مقدمة
تعد مسألة الزواج من الشريك المخالف لشريكه دينيًّا إحدى المسائل المهمة التي أولتها الديانات أهمية كبرى، فلكل دين إلهي رؤيته إلى هذه المسألة، كما أن الاتجاهات غير الإلهية اهتمت بها وتحدثت عنها.. وللإسلام رؤيته المتميزة عن بقية الأديان والاتجاهات، إذ بُنيت تشريعاته في هذا المجال على جانب عظيم من التسامح وقبول الآخر.
ومن هنا يمكن القول: إن الإسلام هو أول الأديان والشرائع التي سمحت لأتباعها بالزواج من غيرهم من سائر الأديان الأخرى، وإنه الديانة الوحيدة التي تتميز بأفق واسع في مجال العلاقات الإنسانية بين الشعوب والأمم، وعلى أقل تقدير لم يسبقه تشريع يتصف بهذه المزية في نظرته الواقعية للإنسان.
ويشكل موضوع البحث أهمية كبرى بالنسبة للجاليات العربية والمسلمة التي تعيش كأقليات في العالم الغربي أو غيره، حيث يسلط الضوء على البعد الفقهي والحقوقي في مسألة زواج المسلم والمسلمة من الديانات الأخرى.
{والإسلام قد أباح زواج المسلم من الكتابية، و جمهور الفقهاء على إباحة زواج المسلم من نساء أهل الكتاب، وأجمعوا على حرمة زواج المسلمة من غير المسلم، وهنا ادعى المستشرقون ومن تبعهم من المنصرين والعلمانيين أن ذلك دليل على عنصرية الإسلام، لأنه مع الإباحة للمسلم من الزواج من الكتابية، مُنعت المسلمة من زواج الكتابي.
وهذا الحكم الشرعي لاعنصرية فيه البتة؛ لأن الإسلام لم يأت ببدع في ذلك الأمر، فكل الأديان الموجودة على ظهر الأرض تحرم زواج المرأة التي تدين بها من رجل على ملة أخرى.
فاليهودية على سبيل المثال " تُحرِّم الزواج بين اليهودية وغير اليهودي، فقد جاء في العهد القديم: « ولا تصاهرهم بنتك، لا تعط لابنه، وبنته لا تأخذ لابنك » .
وانتقلنا إلى المسيحية نجد أنها تحرم زواج المرأة المسيحية من غير المسيحي، بل التحريم يصل إلى تحريم الزواج بمسيحي من طائفة أخرى، مثل تحريم زواج الأرثوذكسية من البروستانتي أو الكاثوليكي، ويتجاوز ذلك إلى تحريم زواج أبناء الملة الواحدة كالأرثوذكس إذا اختلفت الطوائف، وتطليقها منه إذا تغيرت الملة.
وفي قانون الأقباط الأرثوذكس المصري الصادر عام 1938م تنص المادة السادسة على أن " اختلاف الدين مانع من الزواج"، وفي مادة 24 "أحد موانع الزواج اختلاف الدين أو المذهب ويقصد باختلاف المذهب .. أن يكون المسيحيان غير متحدي المذهب أو الملة كزواج القبطي الأرثوذكسي بقبطية كاثوليكية، أو زواج أحد أبناء كنيسة الروم الأرثوذكس المصريين بزوجة سريانية أو إنجيلية.
وفي مادة 13 من مشروع القانون الموحد للأحوال الشخصية" يشترط لصحة الزوجان الزواج اتحاد الزوجين في المسيحية فإذا اختلفا في ذلك امتنع الزواج المختلط حتى يتم اتحاد الزوجين في تبعيتهما للكنيسة القبطية الأرثوذكسية وذلك بسبب مبدأ تقديس الزواج باعتباره من أسرار الكنيسة السبعة.
أليست هذه هي التفرقة بعينها؟!!
فالإسلام لم يمنع الزواج بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب تمامًا، ولكنه منع زواج المسلمة من غير المسلم، ومع هذا المنع فتح بابًا آخر للتواصل بين المسلمين وأهل الكتاب.
والإسلام دين يعترف بكل الأديان السماوية الصحيحة السابقة ويجعل الإيمان بالأنبياء السابقين جميعًا جزءًا لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية. وإذا تزوج مسلم من مسيحية أو يهودية فإن المسلم مأمور بإقرارها على عقيدتها، ولا يجوز له ـ من وجهة النظر الإسلامية ـ أن يمنعها من ممارسة شعائر دينها والذهاب من أجل ذلك إلى الكنيسة أو المعبد.
وهكذا يحرص الإسلام على توفير عنصر الاحترام من جانب الزوج لعقيدة زوجته وعبادتها،وفى ذلك ضمان وحماية للأسرة من الانهيار.
أما إذا تزوج غير مسلم من مسلمة فإن عنصر الاحترام لعقيدة الزوجة يكون مفقودًا؛ لأن غير المسلم لا يؤمن بنبي الإسلام ولا يعترف به، ويُصَدِّق ـ عادةً ـ كل ما يشاع ضد الإسلام، وحتى إذا لم يصرح الزوج غير المسلم بذلك أمام زوجته، فإنها ستظل تعيش تحت وطأة شعور عدم الاحترام من جانب زوجها لعقيدتها، وعنصر الاحترام المتبادل بين الزوج والزوجة أساس لاستمرار العلاقة الزوجية.
وقد كان الإسلام منطقيًّا مع نفسه حين حرَّم زواج المسلم من غير المسلمة التي تدين بدين غير المسيحية واليهودية، وذلك لنفس السبب الذي من أجله حرَّم زواج المسلمة بغير المسلم.
فالمسلم لا يؤمن إلا بالأديان السماوية الصحيحة، وما عداها تُعد في اعتقاده ديانات بشرية، فعنصر التوقير والاحترام لعقيدة الزوجة في هذه الحالة ـ بعيدًا عن المجاملات ـ يكون مفقودًا.
وهذا يؤثر سلبًا على العلاقة الزوجية، ولا يحقق " المودة والرحمة " المطلوبة في العلاقة الزوجية}.
ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: "ربُّ البيت المسلم يستحيل أن يمر بخاطره أن يهين موسى أوعيسى، إنه يحترمهما كما يحترم نبيه محمدًا، ويصفهما بالوجاهة والرسالة وقوة العزم وصدق البلاغ، وهذا معنى يلقي السكينة في نفوس أتباعهما.
أما اليهود والنصارى فإن ضغائنهم على محمد صلى الله عليه وسلم، أعيت الأولين والآخرين، وقد استباحوا قذفه بكل نقيصة.
وفي عصرنا هذا منحت إنجلترا أعظم جائزة أدبية لكاتب نكرة، كل بضاعته شتم محمد والولوغ في عرضه والتهجم على حرمه! فكيف تعيش مسلمة في بيت تلك بعض معالمه؟
إن الزواج ليس عشق ذكر لمفاتن أنثى!! إنه إقامة بيت على السكينة النفسية، والآداب الاجتماعي، في إطار محكم من الإيمان بالله، والعيش وفق هداياته، والعمل على إعلاء كلمته، وإبلاغ رسالاته" .
مما تقدم سوف نتناول بحثنا هذا من خلال آراء وأدلة القائلين بالمنع، والقائلين بالجواز، مع مناقشة كلا الاتجاهين، والوصول إلى نتيجة أقرب إلى الصواب من وجهة نظري.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل
مقدمه: محمد السيد باشا
في
جمادى الأولى 1430
مايو 2009
الفصل الأول
المبحث الأول: القائلون بالمنع
قال الدكتور محمد كمال إمام : رئيس قسم الشريعة بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية.
أقترح بسن قانون يمنع الزواج بين مختلفي الديانة بعد الأزمات الحالية المتعاقبة.. استنادًا إلى القاعدة الشرعية "درء المفاسد مقدم على جلب المنافع".
وهذا القانون يمنع الأزمات الطائفية، فالأسرة تتعرض لمشكلات متعددة، وبرغم كون الأب مسلمًا إلا أن عائلة الأم القبطية تكون في معظم الأحيان مصدر جذب للأطفال، ولهذا من الصعب أن ينشأ على تربية إسلامية صحيحة".
إن الجانبين الإسلامي والمسيحي بهما آراء مقيدة، بل رافضة للزواج بين مختلفي الديانة.. فهناك آراء عديدة في الفقه الإسلامي ضد الزواج من كتابية، وتقيده بعدد من الشروط تصل إلى المنع، ومن أهمها صعوبة وجود فتاة مسلمة للزواج بها، إلى جانب موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الزواج بكتابيات.
كما أن الأديان الأخرى تنظر للمرأة التي تتزوج بمسلم نظرة خاطئة، حيث يعتبرون زواجها باطلاً وعلاقتها غير مشروعة، ولذلك فغلق هذا الباب يجنبنا كثيرًا من المشكلات.
وقال الدكتور أحمد عبد الرحمن أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الأزهر أسيوط:
"الزواج من أهل الكتاب مباح وليس فرضًا، ومنع المباح جائز إذا ثبت أنه يترتب عليه ضرر.
وإن الإباحة في الزواج بالكتابيات ليست مطلقة، بل هي مقيدة ولها شروط وقواعد، مشيرًا إلى أن كثيرًا من أهل الكتاب خارجون عن دينهم وربما يكونون لا دينيين.
والشرط الأهم عند الزواج هو التيقن من حقيقة الانتماء لهذا الدين أو ذاك.. ولا يكفي أن يثبت في بطاقته الشخصية نوع الديانة.
وفضلاً عن أن هناك دولا مثل إسرائيل لا يزال بيننا وبينها حرب الآن وهي حرب شعواء على الإسلام.. ومثل هذه الحالة تقيد الزواج بالكتابيات، فقد تستغل الإباحة فيما يضر الإسلام والمسلمين".
المبحث الثاني: القائلون بالجواز
الدكتور محمد رأفت عثمان: عضو مجمع البحوث الإسلامية
أرفض ما ذهب إليه د. إمام، لإن ما ورد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذا الشأن من أنه كان يريد التفريق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان، وبين كتابيتين قد تزوجاهما، أن قال حذيفة لعمر: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: لا أزعم أنها حرام، ولكن أخاف أن تتعاطوا المومسات منهن .
وواضح من هذا الأثر أن عمر لم يقل بالتحريم، ولم يقبل من عمر ولا غير عمر القول بما يصادم الشرع بنصوص صريحة.
وأما عن سد الذرائع، فلسنا بصددها في هذه الحالة، فذلك جائز عندما لا يكون هناك حل للمشكلة، ولكن الحل لا يزال قائما الآن، ويكمن في أن يترك الأقباط حرية الاختيار لبناتهن، وأن يتأكدوا من أن الإسلام يأمر بإكرام الزوجة والحفاظ عليها، والمسألة تحتاج فقط لنوع من المرونة في التعامل بين المسلمين والأقباط.
وأن المشاكل التي تطرأ من زواج بعض الشباب في مصر من القبطيات لا تنتج عن الزواج نفسه، وإنما تنشأ من تعصب الأهل وإصرارهم على منع زواج ابنتهم من المسلم، خوفًا من إشهارها الإسلام، فتكون النتيجة هذا الاحتقان وهذه الفتنة.
وهذا الاقتراح، مصادم للشرع، ولا يحل مشكلة الطائفية المنتشرة الآن؛ بل يحمل عددًا من المخالفات الشرعية؛ لتحريمه ما أحله الله وإن الاحتقان الموجود حاليًا له أسباب عديدة، ويجب أن يقتلع من جذوره".
وقال الدكتور طه أبو كريشة: نائب رئيس جامعة الأزهر سابقًا
"إن هذا الاقتراح يخالف نصًّا صريحًا وواضحًا في كتاب الله هو قوله تعالى: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم..} .
فهذا نص قاطع في القرآن الكريم لا يمكن تعطيله تحت أي ظرف؛ لأن النصوص القرآنية خالدة بتطبيقها مثل خلودها بحفظها، فإذا كان الله سبحانه قد قال: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ، فإن هذا الحفظ يعنى أمرين: الأول حفظ النص، والثاني تطبيق النص وصلاحيته لكل زمان ومكان.
لذلك فإن سن مثل هذا القانون تحريم لما أحله الله، وليس لأحد أن يقول بذلك، فالذي له حق التحليل والتحريم هو الله وحده، وقد نهى الله عن ذلك
نهيًا صريحًا في قوله تعالى: {لا تحرموا طيبات ما أحل لكم} ".
وقال الدكتور حامد أبو طالب: عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر سابقًا.
"إن منع الزواج من غير المسلمات بقانون أمر ليس له مبرر، ذلك أن هذا الحكم الشرعي واقع منذ أكثر من 14 قرنًا، ولم نر أو نسمع عن مشكلات بسببه.
وأما ما يحدث الآن، فهو نتيجة تصرفات غير مسئولة من بعض المتطرفين من هذا الجانب أو ذاك، ولا يعقل أن نغير الأحكام أو نبدلها بسبب تصرفات حفنة من الموتورين، فهل نغير مثلاً أحكام الحج للزحام الشديد، أو نلغي الاعتكاف نتيجة لسلوكيات خاطئة من المعتكفين؟!.
وإن الحل في تعليم الناس وزيادة وعيهم، وتأكيد أن الإسلام أجاز للمسلم أن يتزوج الكتابية ويعطيها حقها كاملا كزوجة، مع منحها الحرية في ممارسة شعائرها الدينية، وليس الحل بإلغاء الأحكام أو تعطيلها، ولو كانت كل مشكلة تحل بإلغاء الأحكام، لأدى ذلك إلى عدم بقاء أي حكم من الأحكام!
وما يحدث وتصاحبه ضجة إعلامية بأنه مشكلات مدبرة بأيدي موتورين، محذرًا من أن الخضوع لهؤلاء بتغيير الأحكام وسن القوانين سيوقعنا مستقبلاً في مشكلات جمة".
وقال الدكتور محمد السيد الجليند: أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية دار العلوم.. "إن الإسلام أجاز للمسلم الزواج بالكتابية، لكنه حرم زواج المشركة، والزواج من أهل الكتاب منصوص عليه بنصوص قاطعة في الجواز غير قابلة للتأويل، ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أهدى إليه المقوقس مارية القبطية؛ لذلك فلا يجوز سن مثل هذا القانون لأنه يناقض ما جاء بالقرآن والسنة.
وأما مسألة درء المفاسد، فإنه يجوز لولي الأمر، ولكن فيما لا نص فيه، فتقييد الحلال والمباح من باب سد الذرائع لا يجوز فيما فيه نص صريح".
وقالت الدكتورة آمنة نصير: أستاذة الفلسفة الإسلامية بجامعة الأزهر.
"هذا لاقتراح شطحة لا مبرر لها، موضحة أن الإسلام عندما أجاز الزواج من الكتابيات وضع لذلك ضوابط تحفظ لهن حقوقهن وحرياتهن، من أهمها عدم إكراهها على اعتناق دينه، وعدم الإساءة إلى دينها وعقيدتها، بل وعدم منعها من ارتياد الكنيسة وممارسة طقوسها، ولا يجوز أيضا لمسلم أن يمنع زوجته الكتابية من أهلها.
والانتقال بين الأديان قضية البشر منذ أن وجدت الأديان، وليس جديدًا، ولكن كل ما هنالك أننا أصبحنا نضخم الأمور لأسباب نفسية ترتبط بثقافة الواقع، فالعالم الإسلامي بات يستشعر الضعف جراء الضغوط الخارجية التي تحيط به، فضلاً عن أن هناك ضغوطًا ونوعًا من التربص لإغواء المسلم لترك دينه".
رفض مسيحي
قال الأستاذ: جمال أسعد عبد الملاك المفكر القبطي
"إن كان الدكتور كمال إمام قد طرح هذه الفكرة بنية القضاء على المشاكل المترتبة على الزواج المختلط نظرًا للمناخ الديني المتوتر، فيجب أن ندرك أن هناك صعوبات عديدة تواجه هذا القانون، من أهمها ازدياد الزواج العرفي والمدني، كبديل عن الزواج الرسمي، وسوف ندخل في مشكلات أكثر تعقيدًا.
والقضية ليست قضية قانون يسن، ولكن مناخ وثقافة تدعو لقبول الآخر واحترام عقيدته، والالتزام بثوابت المجتمع، وإن هذا الاقتراح يتعامل مع توابع المشكلات وليس المشكلات نفسها، أو هو يتعامل مع ردود الفعل.
وما يحدث الآن سلوك طائفي نتيجة للمناخ الطائفي السائد منذ ثمانينيات القرن الماضي، والذي نتج عن القراءة الطائفية للتاريخ من جانب المسلمين والمسيحيين، والسلوكيات الطائفية للحكومة ذاتها".
الفصل الثاني
المبحث الأول: تحليل ومناقشة
قال الدكتور فتحي الورد: مدير مكتب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
أباح الإسلام زواج الكتابيات؛ ما لم يعرض لهذا الأصل عارض حقيقي يقيده، ولا مستند شرعي لتحرج البعض من ذلك، والمسألة باقية في إطار الإباحة، وليس لأحد أن يضيق على الناس ما وسعه الله.
والأصل فيه قوله تعالى: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أتوا الكتاب من قبلكم} (المائدة: 5).
وقد أورد الإمام الطبري في سبب نزول قوله تعالى: "ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله"، عن قتادة قال: ذكر لنا أن ناسًا من المسلمين قالوا: كيف نتزوج نساءهم -يعني نساء أهل الكتاب - وهم على غير ديننا؟ فأنزل الله عز ذكره: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين} (المائدة: 5). فأحل الله تزويجهن على علم .
وقال جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- فيما رواه البيهقي: "نساؤهم لنا حل ونساؤنا عليهم حرام" .
وعن سعيد بن المسيب والحسن أنهما كانا لا يريان بأسا بنكاح نساء اليهود والنصارى، وقالا: أحله الله على علم .
وقال القرطبي: وقد قال بتحليل نكاح نساء أهل الكتاب من الصحابة والتابعين جماعة، منهم: عثمان وطلحة وابن عباس وجابر وحذيفة ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبر والحسن ومجاهد وطاوس وعكرمة والشعبي والضحاك وفقهاء الأمصار عليه .
ونقل القرطبي عن النحاس قوله: ولا يصح عن أحد من الأولين أنه حرَّم ذلك. أي نكاح نساء أهل الكتاب .
وقد رد الطبري قول من قال خلاف هذا الأصل في الإباحة، واعتبره قولاً لا معنى له؛ لخلافه ما الأمة مجتمعة على تحليله بكتاب الله تعالى وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم .
بل إن الإمام أحمد ذهب إلى أبعد من ذلك، فقد أورد ابن القيم عنه قيل له: "يتزوج الرجل المرأتين من أهل الكتاب؟ فقال: لا بأس به. قيل له: وثلاث؟ قال: وثلاث. قيل له: وأربع؟. قال: وأربع. وذكره عن سعيد بن المسيب" .
المطلب الأول: الذين تزوجوا كتابيات من كبار الصحابة
وقد ذكر البيهقي عددًا من الذين تزوجوا من الصحابة بكتابيات، منهم جابر بن عبد الله، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وحذيفة بن اليمان.
سئل جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن نكاح المسلم اليهوديةَ والنصرانية فقال: تزوجناهن زمن الفتح بالكوفة مع سعد بن أبي وقاص، ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيرًا.
وروي أن عثمان بن عفان نكح ابنة الفرافصة الكلبية وهي نصرانية على نسائه، ثم أسلمت على يديه.
وروي أن طلحة بن عبيد الله نكح امرأة من كلب نصرانية حتى حنفت حين قدمت المدينة.
وروى أن حذيفة بن اليمان نكح يهودية .
رد اعتراض عبد الله بن عمر على نكاح الكتابيات
وقد نقل بعض المفسرين قول ابن عمر في تفسير قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ}: لا أعرف شيئا من الإشراك بالله أعظم من أن تقول النصرانية ربها عيسى أو عبد من عباد الله .
وكان ابن عمر إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال: حرم الله المشركات على المؤمنين، ولا أعرف شيئًا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة: ربها عيسى أو عبد من عباد الله .
وقد أجاب النحاس على هذا فيما نقله القرطبي بأنه: "لا حجة فيه، لأن ابن عمر رحمه الله كان رجلاً متوقفًا، فلما سمع الآيتين -آية سورة البقرة 221 وآية سورة المائدة 5 في واحدةٍ التحليل، وفي أخرى التحريم، ولم يبلغه النسخ توقف، ولم يؤخذ عنه ذكر النسخ، وإنما تُؤُول عليه، وليس يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل .
ووصف النحاس قول ابن عمر بأنه: " قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة، منهم عثمان وطلحة وابن عباس وجابر وحذيفة، ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد، وطاووس وعكرمة والشعبي والضحاك، وفقهاء الأمصار عليه" .
المطلب الثاني: تفسير كراهية عمر بن الخطاب لنكاح الكتابيات
وأما ما ورد عن عمر في نهيه عن زواج الكتابيات؛ فقد كان ذلك معللاً ولمصلحة رآها للمسلمين باعتباره إماما لهم، ولنا أن نفهم ذلك في ضوء ما يلي:
روى البيهقي أن حذيفة رضي الله عنه، تزوج يهودية فكتب إليه عمر رضي الله عنه، أن يفارقها. فقال: إني أخشى أن تدعوا المسلمات وتنكحوا المومسات .
وقد أورد الخبر الإمام الطبري قال: تزوج حذيفة يهودية فكتب إليه عمر: "خل سبيلها" فكتب إليه: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن .
بمثل هذا الحسم والوضوح يقول عمر: "لا أزعم أنها حرام"، ثم يعلل نهيه لحذيفة بأنه يخشى أن يضع المسلمون نطفهم في مواضع خبيثة.
وقد صحح الخبر الشيخ المحقق أحمد شاكر على هامش تفسير الطبري. وذكره أيضًا ابن كثير في تفسيره عن رواية الطبري وقال: "هذا إسناد صحيح" .
وقد علل الطبري كراهية عمر لنكاح الكتابيات لمصلحة بدت له بقوله: "وإنما كره عمر لطلحة وحذيفة رحمة الله عليهما، نكاح اليهودية والنصرانية حذرًا من أن تقتدي بهما الناس في ذلك فيزهدوا في المسلمات أو لغير ذلك من المعاني فأمرهما بتخليتهما" .
كما علل الدكتور يوسف القرضاوي لصنيع عمر بأنه: "خشي أن يتهاونوا ـ المسلمون ـ في شروط الإحصان المذكورة في القرآن ويتزوجوا منهن غير المحصنات ـ أي العفائف ـ كما خشي أمرًا آخر وهو أن يتمادوا في الزواج من الكتابيات ويعزفوا عن المسلمات وفي ذلك فتنة أي فتنة لبنات المسلمين وكساد سوقهن .
كما أن عمر نفسه هو الذي كتب إلى زيد بن وهب كما يروي البيهقي: "أن المسلم ينكح النصرانية، ولا ينكح النصراني المسلمة" .
وصنيع عمر مع حذيفة في ضوء ما سبق ليس تحريمًا للحلال، وإنما تقييد للمباح.
"ومثل هذا التغيير للمصلحة من حق ولي الأمر، وهو تغيير مؤقت ومعلل، ولصحابة كبار يعتبرون أسوة لعامة الناس، ومثل هذا يشرع للإمام العادل أن يلجأ إليه في سياسة الرعية، ولهذا نظائر في فقه عمر، مثل منعه الذبح في بعض أيام الأسبوع ليتوافر اللحم لعامة الناس بقية الأيام" .
المطلب الثالث: ما المقصود بأهل الكتاب؟
وأهل الكتاب الذين نعنيهم في حديثنا هم اليهود والنصارى، وقد نقل البيهقي عن الشافعي قوله: "وأهل الكتاب الذين يحل نكاح حرائرهم أهل الكتابيين المشهورين التوراة والإنجيل وهم اليهود والنصارى من بني إسرائيل" .
وقال ابن الجوزي: "فأما أهل الكتاب فهم اليهود والنصارى" .
ولا عبرة بقول من قال: إن أهل الكتاب اليوم غير أهل الكتاب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فذلك لم يؤيده دليل ولم تقم عليه حجة.
وقد وردت فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء رقم (7122) لتدفع هذا الإشكال عند البعض.
جاء في نص الفتوى: "يجوز الزواج بالحرائر العفيفات من أهل الكتاب دون الكافرات من غير أهل الكتاب، ولا فرق في ذلك بين الكتابيات اليوم والكتابيات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم" .
الفصل الثالث
نتيجة البحث
المبحث الأول: تحريم مؤقت من الزواج باليهودية
وفي ضوء ما سبق نرى أن الأصل في زواج الكتابيات هو الإباحة، لكن هناك شروط وقيود وضعها الفقهاء في القديم والحديث لا بد لمن أراد أن يقدم على الزواج من أهل الكتاب أن يراعيها، وإلا اختلف الحكم، فكما قرر الفقهاء أن المباح مقيد بشرط السلامة، أي سلامة المسلم في دينه وعرضه وذريته وغير ذلك، أما إذا عرض لهذا الأصل عارض قوي وحقيقي وليس متوهمًا، فإن تقييد هذا الأصل المباح حق لولي أمر المسلمين ما دام يرى في ذلك مصلحة حقيقية أو دفع ضرر متوقع، ويكون هذا التقييد مؤقتًا ومرهونًا بسبب يزول بزوال سببه، ومن المقرر فقهًا أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
وبناءً على ما تقدم فإن اليهودية الإسرائيلية اليوم لا تصلح أن تكون زوجة لمسلم؛ لأنها حربية، ويفتى بمنع هذا الزواج، ومن الضوابط في الزواج بالكتابية ألا تكون حربية أو من قوم يناصبون المسلمين العداء.
واليهودية اليوم من قوم قتلوا المسلمين والمسلمات واحتلوا بلادهم، ومثل هذه المرأة بمثابة جاسوس في بيت المسلم، وعين لقومها على عورات المسلمين إن هو فكر في الزواج منها.
بل تعد طعنة في ظهر المجتمع المسلم، وإلى هذا ذهب فريق من المفسرين في حل نساء أهل الكتاب وقالوا:" ذلك معني به نساء أهل الكتاب الذين لهم ذمة وعهد، فأما أهل الحرب فإن نساءهم حرام على المسلمين" .
قال القرطبي: "وأما نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حربًا فلا يحل، وسئل ابن عباس عن ذلك فقال: لا يحل وتلا قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية وهم صاغرون} التوبة: 29" .
وعن مثل هذا التحريم يقول الدكتور القرضاوي: "إنه تحريم غير عام ولا دائم، بل موقوت ومرهون بسببه" .
هل منع زواج المسلم من القبطية اليوم له ما يبرره؟
إذا قلنا بمنع زواج المسلم من اليهودية المحاربة اليوم فهل يجوز أن نمنع زواج المسلم من القبطية في مصر اليوم بسبب بعض الأحداث التي وقعت مؤخرًا عندما أقدم بعض المسلمين على الزواج من قبطيات؟
إذا كان الزواج في حد ذاته هو الذي أوجد حالة الاحتقان بين المسلمين والأقباط فقد يكون للقول بالمنع مبرر ومساغ، ولو كان المنع حلاً للمشكلة لكان هو الرأي الراجح الذي يُنتصر له.
ولكن الأمر أعمق من هذا، والزواج ليس سببًا في هذه الأزمات المفتعلة، وإنما تنشأ المشكلات من تعصب الأهل وإصرارهم على منع زواج ابنتهم من المسلم خوفًا من إشهار إسلامها.
وهذا الاحتقان ظاهرة جديدة على الساحة المصرية، وإباحة زواج الكتابية أمر قديم الزمن الذي نزل فيه الوحي بإباحتهن، ولم نر أو نسمع عن مشكلات بسبب هذا الزواج.
ونخلص من هذا البحث أن الزواج بالكتابية له شروط
يقول الدكتور القرضاوي:
الأصل في الزواج من أهل الكتاب الإباحة، لكن هناك شروط وقيود وضعها الفقهاء في القديم والحديث لا بد لمن أراد أن يقدم على الزواج من أهل الكتاب أن يراعيها، وإلا اختلف الحكم ، فكما قرر الفقهاء أن المباح مقيد بشرط السلامة، أي سلامة المسلم في دينه وعرضه وذريته وغير ذلك، وللحاكم أو من يقوم مقامه أن يقيد المباح، بالإضافة لاختلاف الزمان والمكان ، واختلاف شخصية المرأة وشخصية الرجل في هذا العصر عنه في العصر الماضي، ولا ننس أثر المجتمع ومدي قوته أو ضعفه في تربية النشء والحرص عليه.
مصادر البحث
1- القرآن الكريم
2- تفسير الطبري
3- تفسير القرطبي
4- تفسير ابن كثير
5- السنن الكبرى
6- أحكام أهل الذمة لابن تيمية
7- السياسة الشرعية لابن تيمية
8- زاد المسير
9- موسوعة عبد الوهاب المسيري اليهود واليهودية
10- الردود على المشككين لوزارة الأوقاف
11- قذائف الحق للشيخ الغزالي
12- ندوة إسلام أون لاين
13- مسند أبي شيبة
14- الموسوعة الشاملة
فهرس البحث
المقدمة.................................................2
القائلون المنع...........................................4
القائلون الجواز.........................................4
رفض مسيحي..........................................6
تحليل ومناقشة..........................................7
تفسير عمر بن الخطاب لنكاح أهل الكتاب...............8
ما المقصود بأهل الكتاب................................9
نتيجة البحث............................................9
هل منع زواج المسلم من القبطية اليوم له ما يبرره.....11
مصادر البحث.........................................11
الثلاثاء، 25 مايو 2010
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق