأبواب فأمنا من دخول أحد عليهما، مع ذلك كله كان رده على طلبها: {معاذ الله}. إنّ العمل بالطاعة يحتاج إلى صبر، وترك المخالفات والمنكرات يحتاج إلى صبر، وهل أدل على ذلك من حديث جبريل؟ فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى لما خلق الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها .فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها. ثم حفها بالمكاره ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها. فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد. فلما خلق الله النار قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها. فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها. فحفها بالشهوات ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها. فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها» [رواه أبو داود والترمذي والألباني في السلسلة الصحيحة 3- وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها، كما في الصحيحين أن ابن عباس رضي الله عنهما قال لعطاء رحمه الله: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قال: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي. قَالَ: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ»؟ فَقَالَتْ: أَصْبِرُ. فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا. فمن صبر فله الجنة لقوله: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ». فيامن ابتليت بفقد عينك إن شئت صبرت ولك الجنة، ويامن ابتليت بفقد ولدك إن شئت صبرت ولك الجنة، ويامن ابتليت بفقد زوجك إن شئت صبرت ولك الجنة، ويامن ابتليت بفقد حريتك إن شئت صبرت ولك الجنة، ويامن ابتليت بفقد مالك إن شئت صبرت ولك الجنة، وهذه الأنواع الثلاثة هي التي قال فيها الشيخ عبد القادر في فتوح الغيب: "لا بد للعبد من أمر يفعله ونهي يجتنبه وقدر يصبر عليه"، وهذه الثلاثة هي التي أوصى بها لقمان لابنه في قوله :{يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك} والصبر نوعان: اختياري واضطراري والاختياري أكمل لأن الاضطراري يشترك فيه الناس ويتأتى ممن لا يتأتى منه الصبر الاختياري (كالموت والإفلاس والمرض)، ولذلك كان صبر يوسف الصديق عليه السلام عن مطاوعة امرأة العزيز وصبره على ما ناله في ذلك من الحبس والمكروه أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لما ألقوه في الجب وفرقوا بينه وبين أبيه وباعوه بيع العبد" عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم. أكمل الصبر {الصبر الجميل} وفي القرآن: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} [المعارج: 5]، {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } [يوسف: 18] قال ابن تيمية رحمه الله: "الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه" وقال مجاهد رحمه الله:" هو الذي لا جزع معه" [تفسير ابن كثير 2/489]. أهمية الصبر: نيل الرحمة: قال تعالى: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155- 157]. والصلوات المغفرة كما قال الطبري رحمه الله. الأجر الجزيل: قال تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر 10]. قال قتادة رحمه الله:"لا والله، ما هُناكم مكيال ولا ميزان" [تفسير الطبري 21/ 270]. معية الله و محبة الله: وقال: {والله مع الصابرين} [البقرة: 249، والأنفال: 66] قال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] التمـــكيـــــن: فمن سُبـــــل التمكــــين الصـــــــــــبر على الأذى وعلى المُؤذين قال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) } [الأعراف: 137] وقال تعالى:{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ}[الأنعام :34] أي أتاك نبأهم من نبئهم أن الله ناصرهم بعد ابتلاءهم وصبرهم على ما يحصل من الأذى. ونظير هذه الآية قول الله -سبحانه وتعالى- بعد أن ذكر دعوة الرسل لقومهم، وما أجابهم به من التكذيب، قال الله عز وجل عن رسله :{وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ }[ابراهيم : 12]، فأبان سبحانه بعد هذه الآية أنه نصرهم، قال الله سبحانه وتعالى:{ف وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14)}[ابراهيم]، فأبان الله أن من خاف مقام الله وخاف وعيده وصبر على الأذى من أجله، أن الله ممكنه. ولما شكا قوم موسى على موسى عليه الصلاة والسلام ما حصل لهم من الأذى من قبله و بعده صبرهم وبشرهم ،قال موسى لقومه{قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُواْ أُوذِينَا} شكوى عظيمة على نبي الله {أُوذِينَا من قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}الأذى مستمر{قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ(129)}[الأعراف:128-129]، وهذا لا شك فيه أنه سبب من أسباب التمكين. إن ما يحصل لأنبياء الله ورسله، ومن سلك مسلكهم واهتدى بهديهم واقتفى أثرهم من الأذى هو سنة الله في خلقه، ففي الصحيحين لما التقى رسول الله بورقة بن نوفل قَالَتْ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ قَالَ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَبَرَ مَا رَأَى فَقَالَ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ وَرَقَةُ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ أُوذِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ حَيًّا أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا". سنة الله في خلقه يبتلي أولياءه بالمجرمين، ويسلط المجرمين على أذى المؤمنين، قال الله عز وجل :{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ}[ الفرقان:31]فما من نبي إلا وابتلاه الله عز وجل ببعض المجرمين يؤذونه، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 112، 113]. أي أنّ سنّة اللّه جرت على أن يكون بعض الناس أعداء للأنبياء وورثتهم، وكلّ أصحاب دعوات الإصلاح في الأمور الدّينيّة والاجتماعيّة، وهذا ما يعبّر عنه بتنازع البقاء وبقاء الأصلح، كما قال تعالى:فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرّعد 13/ 17] وجاء في سورة البقرة: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ [14]. وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ: وذلك كلّه بقدر اللّه وقضائه وإرادته ومشيئته أن يكون لكلّ نبيّ عدوّ من الشياطين. التفسير المنير للزحيلي قال الله تعالى لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم الذي ما أرسله إلا رحمة للعلمين مبشرًا وهاديًا ونصيرًا يصبر على أذى من يدعوهم لما فيه خير لهم فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيرًا (47) وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (48)} [الأحزاب]، {وَدَعْ أَذَاهُمْ}أي اصبر على أذاهم. وقال الله عز وجل له مبينا ما يحصل له من الأذى منهم :{وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [التوبة:61 أيــها النـــاس هذه سنة الله في خلقه فلا بد من الصبر على الأذى وما ذلك إلا أن الأذى يعقبه التمكين، فلا بد أن يتحمل ذلك، وأن يعلم أن هذا سبيل إرادة الله لتمكينه. تربية النبي لأصحابه على الثبات والأمل عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو لَنَا فَقَالَ قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" صحيح البخاري. وشكواهم ليست عن تطجر ولا تبرم، وإنما هي لأنهم رأوا أن في السلام من ذلك تفرغاً للعبادة، وتوجهاً إلى كمال السعادة، فأرشدهم المصطفى إلى أن غاية الأدب الصبر على مراد الله والرضا بقضاء الله. إن ربك لبلمرصاد أما الذين يتبنون إيذاء المؤمنين، وقطع طرقهم، وإزهاق أرواحهم، وزعزعة أمنهم، والتفريق بينهم، والعداء لهم، وغير ذلك من الفتن مما لا يرضاه الله ولا يقره شرع، ولا عرض ولا مروءة إن كل من يفعل ذلك لهو متشبه بمن ذكر الله في كتابه {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا-بغير جناية توجب الأذى-فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا58 } [ الأحزاب:57-58]. وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22] فما ظنك بانتقام الله العزيز الجبار المتكبر. والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته في عند الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر قال صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال:" يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ". وعَنْ حُذَيْفَةَ بن أُسَيْدٍ ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ ".رواه الطبراني في المعجم الكبير والألباني في السلسلة الصحيحة. لا يجوز الإيذاء ولو بالرائحة إن إيذاء المسلمين حرام، حتى ولو بالثوم، ولو بالبصل ، ولو برائحة كريهة، ففي حديث جابر عند الإمام مسلم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ من الثُّومِ أو الْبَصَل أوالْكُرَّاث فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ". نعم إذاء المسلمين محرم ، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال" إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ قَالُوا يا رسول الله مجالسنا مَا لَنَا منها بُدٌّ قَالَ إن أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا قَالُوا وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ قَالَ غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَالأمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ"، فمن شروط الجلوس في موضع يمر الناس فيه، أنه لا يحصل منه أذى لمسلم. أجر دفع الأذى عن الناس إن دفع الأذى عن المسلمين فيه أجر عظيم ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ –أي بسب شجرة-قَطَعَهَا عن طرِيقِ المسلمين كَانَتْ تُؤْذِي المسلمين "وفي لفظ "في غُصْنٍ"غصن من شجرة نحاه عن طريق المسلمين ، كان يؤذي المسلمين ، فبسبب هذا رفع هذا الأذى اليسير، استحق بذلك جنة عرضها السموات والأرض وينبغي أن يتقوى الناس بعضهم ببعض ويحكى أن عمدة قرية أطلق جمله في القرية يأكل كيفما شاء فاشتكى أهل القرية لإمام المسجد فغضب وخرج معهم ليزجر العمدة وساروا خلفه وفي الطريق حدّث بعضهم بعضًا قال أحدهم: إني أستحي من العمدة لأنه أعطاني جاموسة السنة الماضة ورجع، وقال الآخر أعطاني كيلة قمح ورجع، فرجعوا واحدًا واحدًا، وظن الشيخ أنهم يسيرون خلفه، فأطرق الباب على العمدة بقوة فقال يا عمدة، ولم يقل ياحضرة العمدة فقال: اتفضل يا مولانا ما الخبر؟ فقال له جملك. قال ماله؟ فنظر خلفه فلم يجد أحدًا خلفه فقال: عاوزين نجوزه. الأذى يضر بصاحبه اعلـموا عباد الله أن الأذى لا يضر، وإنما هو يعود على صاحبه بالشر ،قال الله تعالى:{ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ(وجدوا) إِلاَّ بِحَبْلٍ (عهد)مِّنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ (المهانة)(112)}[آل عمران]، والقرآن فيه تناسب في آيات كثيرة منه، ومنها هذه الآية، فبعد أن ذكر الله أن المؤمنين لا يتضررون من الأذى، ذكر الله أن الذين يقومون بالأذى تضرب عليهم الذلة وتضرب عليهم المهانة ولا يضرون من أذوه، أي أن مكرهم يعود عليهم كما في قوله: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا} [فاطر: 43، 44] سنة اللّه في الأولين، التي لا تبدل ولا تغير، أن كل من سار في الظلم والعناد والاستكبار على العباد، أن يحل به نقمته، وتسلب عنه نعمته، فَلْيَتَرَّقب هؤلاء، ما فعل بأولئك."السعدي" الثبات الثبات حتى الممات فإذا أوذيت أيها المسلم إياك أنت تفتن في دينك،فإن هذا ليس بثبات، وإنما الثبات هو الذي أثنى الله عليه،هو أنك تعتقد أن هذه البلوى لك فيها خير لا يعلمه إلا الله {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور}[آل عمران: 186]، هذا هو العزم ، هذه القوة هنا، أنك تصبر على ما يحصل لك من أذى في أي جانب من الجوانب. وإياك والترنح إذا حصل لك أذى من عدو،أو باغ ،أو من حاقد فالله سبحانه وتعالى قال:{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ}[العنكبوت :10]أي أطاعهم خوفًا من أذاهم فكفر بالله، وهذا على سياق الذم لهذا الصنف الذي يجعل فتنة الناس كعذاب الله، ولا مقارنة فإن عذاب الله أليم، وبطشه شديد،وماذا سيكون فتنة الناس وأذية الناس بجانب عذاب الله ؟!، فهذا شأن من وصفهم الله بقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ(طرف لا ثبات فيه كمن على طرف جيش إن أحس بظفر قرّ وإلا فرّ) فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ (ارتد وكفر)خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}[الحج:11] اعلـموا عباد الله أن أمر الأذى الذي يحصل في هذه الدنيا للعباد متحقق لا محال{لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}[البلد:4]،{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)}[العنكبوت]، وإنما سبـيل التمـكين، وسبـيل ما يرضـي الله هو ما سلـكه أنبـياء الله ورسـله عليهم الصلاة والسلام في هذا الجانب وفي غيره، حتى يسر الله لهم ما أراده ويتم لهم وعده من العز والتمكين: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[ آل عمران :26] نسأل الله عز وجل بعزته وجلاله أن يدفع عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وأن يؤمن بلادنا وسائر بلاد المسلمين ، وأن يسلط على من أراد الفتن في بلاد المسلمين بما أراده وبما علمه لهم مما يدفع شرهم ، والحمد لله رب العلمين .

الثلاثاء، 15 نوفمبر 2011

الشريعة رحمة وعدالة

الشريعة رحمة وعدالة
الشريعة رحمة وعدالة
الحمد لله رعيت من استرعاك، وحميت من لجا بحماك، لا معين غيرك، ولا ناصر سواك،
أنت البارئ والطبيب، وأنت المعاقب والمثيب، وأنت الحارس والرقيب، وأنت على كل شيء حسيب.
سبحانك لا قوة على طاعتك إلا بإعانتك، ولا تحول عن معصيتك إلا بمشيئتك،
تهدي من تشاء وتعصم وتعافي فضلا، وتضل من تشاء وتخذل وتبتلي عدلا، وكلنا يتقلب في مشيئته بين فضله وعدله،
الوجود وجوده، والملوك عبيده، نستعينه ونستهديه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوب إليه، ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله،
هو المتعالي عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره،
خالق بلا حاجة، رازق بلا مـئونة، مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة،
قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد،
لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفـهام، ولا يُشبه الآنام، حي لا يموت، قيوم لا ينام، آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلاً من عنده
ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير،
وأشهد أن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، فجزاه الله عنا خير ما جزى به نبيًّا عن أمته ورسولاً عن رسالته، تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
أما بعد فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وكلَّ ضلالة في النار، وما قلَّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى، وإنَّ ما توعدون لآتٍ، وما أنتم بمعجزين، ثم أما بعد،
عظمة الشريعة
إن البشرية جميعًا لتنحني بهامتها إجلالاً للمبادئ التي جاءت بها الشريعة الإسلامية وهي تدل بدلالة واضحة أنها ربانية المنهج وأن هذا التشريع إنما استمدت أحكامه من كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.
بل إن البشرية كلها بقوانينها لا تستطيع أن تصنع قانونًا واحدًا مثل القوانين الراقية المحكمة الذي جاء بها دستورنا العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد
وإننا إذ نشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله نقر ونذعن أن لا معبود بحق في الوجود إلا الله وأن نصرف أمورنا ونعبده طبقًا للمنهج الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن الغاية التي قصد التشريع الإسلامي تحقيقها في المجتمع المسلم هو درء المفاسد و جلب المصالح، وذلك بربط الفرد بربه وخالقه – بالعقائد والعبادات - وتنظيم علاقة الناس مع بعضهم البعض- بالأخلاق والمعاملات- ولا يحابي أحدًا، أما القانون البشري الوضعي فالغاية منه خدمة السلطة الحاكمة وخضوع أفراد المجتمع لها وقد تتدخل الأهواء والمصالح والمحسوبيات والأنساب، بل إن القوانين الوضعية تحرسها الدولة فقط، أما القوانين الشرعية فيحرسها الضمير والالتزام بهذا الدين فالمسلم رقيب على نفسه بنفسه ويفعلها متقربًا بها إلى الله.
العدل أساس الملك
ما أجمل ما قاله ابن تيمية: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة.
ولذلك كان تشريع وتطبيق رسول الله صلى الله عليه وسلم نموذجًا واضحًا ونهجًا بيننًا لا لبس فيه، فعن عروة بن الزبير فيما أخرجه البخاري أن امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح(كانت من بني مخزوم وبني مخزوم من قبيلة غطفان التي حاربت رسول الله بستة آلاف في غزوة الأحزاب، وقريش صاحبة الحرب بأربعة آلاف)، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد رضي الله عنه يستشفعونه وهو الحب بن الحب. قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها
1- تلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
2- أتكلمني في حد من حدود الله ؟
فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله.
3- فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبًا فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال:
“ أما بعد فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيه الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد (وهذا قانون البشر الذي قد تحكمه الأهواء أما قانون رب البشر فقال رسول الله ) والذي نفسُ محمدٍ بيده - وفي رواية وايم الله- لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”.
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت.
قالت عائشة رضي الله عنها: كانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إنه العدل الذي أمر الله به من فوق سبع سماوات في جميع شئون الناس لا فضل فيه لعربي علي عجمي ولا لأحمر على أسود فقال فيه
1- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ } [البقرة: 282]
2- {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]
3- {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [النحل: 90] قال القرطبي في تفسيره العدل الفرض، والإحسان النافلة.
4- { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9]
5- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135]
6- { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8].
معاني العدل
و(العدل) في القرآن الكريم جاء على عدّة معانٍ، فقد رُوي أن الخليفة عبد الملك بن مروان كتب إلى سعيد بن جبير يسأله عن العدل، فأجابه: إن العدل على أربعة أنحاء:
1- العدل في الحكم، قال تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ}.
2- والعدل في القول، قال الله تعالى:{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ}
3- والعدل في الفدية، قال الله تعالى:{وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ}
4- والعدل في الإشراك، قال الله تعالى:{ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ}، أي يشركون .
والعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه دون زيادة أو نقصان
ويدخل العدل في
1- الولاية على الناس كما أخرج البخاري "سبعة يظلهم الله.. أولهم إمام عادل".
2- القضاء بين الناس ويراعي في ذلك نفسية القاضي وهو يقضي قال رسول الله كما عند أبي داود وصححه الألباني" لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان".
3- الشهادة إن كان شاهدًا أو ناخبًا فصوتك يجب أن تعدل فيه قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2]
4- في معاملة البائع أو الموظف مع جمهور الناس بلا وساطة ولا محسوبية ولا رشوة فعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله فيما أخرجه مسلم في صحيحه قال " إن المقسطين ، عند الله ، على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين ؛ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا".
5- في معاملة الزوج مع أهله وأولاده، فقد قال صلى الله عليه وسلم لبشير والد النعمان - و كان أعطى أحد أولاده غلامًا – قال : " أعطيت سائر ولدك مثل هذا ? قال: لا,
قال: " فاتقوا الله و اعدلوا بين أولادكم " أخرجه البخاري و مسلم في " صحيحيهما " من حديث النعمان بن بشير
تطبيقات العدل
والشريعة الإسلامية عند تطبيق العدل تراعي العفو والصفح والإحسان والرحمة والتسامح فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن مكنه الله من مكة وأهلها بعدما قتلوا من أصحابه مثل: ياسر وسمية والدا عمار، وعذبوا بلالاً والخباب، وأخذوا أموال صهيب، وأخرجوهم من ديارهم بغير حق وهو الرحمة المهداة والسراج المنير ليس للمسلمين فقط، بل للعالمين: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [الأنبياء : 107]
1- "قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَا تَرَوْنَ أَنّي فَاعِلٌ فِيكُمْ ؟ قَالُوا : خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطّلَقَاءُ" .
وفي صحيح البخاري عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَرَآهُ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدْرَكُوهُ فَأَخَذُوهُ فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ، فَلَمَّا سَارَ قَالَ النبي لِلْعَبَّاسِ: احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ حَطْمِ الْخَيْلِ أو الجَبَلِ "وهو الأنف البارز منه" حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، فَحَبَسَهُ الْعَبَّاسُ "، وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: لا آمن أن يرجع أبو سفيان فيكفر، فاحبسه حتى تريه جنود الله، ففعل العباس، فقال أبوسفيان: أغدرًا يا بني هاشم، قال العباس: لا ولكن لي إليك حاجة.
"فَجَعَلَتْ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمُرُّ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى أَبِي سُفْيَانَ، فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ قَالَ يَا عَبَّاسُ: مَنْ هَذِهِ قَالَ هَذِهِ غِفَارُ قَالَ: مَا لِي وَلِغِفَارَ، ثُمَّ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَالَ: مَنْ هَذِهِ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَنْصَارُ عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَهُ الرَّايَةُ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ " يوم المقتلة العظمى "الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ.
ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ وَهِيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، وَرَايَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ مَا قَالَ قَالَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ" وروى الأموي في المغازي أن أبا سفيان قال للنبي صلى الله عليه و سلم لما حاذاه أَمَرتَ بقتل قومك قال: لا، فذكر له ما قاله سعد بن عبادة ثم ناشده الله والرحم فقال: يا أبا سفيان اليوم يوم المرحمة اليوم يعز الله قريشًا وأرسل إلى سعد فأخذ الراية منه فدفعها إلى ابنه قيس".
إن الله تعالى الذي يجمع في تدبير أمور خلقه بين العدل والرحمة في شريعته، لم يترك العدل بين العباد على حدته وصرامته، وإنما فتح معه بابًا لأهل الرحمة والعفو، وهو باب الإحسان، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى...}[النحل:90].
باب يدعه الله مفتوحًا لمن يريد أن يتسامح في بعض حقه إيثارًا لود القلوب، وشفاء لغل الصدور، ذلك مقام أشرف وأولى عند الذين يؤثرون ما عند الله تعالى، فيقابلون الإساءة بالإحسان، والظلم بالعفو، فكم عالج الإحسان من أقضية وخصومات ومنازعات قبل كلمة العدل وبعدها، وقطع الطريق على مكائد الشيطان، ورفع الأقدار بفضيلة العفو والصفح والإيثار.
2- واسمع لتطبيق عمر بن الخطاب، فإذا ما ذُكِر عمر ذُكر العدل، فأسر القلوب وبهر العقول، لأن العدل في نظره دعوة عملية للإسلام به تفتح قلوب الناس للإيمان، ولأنه سار على ذات نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقد أقبل شابان من البادية على الخليفة عمر بن الخطاب برجل قتل أباهما، فلما سأله عمر اعترف وقال: نعم قتلته، وذلك لأنه دخل أرضي ببعيره، فزجرته فلم ينزجر، فرميته بحجرٍ أصاب رأسه فمات.
قال عمر: إنه القصاص، فاستأذنه الرجل في مهلة يعود فيها إلى أهله ليتدبر أمرهم، إذ ليس لهم معيل بعد الله سواه، فأمهله عمر ثلاثة أيام، ثم التفت إلى الحاضرين يلتمس من يكفله، فلم يستجب أحد، إذ لا أحد يعرفه أو يعرف مكانه بالبادية، فألح عليهم، فقام أبو ذر بشيبته ووقاره، وقال يا أمير المؤمنين، أنا أكفله.
قال عمر: أتعلم ماذا يعني ذلك إذا لم يرجع ؟ قال أعلم وأستعين بالله.
ومرت الأيام الثلاثة، ولم يحضر الرجل، وقد اشتد الأمر على عمر وأبي ذر، وما كان عمر ليحابي في الحق والعدل أحدًا ولو كان أبا ذر، على محبته الشديدة له، وفي آخر ساعة من الموعد، أقبل الرجل، فاستبشر الجميع، فلما سأله عمر: ما حملك على العودة إلى القصاص ولو لم تفعل ما علم أحد بمكانك ؟
قال: ذلك بيني وبين الله، وقد خشيت أن يقال ذهب الوفاء بالعهد من الناس، والتفت عمر إلى أبي ذر يسأله: ما حملك على المجازفة بضمانه وأنت لا تعرفه ؟ قال: توسمت فيه الصدق، وخشيت أن يقال ذهبت المروءة أو" الخير" من الناس، ثم سأل الشابين: وما رأيكما بهذا ؟
قالا وهما يبكيان: أما نحن فقد عفونا عنه، خشية أن يقال ضاع العفو بين الناس، فكبر عمر وكبر الحاضرون.
3- وأخرج ابن عساكر قال:
كتب عمر بن الخطاب إلى فيروز الديلمي رضي الله عنهما:
قال ابن منده وأبو نعيم: هو ابن أخت النجاشي وهو قاتل الأسود العنسي الذي ادعى النبوة باليمن.
“ أما بعد فقد بلغني أنه قد شغلك أكل اللباب بالعسل فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم على بركة الله فاغز في سبيل الله” فقدم فيروز فاستأذن على عمر رضي الله عنهما فأذن به فزاحمه فتى من قريش فرفع فيروز يده فلطم أنف القرشي فدخل القرشي على عمر مستدمى فقال له عمر من فعل بك ؟
قال: فيروز وهو على الباب.
فأذن لفيروز بالدخول فدخل فقال:
ما هذا يا فيروز ؟
قال: يا أمير المؤمنين إنا كنا حديثي عهد بملك، إنك كتبت إلي ولم تكتب إليه، وأذنت لي بالدخول ولم تأذن إليه فأراد أن يدخل في إذني قبلي فكان من ما قد أخبرك.
قال عمر: القصاص.
قال فيروز: لا بد ؟
قال: لا بد.
فجثى فيروز على ركبتيه وقام الفتى ليقتص منه فقال له عمر رضي الله عنه: على رسلك أيها الفتى حتى أخبرك بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة وهو يقول: قتل الليلة الأسود العنسي الكذاب قتله العبد الصالح فيروز الديلمي، أفَتَراك مقتصاً منه بعد أن سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الفتى: قد عفوت عنه بعد أن أخبرتني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا فقال فيروز لعمر: أفَتَرى هذا مخرجي مما صنعت إقراري له وعفوه غير مستكره ؟ قال: نعم قال فيروز: فأشهدك أن سيفي وفرسي وثلاثين ألفاً من مالي هبة له”.
قال: عفوت مأجورًا يا أخا قريش وأخذت مالاً.
وما أجمل ما قاله ابن تيمية: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة.
يقول ابن القيم في إعلام الموقعين يصف الشريعة وصفًا بديعًا: "إن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَمِ ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم"
أيها الأخوة المسلمون إننا بعد أن حكمنا عقودًا بشرائع بشرية كان نتاجها ما جنيناه من ضنك في كل شيء على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، آن الأوان أن نعود لشريعة الخالق جل وعلا {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} فلا نجاة لنا ولا عز ولا سعادة ولا رقي إلا بأن نستظل بظل الإسلام فمهما ابتغينا العزة في غير أذلنا الله.
الشيخ محمد الباشا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

الأحد، 13 نوفمبر 2011

صلاحية الشريعة وحفظها

صلاحية الشريعة وحفظها
الحمد لله رعيت من استرعاك، وحميت من لجا بحماك، لا معين غيرك، ولا ناصر سواك،
أنت البارئ والطبيب، وأنت المعاقب والمثيب، وأنت الحارس والرقيب، وأنت على كل شيء حسيب.
سبحانك لا قوة على طاعتك إلا بإعانتك، ولا تحول عن معصيتك إلا بمشيئتك،
تهدي من تشاء وتعصم وتعافي فضلا، وتضل من تشاء وتخذل وتبتلي عدلا، وكلنا يتقلب في مشيئته بين فضله وعدله،
الوجود وجوده، والملوك عبيده، نستعينه ونستهديه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوب إليه، ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله،
هو المتعالي عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره،
خالق بلا حاجة، رازق بلا مـئونة، مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة،
قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد،
لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفـهام، ولا يُشبه الآنام، حي لا يموت، قيوم لا ينام، آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلاً من عنده
ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير،
وأشهد أن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وأنه خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وحبيب المتقين، وإمام الخلق إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين.
طاعة الله في شرعه ضرورة إيمانية
روى البخاري رحمه الله في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة،قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين".
فصارت هذه الشريعة هي أكمل الشرائع قاطبة من وجوه كثيرة ومتعددة، فما تركت شاردةً ولا واردةً إلا ولها فيها حكمٌ؛ إما نصاً أما استنباطاً، قال تعالى في الآية الثالثة من سورة المائدة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة : 3]
وإننا لنعلم بالضرورة، أنه لا يجوز للناس أن يتخذوا غير الله ربًَا، وكذلك لا يجوز أن يتخذوا غير الله حكمًا قال تعالى: { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]
{ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام : 114 ، 115].
{ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) } [الشورى : 10]
{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13)} [الشورى : 13]
{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18)} [الجاثية : 18]
والشريعة هي كل ما شرع الله من نظم وأحكام تنظم حياة الإنسان، والمسلم مأمور بأن يأخذ بشريعة الله في حياته، ويطبقها دون جدال، بل يذعن لأمره، والناس حيال شرعه إما مطيعًا يستحق لقب الإيمان، وإما معرضًا ما لم يكن الحق له، فيستحق نفي الإيمان عنه إما نفاقًا وإما كفرًا قال تعالى في سورة النور: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) }.
أما حال المؤمنين فقولهم: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور : 46 - 52]
وقال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينًا} [الأحزاب: 36].
عموم الشريعة تستلزم
1- صلاحها (لكل زمان ومكان)
2- حفظها
والشريعة الإسلامية جعلها الله للأمة عامة، لذلك لم يضمن الله عز وجل للشرائع السابقة البقاء والخلود، في حين ضمن ذلك لشريعة الإسلام،
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [الأنبياء : 107].
قال ابن كثير في تفسيره:
يخبر تعالى أن الله جَعَل محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، أي: أرسله رحمة لهم كلّهم، فمن قَبِل هذه الرحمةَ وشكَر هذه النعمةَ، سَعد في الدنيا والآخرة، ومن رَدّها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ (6) الْقَرَارُ } [إبراهيم : 28، 29].
وقال مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين، قال: "إني لم أبعَثْ لَعَّانًا، وإنما بُعثْتُ رحمة"
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعدد خصائص رسالته وفضلها: "أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي،... وفيه: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبُعِثتُ إلى الناسِ كافة" البخاري.
وقال الله تعالى لأتباع الرسول الخاتم الذين يحملون منهجه ويؤدون رسالته: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران : 110]
وتدبر لفظ للناس أي: لكل الناس لليهودي والمسيحي والهندوس والمجوسي، للعربي والأعجمي، للأبيض والأحمر والأسود.
ومقتضى هذا العموم
1- أن تكون هذه الرسالة وهذه الشريعة صالحة لكل قوم ولكل بيئة أي: لكل زمان ومكان.
2- ضمان بقائها يستلزم حفظها، وقد تكفل الله جل وعلا بذاته بحفظ دستورها ومصدرها، ولم يكل حفظه لأتباعه مثل التوراة قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ } [المائدة : 44]
قال السعدي في تفسيره:{ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ } "أي: هو أمانة عندهم، أوجب عليهم حفظه من الزيادة والنقصان والكتمان، وتعليمه لمن لا يعلمه".
وقال الشعراوي في تفسيره:
"فطلب الله منهم أن يحفظوا المنهج: {فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} [المائدة:14].
وأول مرحلة من مراحل عدم الحفظ أنهم نسوا.
المرحلة الثانية هي كتمان ما لم ينسوه قال تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174)} [البقرة : 174]
قال ابن كثير في تفسيره
يعني اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم التي بأيديهم، مما تشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم.
والثالثة هي: ما لم يكتموه حرَّفوه ولووا به ألسنتهم قال تعالى:{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } [المائدة : 41].
وياليتهم اقتصروا على هذه المراحل فقط، ولكنهم جاءوا بأشياء وقالوا: هي من عند الله وهي ليست من عند الله قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)} [آل عمران : 78]
إذن فالحفظ منهم لم يتم، ولأنه سبحانه أراد لشريعة الإسلام البقاء، لم يكل الله أمر حفظه إلى الخلق، ولكنه تكفل - سبحانه - بأمر حفظ القرآن فقال: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر:9]
ومصداق هذا النص، أن بعضًا من المسلمين أسرفوا على أنفسهم في هجر منهج الإسلام ومنهج القرآن إلا أنك تجد عجبًا، فبمقدار بُعدهم عن منهج الإسلام
تطبيقًا يحافظون على القرآن تحقيقًا"أهـ.
أقسام الناس حيال شرع الله
والناس أمام شرع الله ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: كفروا به جملة وتفصيلاً، وجحدوه وأنكروه، وما استضاءوا بنوره، واستحقوا غضب الله، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)} [فصلت : 41 ، 42]
قال السعدي في تفسيره:
الإلحاد في آيات الله: الميل بها عن الصواب، بأي وجه كان: إما بإنكارها وجحودها، وتكذيب من جاء بها، وإما بتحريفها وتصريفها عن معناها الحقيقي، وإثبات معان لها، ما أرادها الله منها.
القسم الثاني: آمنوا ببعض الشريعة وكفروا ببعضها، وهؤلاء يلحقون بالصنف الأول، ولا يغنيهم الإيمان الذي أخذوه ببعض الشريعة قال تعالى: { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:85].
وقال أيضًا: {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)} [الحجر : 91 - 93] }
قال ابن كثير في تفسيره:
"قوله: { الْمُقْتَسِمِينَ } أي: المتحالفين، أي: تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم، كما قال تعالى إخبارًا عن قوم صالح أنهم: { قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} [النمل: 46] أي: نقتلهم ليلا قال مجاهد: تقاسموا: تحالفوا، وعن ابن عباس: { جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ } قال: هم أهل الكتاب، جَزَّؤوه أجزاء، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه"
والقسم الثالث: هم الذين استجابوا لأمر الله وأطاعوه واستضاءوا بنوره وآمنوا به كله كما قال الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة : 208]
قال السعدي في تفسيره:
"هذا أمر من الله تعالى للمؤمنين أن يدخلوا { فِي السِّلْمِ كَافَّةً } أي: في جميع شرائع الدين، ولا يتركوا منها شيئًا، وأن لا يكونوا ممن اتخذ إلهه هواه، إن وافق الأمر المشروع هواه فعله، وإن خالفه، تركه، بل الواجب أن يكون الهوى، تبعًا للدين، وأن يفعل كل ما يقدر عليه، من أفعال الخير، وما يعجز عنه، يلتزمه وينويه، فيدركه بنيته"
وقال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } [الأنفال:24]
وكثير من المسلمين يتصورون عندما ينادى بتطبيق الشريعة الإسلامية أن معنى التطبيق هو قطع يد السارق وجلد القذف، ورجم الزاني، وألا تخرج المرأة من بيتها إلا إلى قبرها، واختصروا الشريعة في الحدود وفقط، وهذا تصور غير صحيح، والإسلام أكبر من هذا وأرحب، وإذا كانت الحدود جزءًا منه إلا أنه لا يجوز اختصار الشريعة فيها لا سيما عرضها بصورة تفزع الآمنين، وتروع الجاهلين بها، ومثال هذا كما أخرج ابن ماجه و أحمد ‎و ابن الأعرابي في "معجمه" من حديث أبي هريرة بسند وإن كان فيه ضعف إلا إنه يذكر للمناسبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل الذي يجلس يسمع الحكمة ,‎ثم لا يحدث عن صاحبه إلا بشر ما يسمع, كمثل رجل أتى راعيًا, ‎فقال: يا راعي ! أجزرني شاة من غنمك ( أي: أعطني شاة لأذبحها ), ‎قال: اذهب فخذ بأذن خيرها, فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم"‎.‎
والحدود: "جمع حد وهو في اللغة المنع لأنها تمنع من الإقدام (وحد الشيء طرفاه)، وفي الشرع: عقوبة مقدرة وجبت حقًا لله تعالى"
فهي علاج لأمراض تدب في الأمة يجب اسئصالها، فالحدود كالسور المضروب حول القصر المنيف لحمايته من السرقة والإفساد فيه، فمن الظلم أن نتقصر وصف القصر على سوره.
يقول ابن القيم في إعلام الموقعين يصف الشريعة وصفًا بديعًا: "إن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَمِ ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم"
الشريعة بين وعد ووعيد
فأما عن وعد الله فقوله:
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)} [النور : 55 ، 56]
فبعد التمكين ينظر الله كيف تعملون في العبادة والمعاملة وسائر الأمور
{قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)} [الأعراف : 127 - 129]
والفاء للتعقيب والسرعة فالمراقبة بعد الاستخلاف والحرية، والدور المنوط من الأمة حال النصر بينه الله في سورة الحج بقوله:
{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج : 39 – 41].
يقول الشيخ الشعراوي في تفسيره:
"فإذا تمَّتْ لكم الغَلَبة، فاعلموا أن لكم دَوْراً ، أَلاَ وهو: { الذين إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض أَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة . . }
معنى: { مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض . . } [ الحج : 41 ] جعلنا لهم سلطانًا وقوة وغَلَبة، فلا يَجترئ أحد عليهم أو يزحزحهم، وعليهم أنْ يعلموا أن الله ما مكَّنهم ونصرهم لذاتهم، وإنما ليقوموا بمهمة الإصلاح وينقوا الخلافة الإنسانية في الأرض من كُلِّ ما يُضعِف صلاحها أو يفسده".
أما عن وعيد الله لمن ترك شريعة الله وأعرض عنها فإن الله تعالى قال فيه: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا- يقول ابن كثير: أي: في الدنيا-وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) } [طه : 124 ، 128].
أما عن المجتمع وما سيصيبه فعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كيف أنتم إذا وقعت فيكم خمس وأعوذ بالله أن تكون فيكم أو تدركوهن:
1- ما ظهرت الفاحشة في قوم قط فعمل بها بينهم علانية إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم،
2- وما منع قوم الزكاة إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم تمطروا،
3- وما بخس قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم ،
4- ولا حكم أمراؤهم بغير ما أنزل الله إلا سلط الله عليهم عدوهم فاستنفذوا بعض ما في أيديهم،
5- وما عطلوا كتاب الله وسنة رسوله إلا جعل الله بأسهم بينهم" .
أليست هذه الشريعة هي التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور.
أليست هذه الشريعة هي التي أطعمت الناس من جوع وآمنتهم من خوف.
أليست هذه الشريعة هي التي فتحت أعينا عميًا وآذانًا صمًا وألسنةً بكمًا.
ظلمها أهلها وبنوها حين لم يفهموها، ولم يحسنوا عرضها، قبل أن يظلمها أعداؤها.
والله أسأل أن يجمعنا وإياكم في مستقر رحمته وأن يرزقنا حبه وحب رسوله وحب شريعته وحب كل عمل صالح يقربنا إلى حبه.
{فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}[غافر:44].

الشيخ / محمد الباشا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

الخميس، 9 يونيو 2011

استجيبوا لربكم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تبارك اسمه، وتعالى جدُّه، وجل ثناؤه، وعظم سلطانه، ولا إله غيره،
أول لا أول يثانيه، وآخر لا آخر يدانيه، وظاهر لا ظاهر يضاهيه، وأحد لا أحد يحاذيه، تعرف على عباده فاحتارت العقول فيه، واحدٌ أحدٌ، فردٌ صمدٌ، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. أوصانا بالتقوى فقال:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، فجزاه الله عنا خير ما جزى به نبيًّا عن أمته، ورسولاً عن رسالته، تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
أما بعد،،،
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار.
روى الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُونَهُ، قَالَ: فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ فَسَمِعَ حَدِيثَهُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَجَبًا إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلًا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَقَالَ آخَرُ: مَاذَا بِأَعْجَبَ مِنْ كَلَامِ مُوسَى كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا، وَقَالَ آخَرُ: فَعِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ، وَقَالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ وَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوسَى نَجِيُّ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَعِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حِلَقَ الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُ اللَّهُ لِي فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَلَا فَخْرَ"
هو أفضل من بعث بالرسالة وسلمت عليه الغزالة
وآمن به الحجر وانشق له القمر ولبى دعوته الشجر
واشتكى إليه الجمل من شدة العمل
وسبحت في كفه الحصباء ونبع من بين يديه الماء
هو النبي الخاتم العدنان صلى الإله عليه في القرآن
{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب : 56]
صلى الله عليه وعلى الصحابة أجمعين، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وارض اللهم عنا معهم أجمعين، اللهم آمين.
الاستجابة لله هي موضوعنا اليوم وسوف نتناوله في النقاط التالية
1- تعريف الاستجابة 2- نماذج المستجيبين
3- أصناف الناس مع الاستجابة 4- أسباب عدم الاستجابة

العنصر الأول: تعريف الاستجابة
استجاب بمعنى طلب أن يفعل الإجابة، لأن أصل الاستفعال يكون لطلب الفعل
وجاء في المعجم الوجيز "استجاب له: أطاعه فيما دعاه إليه، ومنها {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [البقرة : 186] أي: فليطوعوني".
والاستجابة أيضًا تكون من الله لك فالله يستجيب ولكن بمعنى: قبل دعاءه، وقضى حاجته"كما في الوجيز، وفي القرآن: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي.....} [آل عمران : 195]
والاستجابة لله عمل وتطبيق وإلا كان ادعاءً بالإيمان، فعَنِ الْحَارِثِ بن مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ:"كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثُ ؟ " قَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا، فَقَالَ: "انْظُرْ مَا تَقُولُ ؟ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ ؟ " فَقَالَ: قَدْ عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، وَأَسْهَرْتُ لِذَلِكَ لِيَلِي، وَاطْمَأَنَّ نَهَارِي(وأظمأت)، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَضَاغَوْنَ فِيهَا، فَقَالَ: " يَا حَارِثُ عَرَفْتَ فَالْزَمْ ", ثَلاثًا .
أي عرفت فالزم التطبيق والعمل، وهذا ما تدلنا عليه لآيات الاستجابة في سورة الشورى
{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}[الشورى : 38]
قال صاحب الظلال: فأزالوا العوائق التي تقوم بينهم وبين ربهم....وحينئذ تستجيب بلا عائق، تستجيب بكلياتها، ولا تقف أمام كل تكليف بعائق من هوى يمنعها . . وهذه هي الاستجابة في عمومها . . ثم أخذ يفصل بعض هذه الاستجابة ثم قال: {وأقاموا الصلاة} وهي صورة الاستجابة الأولى لله، وهي الصلة بين العبد وربه، وهي مظهر المساواة بين العباد في الصف الواحد ركعًا سجدًا، لا يرتفع رأس على رأس، ولا تتقدم رجل على رجل!
ولعله من هذا الجانب أتبع إقامة الصلاة بصفة الشورى قبل أن يذكر الزكاة: { وأمرهم شورى بينهم }، والتعبير يجعل أمرهم كله شورى، ليصبغ الحياة كلها بهذه الصبغة وهو نص مكي، ليدل على أنه طابع في كل حالاتها، أما الشكل الذي تتم به الشورى فهو متروك للصورة الملائمة لكل بيئة وزمان، والنظم الإسلامية كلها ليست أشكالاً جامدة، وليست نصوصاً حرفية، إنما هي قبل كل شيء روح ينشأ عن استقرار حقيقة الإيمان في القلب،
{ومما رزقناهم ينفقون } وهو نص مبكر كذلك على تحديد فرائض الزكاة التي حددت في السنة الثانية من الهجرة، ولكن الإنفاق العام من رزق الله كان توجيها مبكرًا فلا بد للدعوة من الإنفاق، ولا بد منه تطهيرًا للقلب من الشح، واستعلاء على حب المال، وثقة بما عند الله، وكل هذه ضرورية لاستكمال معنى الإيمان".
والاستجابة تستلزم السرعة في الطاعة والتطبيق والالتزام بأمر الله فلا تتلكأ ولا تسوف، فعن أبي سعيد بن المعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به وهو يصلي فدعاه، قال: فصليت ثم أتيته، قال: فقال رسول الله: "ما منعك أن تجيبني"، قال: كنت أصلي، قال: ألم يقل الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}، لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد قال: قلت يا رسول الله قولك، قال: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني التي أوتيت والقرآن العظيم" .
فإذا كان تأخر الصحابي الجليل أبي سعد بن المعلى لحظات عن نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاه، وهو يصلي يعبد الله؛ سبَّبَ إنكار الرسول صلى الله عليه وسلم عليه، لعدم مبادرته واستجابته لأمره، فكيف بحال كثير من الناس اليوم، وقد آل الأمر بكثير منهم إلى نبذ أوامره، بل والإعراض عن دينه.
إذن الاستجابة هي التطبيق العملي، والسرعة في الامتثال، ولهذا فقد دعا الله المؤمنين في كتابه العزيز ترغيبًا وترهيبًا، فقال ترهيبًا: {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47} [الشورى : 47]
وقال ترغيبًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } [الأنفال : 24]
قال صاحب الظلال: " إن الله قادر على أن يقهركم على الهدى - لو كان يريد - وعلى الاستجابة التي يدعوكم إليها هذه الدعوة، ولكنه - سبحانه - يكرمكم؛ فيدعوكم لتستجيبوا عن طواعية تنالون عليها الأجر".
وقال ابن كثير:{ لِمَا يُحْيِيكُمْ } "ففي الإسلام إحياؤهم بعد موتهم بالكفر"
وقال الشعراوي: { وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }
"كل منا في يد الخالق، وسبحانه وتعالى لم يخلق الخلق ثم يترك النواميس لتعمل دون إرادته، بل كل النواميس في يده"
فكثير من الناس يحول الله بينه وبين قلبه فلا يستطع أن يطيع الله ولا أن يركع له ركعة، بل ولم يكن قلبه له طيعًا، لأنه أصر على العصيان واستهزأ بالطائعين، فختم الله على قلبه، وحال بينه وبين دخول الإيمان قلبه، أو خروج الغشاوة والغفلة منه، نسأل الله العافية.
وفي قصص خاتمة السوء ما تشيب منه الأبدان، فإن رجلاً في احتضاره ذَكَّره الطبيب بلا إله إلا الله، فأشاح بيده وقال:" هو كان عملِّي إيه"
من أجل هذه اللحظات الفارقات قال رسول الله في حديث أم سلمة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه يقول:
"اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك". قالت: فقلت يا رسول الله، أو إن القلوب لتتقلب ؟ قال: "نعم، ما خلق الله من بشر من بني آدم إلا أن قلبه بين إصبعين من أصابع الله، عز وجل، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه. ثم تلا {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [آل عمران : 8].
قالت: قلت: يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: "بلى، قولي: اللهم رب النبي محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني"
العنصر الثاني: نماذج المستجيبين
إن المستجيب لله لا يتردد، بل يكفيه داعٍ واحد فقط، وهذا شأن الصحابة عندما سمعوا داعي الله، فهم أفضل من فهم عن رسول الله، بل كانت استجابتهم سلوكًا يحتذى به، حتى كان الرجل يدخل في الإسلام فيتغير كل شيء في حياته من نفس اللحظة التي دخل فيها للإسلام.
ففي تحويل القبلة، عندما أمر الله بتحويلها من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام قال الحافظ أبو بكر بن مردويه كما في تفسير ابن كثير أن عمارة بن أوس قال: "بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس، ونحن ركوع، إذ أتى مناد بالباب: أن القبلة قد حُوِّلت إلى الكعبة. قال: فأشهد على إمامنا أنه انحرف فتحوَّل هو والرِّجال والصبيان، وهم ركوع، نحو الكعبة.
وذكر ابن مردويه من حديث نُوَيلة بنت مسلم قالت: حدثني رجل من بني حارثة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أولئك رجال يؤمنون بالغيب" .
وعندما نزل تحريم الخمر قال أنس فيما أورده ابن كثير كنت ساقي القوم يوم حُرّمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفَضيخ البسرُ والتمرُ، فإذا مناد ينادي، قال: اخرج فانظر. فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حُرّمت، فَجرت في سِكَكِ المدينة، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فَأهْرقها، فهرقتها.
ولابن كثير أيضًا من رواية ابن جرير عن أبي بريدة، عن أبيه قال: بينا نحن قُعُود على شراب لنا، وعندنا باطية لنا، ونحن نشرب الخمر حلا إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، إذ نزل تحريم الخمر: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ } إلى آخر الآيتين {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } ؟ فجئت إلى أصحابي فقرأتها إلى قوله: { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون } ؟ قال: وبعض القوم شَربته في يده، قد شرب بعضها وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا، كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا ربنا.
وانظر إلى هذه الاستجابة التي رواها الأصمعي وذكرها الزمخشري في الكشاف قال: " أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود له فقال: ممن الرجل ؟ قلت: من بني أصمع، قال: من أين أقبلت ؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن، فقال: اتل عليّ ، فتلوت {وَالذرِيَاتِ} فلما بلغت قوله تعالى: { وَفِى السَّمَاء رِزْقُكُمْ} قال: حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى، فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف، فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت دقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر، فسلم عليّ واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، ثم قال: وهل غير هذا ؟ فقرأت: {فورب السماء والأرض إنه لحق}، فصاح وقال: يا سبحان الله، من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف، لم يصدقوه بقوله حتى ألجئوه إلى اليمين؛ قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه".
وانظر إلى استجابة يكابد أم موسى عليه السلام عندما قال الله لها: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ } [طه: 38 ، 39].
حركات كلها عنف وخشونة، قذف الطفل في التابوت، ثم قذفه بالتابوت في اليم، ثم إلقاء اليم للتابوت على الساحل، ثم من يتسلمه بعد الرمي والطرح، عدو لي وعدو له، خافت كأي أم حتى أنها {كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص : 10].
كادت تقول اقتلوه بيدكم بدلًا أن يقتل بيدي غرقًا وأكون أنا الذي قتلته، وفي زحمة هذه المخاوف كلها وبعد تلك الصدمات كانت الحماية والعناية الإلهية {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه : 39].
قدرة تجعل المحبة الهينة درعًا تتكسر عليه الضربات، وتتحطم عليه الأمواج وتعجز قوى البشر والطغيان أن تمس حاملها بسوء، ولتصنع على عيني تحت عين فرعون عدو لي وعدوك بلا حارس ولا مانع، فرددناه إلى أمه كي تقر عينها، بأن حرمنا عليه المراضع، فتأتي أخته فتقول هل أدلكم على من يكفله، حتى ترضع يكابد ولدها وتأخذ أجرها، ولم تفطن لها الدايات بحملها.
الخـطـبـة الـثانـيـة
الحمد لله ربِ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد ألا إله إلا الله، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا، خاتمُ النبيين، وسيدُ المجاهدين، وإمامُ الخلق إلى يومِ يقومُ الناسُ لربِ العالمين، أما بعد ...
العنصر الثالث: أصناف الناس مع الاستجابة
اعلموا أن الناس ينقسمون فريقين تجاه أوامر الله، فمنهم من استجاب وأطاع، ومنهم من أعرض وأبى، يقول الله عز وجل مبينًا نتيجة الفريقين: { لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ } [الرعد:18].
فهذا مآل السعداء والأشقياء {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ } أي: أطاعوا الله ورسوله، وانقادوا لأوامره، فلهم { الحسنى } والحُسْنى: أفعل التفضيل المؤنث لحسن، وهو الجزاء الحسن، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْحُسْنى هِيَ الْجَنَّةُ،كما قال ابن كثير والطاهر ابن عاشور، كما بين الله حال الفريقين في إخباره عن ذي القرنين أنه قال: { قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا } [الكهف: 87، 88].
"وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ جَزاءً الْحُسْنى بِإِضَافَةِ جَزاءً إِلَى الْحُسْنى عَلَى الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ، وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفَصٌ عَنْ عَاصِمٍ، وَيَعْقُوبُ، وَخَلَفٌ جَزاءً الْحُسْنى بِنَصْبِ جَزاءً مُنَوَّنًا عَلَى أَنَّهُ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ اسْتِحْقَاقِهِ الْحُسْنَى، أَوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ.
وَالْقَوْلُ الْيُسْرُ: هُوَ الْكَلَامُ الْحَسَنُ، وُصِفَ بِالْيُسْرِ الْمَعْنَوِيِّ لِكَوْنِهِ لَا يُثْقِلُ سَمَاعَهُ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} [الْإِسْرَاء: 28] أَيْ جَمِيلًا "، أو هو قول المعروف كما قال ابن كثير.
وقوله: { وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ } أي لم: يطيعوا الله، ولم يمتثلوا أمره { لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا } أي: في الدار الآخرة، لو أمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبًا ومثله معه لافتدوا به، ولكن لا يتقبل منهم؛ لأنه تعالى لا يقبل منهم يوم القيامة صرفًا ولا عدلاً { أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ }
أي: في الدار الآخرة، أي: يناقشون على النقير والقطمير، والجليل والحقير، ومن نوقش الحساب عذب؛ وسُوءُ الْحِسابِ مَا يَحُفُّ بِالْحِسَابِ مِنْ إغلاظ وإهانة للمحاسب.
ولهذا قال: { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ }.
بل لقد بين الله أن المعرضين عن أن أمر الله سبب إعراضهم أنهم يتبعون أهواءهم قال تعالى: { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } [القصص:50].
إذاً الأمر مقسوم إلى طريقين: إما الاستجابة لله ولرسوله، وهؤلاء لهم البشرى، لأن الجزاء من جنس العمل، قال تعالى:{ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى } [آل عمران:195].
وإما اتباع الهوى لا محالة: { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } [القصص:50].
وقد رتب الله الوعيد الشديد، والانتقام الأكيد على المخالفين لها بقوله: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النور:63].
قال الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآية:
أي: فليحذر وليخش من مخالفة شريعة الرسول باطنًا وظاهرًا، {أن تصيبهم فتنة} أي: في قلوبهم من كفر، أو نفاق، أو بدعة، {أو يصيبهم عذاب أليم} في الدنيا بقتل، أو حد، أو حبس، أو نحو ذلك.
والفرق ما بين المؤمنين والمنافقين سرعة الاستجابة لله ورسوله، والمبادرة إلى امتثال أوامر الله ورسوله، والسمع والطاعة، والانقياد للحق إذا ظهر، يقول تعالى مبينًا صفات الفريقين في ذلك: { وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } [النور:47-52].
العنصر الرابع: أسباب عدم الاستجابة
إن كثيرًا من الناس في هذا الزمان ما استجاب رغم أنه يدعى منذ زمن، كم سمع من المواعظ والخطب وقرأ القرآن وهو يُمني نفسه ويسوف به الشيطان؟ يحضر كل جمعة الخطبة، ويسمع بصريح العبارة بيانًا من الله، فلا شك أن هناك أسبابًا تحول بينه بين طاعة الله منها.
1- ليس الكل يأتي إلى الدرس أو الخطبة بنفسية التطبيق والتنفيذ والامتثال، ولكن يأتي ليسمع ويحفظ ويبلغ أو ليستمتع بالكلام فقط ولكن صحابة رسول الله كانوا يتعلمون العلم والعمل معًا وكانوا يسألون النبي عن الأعمال فعن ابن مسعود رضي الله عنه، قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله، أيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى ؟ قَالَ: (( الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا )) قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قَالَ: (( بِرُّ الوَالِدَيْنِ )) قلتُ : ثُمَّ أيُّ ؟ قَالَ : ((الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ )) متفقٌ عَلَيْهِ .
وحديث حذيفة في الصحيحين:"كان الناس يسألون عن الخير وكنت أسأل عن الشر مخافة أن يدركني".
وعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه: أنَّ رجلاً قَالَ: يَا رسولَ الله، إنَّ شَرَائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَليَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيءٍ أَتَشَبثُ بِهِ قَالَ: (( لا يَزالُ لِسَانُكَ رَطباً مِنْ ذِكْرِ الله )) .
بل ودائمًا تجد الذين آمنوا مرتبطة بعملوا الصالحات يقول الله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } [النساء : 66 - 69]
2- عدم معرفة الأجر يؤدي إلى ضعف التطبيق، فقد ذكر الأجر لترغيب الناس في التطبيق حتى في الطعام فعن معاذِ بن أنسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ أكَلَ طَعَامًَا، فَقال: الحَمْدُ للهِ الَّذِي أطْعَمَنِي هَذَا، وَرَزَقنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )).
وروى الترمذي والحاكم من حديث عمر بن الخطاب أن النبي قال: "من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد يحيي و يميت و هو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبنى له بيتًا في الجنة" ، فمن لا يعرف ثواب الأعمال ثقلت عليه في جميع الأحوال.
3- مستوى التصديق بالجنة والنار أصبح ضعيفًا جدًا، ومستوى الإيمان بالحساب، لذلك كثيرًا ما نستغرب من فعل أبي بكر بإنفاق ماله كله، وعمر بنصف ماله، وعثمان في تجهز جيش العسرة، وعلي بشجاعنه في غزوة الأحزاب عندما قتل عمرو بن ود، لأنهم كانوا يسمعون عن الآخرة، كأنهم يرونها رأي عين.
مثال: ذلك رجل متعب لا يستطيع الحركة، وأراد النوم ولا يسمع لأحد، ولكنه عندما احترق بيته تحرك وهرول وأطفأ النار طلوعًا ونزولاً بالماء، السر في ذلك، لأن النار اقتربت، ومثل موت أحد الأقارب تجد البيت كله في الأيام الأولى يبحثون عن القربات، لماذا لأن الموت قد اقترب.
4- الرضا بالحياة الدنيا والتهافت والصراع عليها (قصة عيسى والمال)
يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يونس : 7 ، 8]
ركنوا إليها وجعلوها غاية أمرهم، كأنهم خلقوا للبقاء فيها.
نسأل الله أن يهدينا للامتثال لأمره والاستجابة لطاعته
فهو ولي ذلك والقادر عليه

الشيخ محمد الباشا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين