الثلاثاء، 25 مايو 2010
الأخوة شعار.......هجرتنا
الهجرة
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.... أما بعد،،
فإن هجرة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة المنورة لبناء الدولة الإسلامية من أعظم الأحداث في التاريخ الإسلامي، بل هو الحدث الأعظم في تاريخ الأرض بصفة عامة، فيكفي أن دولة الإسلام ولدت فيه وانتقل من بعده المسلمون من حال الاستضعاف إلى أن صارت لهم دولة.
والحق أن دروس الهجرة لا تحصى ولا تعد، ومن الصعب حقيقة أن نحصيها كاملة، ولكن نأخذ منها درسًا لعل الله عز وجل ينير لنا بها الطريق.
ولعل من أبرز النقاط التي يتحدث فيها كثير من الدعاة وكثير من المحللين براعة التخطيط في حادث الهجرة، إلا أننا في هذه السطور سنحاول أن ننطلق معًا من جانب آخر في قصة الهجرة قد يغفله الكثير من الدعاة والمحللين.
وهذا الجانب يتمثل في الحب في الله (الأخوة).
فالأخوة ركيزة أساسية في بناء الجماعة المسلمة كما يقول الراشد: "التسبيح في دقائق الأسحار الغالية والتعامل الأَخوي الإيماني: ركيزتان متلازمتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة، وعينان نضاختان تسكبان، خيرًا للدعاة لا ينضب" .
"إنهما ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة، وتؤدي بهما دورهما الشاق العظيم فإذا انهار واحدة منهما لم تكن هناك جماعة مسلمة، ولم يكن هنالك دور لها تؤديه"
ولا شك أننا في أزمنة عزَّت فيها معاني الأخوة في الله وصار الناس يَتعارفون على المصالح الدنيوية، ويَبْغضون، ويُعطون، ويَمنعون على الدنيا.
ولما كانت محبة المتحابين في الله تعينهم على التعاون على طاعة الله تنقلبُ كل خُلة وكل محبة يوم القيامة إلى عداوةٍ ومشاقة إلا محبة المتحابين في الله، فما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، قال الله تعالى: (الأخلاء بعضهم يومئذ لبعضٍ عدوٌ إلا المتقين) .
لذا وجب على الإخوان أن ترتبط قلوبهم وأرواحهم برباط العقيدة أولاً.
يقول الأستاذ البنا: "وأريد بالأخوة أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها.
والأخوةُ أخو الإيمان، والتفرق أخو الكفر، وأولُ القوةِ قوةُ الوحدة، ولا وحدة بغير حب، وأقل الحب سلامة الصدر، وأعلاه مرتبة الإيثار (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) .
والأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه، لأنه إن لم يكن بهم فلن يكون بغيرهم، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا.. (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) .
وهكذا يجب أن نكون" .
أولاً: الأخوة تضحية:
1) "ومع غاية استعداد قريش لتنفيذ خطتهم فقد فشلوا فشلاً فاحشًا، ففي هذه الساعة الحرجة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: نَمْ على فراشي وتَسَبَّحْ بِبُرْدي هذا الحضرمي الأخضر، فَنَمْ فيه، فإنه لن يَخْلُصَ إليك شيء تكرهه منهم"
وهذا الموقف يدل على قمة الحب في الله، ولو أدى ذلك إلى التضحية بالنفس.
ثانيًا: الأخوة إيثار:
"عن أبي هريرة أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول صلى الله عليه وسلم من يضيِّف هذا الرجل، فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هَيِّئِي طعامَكِ، وأصبِحي سراجَكِ، ونوِمي صبيانَكِ إذا أرادوا عشاءً، فهيأت طعامَها، وأصبَحت سراجَها، ونومَت صبيانَها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ضحك الله الليل من فعلكما، فأنزل الله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة....) ."
شهداء من عالم الحقيقة أم من الخيال:
"عن ابن الأعرابي قال: استشهد باليرموك عكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو بن الحارث بن هشام، وجماعة من بني المغيرة، فأتوا بماء وهم صرعى، فتدافعوا حتى ماتوا ولم يذوقوه، أُتي عكرمة بالماء، فنظر إلى الحارث بن هشام ينظر إليه فقال: ابدءوا به، فنظر سهيل إلى الحارث بن هشام ينظر إليه فقال: ابدءوا بهذا، فماتوا كلهم قبل أن يشربوا، فمر خالد بن الوليد فقال: بنفسي أنتم".
يقول صاحب الظلال: "وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة، ولكنها في طبيعتها أقرب إلى الرؤى الحالمة، وهي قصة وقعت في هذه الأرض ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد والجنان.
وعلى مثل ذلك الإيمان، ومثل هذه الأخوة يقوم منهج الله في الأرض في كل زمان" .
ثالثًا: الأخوة عقد واتحاد:
"الأخوة أساسها الاعتصام بحبل الله -عهده ومنهجه ودينه- وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر، وعلى أي هدف آخر، ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية، قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا....) .
هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى، وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائماً" ،
ويظل هذا الاتحاد يتنامى حتى يكون عقدًا واجب الوفاء، قال ابن تيمية: "حقوق واجبة بنفس الإيمان، والتزامها بمنزلة التزام الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله، وهذه ثابتة لكل مؤمن على كل مؤمن، وإن لم يحصل بينهما عقد مؤاخاة" .
وهكذا فإنه ليس من عمل للداعية المسلم اليوم أثمن من غَدْوَةٍ يهب فيها لدعوته ناشئًا، يغمس نفسه فيؤازره، فيستغلظ، فيستوي على عقد الأخوة، يُعجِب الدعاة ويغيظ به الكفار.
رابعًا: الأخوة في الله حب:
وذلك عندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر وأخبره بالهجرة بكى من شدة الفرح، تقول السيدة عائشة في هذا الشأن: فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ.
فالصديق يعلم أن معنى هذه الصحبة سيكون وحده في رفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأي فوز يتفرد به أبو بكر وحده من دون أهل الأرض، ومن دون الصحب جميعًا، وتظهر معاني الحب جلية في الله في خوف أبي بكر وهو الغار من أن يراهما المشركون خوفًا على رسول الله إذ لو كان خائفًا على نفسه لما رافق رسول الله.
"وانظر إلى حب الأنصار للمهاجرين الذي سَجله الله في القرآن حيث قال: (يحبون من هاجر إليهم) .
آيات تتلى ويُتعبد بها في روعة إعجازها، وبراعة أسلوبها، وسمو منهجها في الهداية لا يمكن أن يبقى معه في حنايا النفس المؤمنة آثار حَزَازَة" .
نعم إنه حب في اللهِ، واللهُ جعله فضيلة لهم ميزهم بها في مقابلة وصف المهاجرين بأنهم أخرجوا من ديارهِم وأموالهِم ابتغاء مرضاة الله، فألف الله بين قلوبهم.
وتنازل أحدهم لأخيه حبًا فيه عن نصف ماله، وعن زوجةٍ، ولكن كرامة المحبين تأبى.
"واعلم أن لكل جارحةٍ من الجوارح آدابًا تختص بحق الأخوة:
فآداب العين: أن ينظر إلى إخوانه نظرةَ مودةَ ومحبة، يعرفها منك هو ومن حضر المجلس، ويكون النظر إلى محاسنه وإلى أحسن شيء يصدر منه، وألا يصرف بصره في وقت إقباله عليه وكلامه معه.
وآداب السمع: أن يستمع إلى حديثه سماع المشتهي لما يسمع، المتلذذ بكلامه، ولا تقطع حديثه بسبب من الأسباب، فإذا اضطرك الوقت إلى ذلك فأظهر له عذرك.
وآداب اللسان: أن تكلم إخوانك بما يحبون، وتسقط من كلامك ما تعلم أنه يكرهه من حديث أو لفظ، ولا ترفع عليه صوتك ولا تخاطبه بما لا يفهم، وكلمه بمقدار ما يفهم ويعلم.
وآداب اليدين: أن يكونا مبسوطتين لإخوانه بالمعونة ولا تقبضهما عنهم.
وآداب الرجلين: أن يُماشي إخوانه ولا يتقدمهم، ولا يقعد عن حقوقهم يقول الفضيل بن عياض: "ترك قضاء حقوق الإخوان مذلة" .
مواقف أغرب من الخيال :
• قال محمد بن مناذر: كنت أمشي مع الخليل بن أحمد فانقطع شِسْعى، فخلع نعله فقلت: ما تصنع؟ قال أواسيك في الحفاء.
• خرج إبراهيم بن أدهم في سفر ومعه ثلاثة نفر، فدخلوا مسجدًا في الصحراء والبرد شديد، وليس للمسجد بابٌ، فلما ناموا قام إبراهيم فوقف على الباب إلى الصباح فقيل: لِمَ لَمْ تَنَمْ؟ فقال: خشيت أن يصيبكم البرد فقمت مقام الباب".
• قال محارب بن دثار: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لقد أحببت في الله ألْفَ أخٍ كلهم أعرف اسمه واسم أبيه واسم قبيلته، وأعرف مكان داره.
قال محارب: "أعرف مكان داره" علمت أنه كان يزورهم ويأتيهم.
• كان أبو الدرداء يقول: إني لأدعو لسبعين من إخواني في سجودي أسمهيم بأسمائهم، وقال القاضي محمد بن محمد بن إدريس الشافعي: قال لي أحمد بن حنبل: أبوك أحد الستة الذين أدعو لهم في السحر.
فلا تَنْس إخوانك الأحياء والأموات في دعائك بظهر الغيب
عام هجري جديد
إذا طلب منك أن تعقد عقدًا مع أخٍ لك في الله فمن سيكون؟
...........................................................................
هل تعرف ما هي حقوقه عليك؟
...........................................................................
هل تقوم بها؟
نعم، كيف؟................................................................
لا، لماذا؟................................................................
ما الذي ستهجره في مناسبة الهجرة؟..................... وكيف؟
...........................................................................
لمن تدعو في صلاتك كل يوم؟ وكم مرة؟
...........................................................................
ماذا تريد أن تقدم لدعوتك في هذا العام الجديد؟
...........................................................................
ما الذي يؤثر فيك من أحداث الهجرة؟
...........................................................................
ما الذي تستطيع فعله من أحداث الهجرة؟
...........................................................................
لا تستهن بالإجابة على هذه الأسئلة،
فإن الإجابة عليها بالورقة والقلم يحدد ما تريد،
ويؤثر في النفس، وعدم فعله بعد تحديده يشعرك بالمعاتبة.
عــــاشــــــوراء
إن الإنسان يعيش في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، وكثرت فيه الفتن والشبهات، وأصبح الإنسان المكروب في كل هذه الفتن في أمس الحاجة إلى حبل يربطه بخالقه جل وعلا، وفي أمس الحاجة إلى صلة تسكب في قلبه الأمن والإيمان، والراحة والسكينة، والهدوء والاطمئنان، وأن يتوقف طويلاً طويلاً ليلتقط أنفاسه؛ ليترك كل هذه الفتن وكل هذه الأهواء، وكل هذا العالم الذي يتخبط ويتلاطم في الصراعات والخلافات؛ ليقف لحظة مع نفسه بين يدي الله جل وعلا، فيخشع قلبه، ويقشعر جلده، وتبكي وتدمع عينه، وبعدها يحس براحة لا يمكن على الإطلاق أن تعبر عنها كل الكلمات التي وردت في قواميس اللغة، لهذا كان حتمًا ولابد أن نجعل من تراثنا وماضينا الإسلامي ما يجدد إيماننا ويبعث الصفو بعد الكدر والحماسة بعد الفتور، وها نحن نمر في شهر الله المحرم أول شهر في العام الهجري بأول المناسبات "عاشوراء".
لم سمي بعاشوراء:
عاشوراء لاشتقاقه من العشر الذي هو اسم للعدد المعين مأخوذ من العشر الذي هو اسم الفعل (العاشر من المحرم)
متى شرع صومه:
أول ما شرع الصوم بعد الهجرة في يوم عاشوراء فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قدم النبي المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال ما هذا قالوا هذا يوم صالح هذا يوم نجي الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى قال: فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه رواه مسلم والبخاري
قوله "فصامه" أي النبي ليس معناه أنه صامه ابتداء لأنه قد علم في حديث آخر أنه كان يصومه قبل قدومه المدينة فعلى هذا معناه أنه ثبت على صيامه وداوم على ما كان عليه
حكم صومه:
اتفق العلماء على أن صوم يوم عاشوراء سنة وليس بواجب واختلفوا في حكمه أول الإسلام فقال أبو حنيفة كان واجبا واختلف أصحاب الشافعي على وجهين أشهرهما أنه لم يزل سنة من حين شرع ولم يك واجبا قط في هذه الأمة ولكنه كان يتأكد الاستحباب فلما نزل صوم رمضان صار مستحبا دون ذلك الاستحباب والثاني كان واجبا كقول أبي حنيفة وحصل الإجماع على أنه ليس بفرض إنما هو مستحب، وفي عون المعبود للعظيم آبادي - (7 / 77) "قال بعض العلماء:
ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه باليهود في إفراد العاشر وأن يضم إليه يوما آخر ليكون هديه مخالفا لأهل الكتاب، ويستحب أن يصوم قبله يوما أو بعده يوما فإن أفرده فهو مكروه للتشبه باليهود"أما حديث ابن عباس: "صوموا يوم عاشوراء و خالفوا فيه اليهود صوموا قبله يوما و بعده يوما"رواه أحمد والبيهقي في تحقيق الألباني (ضعيف) انظر حديث رقم: 3506 في ضعيف الجامع، فيكون الأكمل صوم التاسع والعاشر فقط.
فضل صومه:
عن أبي قتادة أن النبي قال: في صيام يوم عاشوراء" إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" رواه مسلم وفي رواية مسلم أيضا ذكر عند رسول الله عاشوراء فقال "كان يوم يصومه أهل الجاهلية فمن شاء صامه ومن شاء تركه"والجاهلية إنما هي قبل البعثة، وكان ابن عمر لا يصوم إلا أن يوافق صيامه وهذا كله يدل على الاختيار في صومه
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: ما رأيت النبي يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء وهذا الشهر يعني شهر رمضان أخرجه مسلم، قوله "يتحرى" من التحري وهو المبالغة في طلب الشيء، وقال الكرماني قالوا سبب تخصيصهما أن رمضان فريضة وعاشوراء كان أولا فريضة.
البدع فيه:
1- ما ورد في صلاة ليلة عاشوراء ويوم عاشوراء وفي فضل الكحل يوم عاشوراء لا يصح ومن ذلك حديث جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رفعه "من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبدا" وهو حديث موضوع وضعه قتلة الحسين رضي الله تعالى عنه، وقال الإمام أحمد والاكتحال يوم عاشوراء لم يرو عن رسول الله فيه أثر وهو بدعة.
2- ما ورد فيه من التوسعة على العيال وتعظيم اليوم بأكل مخصوص وهو ما ابتدعه الفاطميون من أكل "العشورة-البليلة"يوم عاشوراء وأكل الحلاوة في مولد النبي"الحصان والعروسة للصغار والحلاوة للكبار" وأكل الكحك في عيد الفطر حتى تتحول المناسبة من مخاطبة العقل والوجدان وهو الأصل إلى مخاطبة البطن، ومعها تنام الفكرة وتتوه العبرة ، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من وسع على أهله في يوم عاشوراء وسع الله عليه سنته كلها" يقول المنذري: إن سنده ضعيف وقال البيهقي: أسانيده كلها ضعيفة، وقال ابن رجب في اللطائف: لا يصح إسناده وفي تحقيق الألباني (ضعيف) انظر حديث رقم: 5873 في ضعيف الجامع.
الدروس المستفادة:
1- ما كان النبي تاركا الصوم في عاشوراء لتعظيم اليهود إياه، لأنهم كانوا يصومون شكرا لله، ولا يعني سؤال النبي صلى الله عليه وسلم اليهود عن صوم يوم عاشوراء أنه صامه تبعاً لهم، لا ، فصوم يوم عاشوراء كان معلومًا عند العرب قبل الإسلام، كانوا يصومونه ويجددون فيه كسوة الكعبة، فكان معلومًا لديهم، ولكن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لليهود -وهم أهل كتاب- ليعلم ما هو السبب عندهم، فذكروا له نجاة موسى من فرعون، فبين لهم أنه أحق بموسى منهم فصامه.
2- أنه كما يفرح بنجاة الصالحين ونصرة الدين كذلك يجوز الفرح بموت الفراعين والظالمين"غرق فرعون" فيوم نجى الله فيه موسى من فرعون يوم مبارك ومناسبة سعيدة ففيه نصرة الحق على الباطل، فحينما تتجدد للمسلمين نعمة كهذه فإنها تستحق الشكر، ويغبط الإنسان فيها، فمن شكرها أن تقدم للمولى سبحانه طاعة، لا أن تجعلها يوم لهو ولعب، وتخرج عن الآداب الإسلامية.
وقد ذكر ابن هشام في السيرة: أن النجاشي لما هاجر إليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من أمرهم ما كان، وأعطاهم الأمان والحرية في بلاده، فإذا في يوم من الأيام يستدعيهم، فخافوا ما الذي حصل؟! فلما دخلوا الديوان أذن لهم في الدخول عليه في المجلس الخاص الذي هو فيه، فلما دخل أصحاب رسول الله على النجاشي، وكانوا يظنونه في الهيئة والهيبة والسلطة والسلطان؛ فهو ملك، فإذا بهم يجدونه جالساً على التراب، لابساً المسوح، والمسوح نوع من اللباس خشن يتخذه بعض العباد للعبادة، ابتعاداً عن ترف القطن والكتان والحرير المحرم، زيادة في الخشوع والخضوع بين يدي الله، ورأوه حاسرًا رأسه، فلما رءوا هذا المنظر ظنوا أن الملك قد وقعت به مصيبة، فقال: أتدرون لم دعوتكم؟! قالوا: لا -والله- عجِّل، لماذا دعوتنا؟ قال: في هذا اليوم أتاني خبر بأن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم قد لقي عدوه من المشركين في أرض يقال لها: بدر، كثيرة الأراك، ترعى فيها الإبل، ونصره الله على عدوه، وقد جاء عن عيسى عليه السلام أنه قال: إن الله يحب من عبده إذا أنعم عليه نعمة أن يظهر منه التواضع، فلهذا تجدونني على ما أنا عليه على تراب بدون فراش، وفي مسوح لا في لباس الملك، حاسر الرأس لا ألبس عمامة، فمظاهر الذلة والخضوع إلى الله كلها تجمعت فيه.
وهكذا: إذا تجددت للمسلمين نعمة فيها نصر الحق على الباطل، كنعمة نجاة موسى من فرعون، وقد يقول إنسان: لقد تجددت النعم في الإسلام زمن رسول الله، فهذا يوم بدر يوم الفرقان، جعله الله فتحًا، وجعله الله فرقانًا بين الحق والباطل، فإذا كان الأمر كذلك فهل الرسول صام يوم بدر؟ نقول: لا، هذه أمور يتوقف فيها على الشرع، إثباتًا أو نفيًا، فهو مقدم على كل رأي، وما لم يكن فيه نص، ولم يكن فيه أمر أو نهي، وكان مجرد تجدد نعمة؛ فإن على الإنسان أن يشكر الله على هذه النعمة بالقيام بطاعة لله، لا كما نجعل بعض المناسبات أعيادًا بلعب وبطرب وبلهو!! لا، ليس هذا من باب التعبير عن شكر النعمة، بل التعبير الحقيقي عن شكر النعمة وشكر المنعم سبحانه هو أن نذل إليه، ونخضع بنوع من أنواع العبادات التي يحبها، والتي قد شرعها.
3- مخالفة غير المسلمين لتتميز الأمة المسلمة كما تميزت في قبلتها وأعيادها وسائر شعائرها وشرائعها يقول ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم:"يوضح ذلك أن كل ما جاء من التشبه بهم إنما كان في صدر الهجرة ثم نسخ ذلك لأن اليهود إذ ذاك كانوا لا يميزون عن المسلمين لا في شعور ولا في لباس لا بعلامة ولا غيرها، ثم إنه ثبت بعد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع الذي كمل ظهوره في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما شرعه الله من مخالفة الكافرين ومفارقتهم في الشعار والهدى وسبب ذلك أن المخالفة لهم لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوه "أما إذا كان هناك إيذء بالمسلمين وقت الاستضعاف جاز التشبه بهم وترك هدي الإسلام الظاهر لما فيه مصلحة بالإسلام والمسلمين يقول" فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم يشرع المخالفة لهم فلما كمل الدين وظهر وعلا شرع ذلك ومثل ذلك اليوم لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة".
4- أن يتعرف الصغار على المناسبات الإسلامية بل وتعويدهم على العبادات من الصلاة والصوم وغيرها وأن يكون لهذا مظهرا في البيت.
فعن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائما فليتم صومه ومن كان أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه فكنا بعد ذلك نصومه ونصوم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناهم إياه عند الإفطار
قال النووي في شرح مسلم:هَذَا الْحَدِيث تَمْرِينُ الصِّبْيَان عَلَى الطَّاعَات، وَتَعْوِيدُهُمْ الْعِبَادَاتِ، وَلَكِنَّهُمْ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ.
لا إفراد ليوم السبت
عن عبد الله بن بسر السلمي عن أخته الصماء أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجرة وفي لفظ إلا عود عنب أو لحاء شجرة فليمضغه" رواه أهل السنن الأربعة وقال الترمذي هذا حديث حسن وفي تحقيق الألباني (صحيح) انظر حديث رقم: 7358 في صحيح الجامع.
قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم:"وعلى هذا فيكون قوله لا تصوموا يوم السبت أي لا تقصدوا صيامه بعينه إلا في الفرض فإن الرجل يقصد صومه بعينه بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت فإنه يصومه وحده، وأيضا فقصده بعينه في الفرض لا يكره بخلاف قصده بعينه في النفل، فإنه يكره ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه أو موافقته عادة فالمزيل للكراهة في الفرض مجرد كونه فرضا لا للمقارنة بينه وبين غيره، وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه أو موافقته عادة ونحو ذلك .....ثم قال: وعلل ذلك بأنهم"اليهود" يتركون فيه العمل، والصوم مظنة ذلك فإنه إذا صام السبت والأحد زال الإفراد المكروه وحصلت المخالفة بصوم يوم فطرهم".
لذا ينبغي صوم التاسع من المحرم "يوم السبت" والعاشر عاشوراء"يوم الأحد" وعدم الاكتفاء بالتاسع لأمرين:
1- لقول النبي صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" رواه مسلم.
2- للنهي الوارد في الحديث على عدم إفراد صوم يوم السبت.
أسأل الله أن يقبل هذا الجهد القليل وأن ينفع به سائر المسلمين إنه ولي ذلك والقادر عليه أخوكم: محمد الباشا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
لم سمي بعاشوراء:
عاشوراء لاشتقاقه من العشر الذي هو اسم للعدد المعين مأخوذ من العشر الذي هو اسم الفعل (العاشر من المحرم)
متى شرع صومه:
أول ما شرع الصوم بعد الهجرة في يوم عاشوراء فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قدم النبي المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال ما هذا قالوا هذا يوم صالح هذا يوم نجي الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى قال: فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه رواه مسلم والبخاري
قوله "فصامه" أي النبي ليس معناه أنه صامه ابتداء لأنه قد علم في حديث آخر أنه كان يصومه قبل قدومه المدينة فعلى هذا معناه أنه ثبت على صيامه وداوم على ما كان عليه
حكم صومه:
اتفق العلماء على أن صوم يوم عاشوراء سنة وليس بواجب واختلفوا في حكمه أول الإسلام فقال أبو حنيفة كان واجبا واختلف أصحاب الشافعي على وجهين أشهرهما أنه لم يزل سنة من حين شرع ولم يك واجبا قط في هذه الأمة ولكنه كان يتأكد الاستحباب فلما نزل صوم رمضان صار مستحبا دون ذلك الاستحباب والثاني كان واجبا كقول أبي حنيفة وحصل الإجماع على أنه ليس بفرض إنما هو مستحب، وفي عون المعبود للعظيم آبادي - (7 / 77) "قال بعض العلماء:
ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه باليهود في إفراد العاشر وأن يضم إليه يوما آخر ليكون هديه مخالفا لأهل الكتاب، ويستحب أن يصوم قبله يوما أو بعده يوما فإن أفرده فهو مكروه للتشبه باليهود"أما حديث ابن عباس: "صوموا يوم عاشوراء و خالفوا فيه اليهود صوموا قبله يوما و بعده يوما"رواه أحمد والبيهقي في تحقيق الألباني (ضعيف) انظر حديث رقم: 3506 في ضعيف الجامع، فيكون الأكمل صوم التاسع والعاشر فقط.
فضل صومه:
عن أبي قتادة أن النبي قال: في صيام يوم عاشوراء" إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" رواه مسلم وفي رواية مسلم أيضا ذكر عند رسول الله عاشوراء فقال "كان يوم يصومه أهل الجاهلية فمن شاء صامه ومن شاء تركه"والجاهلية إنما هي قبل البعثة، وكان ابن عمر لا يصوم إلا أن يوافق صيامه وهذا كله يدل على الاختيار في صومه
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: ما رأيت النبي يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء وهذا الشهر يعني شهر رمضان أخرجه مسلم، قوله "يتحرى" من التحري وهو المبالغة في طلب الشيء، وقال الكرماني قالوا سبب تخصيصهما أن رمضان فريضة وعاشوراء كان أولا فريضة.
البدع فيه:
1- ما ورد في صلاة ليلة عاشوراء ويوم عاشوراء وفي فضل الكحل يوم عاشوراء لا يصح ومن ذلك حديث جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رفعه "من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبدا" وهو حديث موضوع وضعه قتلة الحسين رضي الله تعالى عنه، وقال الإمام أحمد والاكتحال يوم عاشوراء لم يرو عن رسول الله فيه أثر وهو بدعة.
2- ما ورد فيه من التوسعة على العيال وتعظيم اليوم بأكل مخصوص وهو ما ابتدعه الفاطميون من أكل "العشورة-البليلة"يوم عاشوراء وأكل الحلاوة في مولد النبي"الحصان والعروسة للصغار والحلاوة للكبار" وأكل الكحك في عيد الفطر حتى تتحول المناسبة من مخاطبة العقل والوجدان وهو الأصل إلى مخاطبة البطن، ومعها تنام الفكرة وتتوه العبرة ، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من وسع على أهله في يوم عاشوراء وسع الله عليه سنته كلها" يقول المنذري: إن سنده ضعيف وقال البيهقي: أسانيده كلها ضعيفة، وقال ابن رجب في اللطائف: لا يصح إسناده وفي تحقيق الألباني (ضعيف) انظر حديث رقم: 5873 في ضعيف الجامع.
الدروس المستفادة:
1- ما كان النبي تاركا الصوم في عاشوراء لتعظيم اليهود إياه، لأنهم كانوا يصومون شكرا لله، ولا يعني سؤال النبي صلى الله عليه وسلم اليهود عن صوم يوم عاشوراء أنه صامه تبعاً لهم، لا ، فصوم يوم عاشوراء كان معلومًا عند العرب قبل الإسلام، كانوا يصومونه ويجددون فيه كسوة الكعبة، فكان معلومًا لديهم، ولكن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لليهود -وهم أهل كتاب- ليعلم ما هو السبب عندهم، فذكروا له نجاة موسى من فرعون، فبين لهم أنه أحق بموسى منهم فصامه.
2- أنه كما يفرح بنجاة الصالحين ونصرة الدين كذلك يجوز الفرح بموت الفراعين والظالمين"غرق فرعون" فيوم نجى الله فيه موسى من فرعون يوم مبارك ومناسبة سعيدة ففيه نصرة الحق على الباطل، فحينما تتجدد للمسلمين نعمة كهذه فإنها تستحق الشكر، ويغبط الإنسان فيها، فمن شكرها أن تقدم للمولى سبحانه طاعة، لا أن تجعلها يوم لهو ولعب، وتخرج عن الآداب الإسلامية.
وقد ذكر ابن هشام في السيرة: أن النجاشي لما هاجر إليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من أمرهم ما كان، وأعطاهم الأمان والحرية في بلاده، فإذا في يوم من الأيام يستدعيهم، فخافوا ما الذي حصل؟! فلما دخلوا الديوان أذن لهم في الدخول عليه في المجلس الخاص الذي هو فيه، فلما دخل أصحاب رسول الله على النجاشي، وكانوا يظنونه في الهيئة والهيبة والسلطة والسلطان؛ فهو ملك، فإذا بهم يجدونه جالساً على التراب، لابساً المسوح، والمسوح نوع من اللباس خشن يتخذه بعض العباد للعبادة، ابتعاداً عن ترف القطن والكتان والحرير المحرم، زيادة في الخشوع والخضوع بين يدي الله، ورأوه حاسرًا رأسه، فلما رءوا هذا المنظر ظنوا أن الملك قد وقعت به مصيبة، فقال: أتدرون لم دعوتكم؟! قالوا: لا -والله- عجِّل، لماذا دعوتنا؟ قال: في هذا اليوم أتاني خبر بأن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم قد لقي عدوه من المشركين في أرض يقال لها: بدر، كثيرة الأراك، ترعى فيها الإبل، ونصره الله على عدوه، وقد جاء عن عيسى عليه السلام أنه قال: إن الله يحب من عبده إذا أنعم عليه نعمة أن يظهر منه التواضع، فلهذا تجدونني على ما أنا عليه على تراب بدون فراش، وفي مسوح لا في لباس الملك، حاسر الرأس لا ألبس عمامة، فمظاهر الذلة والخضوع إلى الله كلها تجمعت فيه.
وهكذا: إذا تجددت للمسلمين نعمة فيها نصر الحق على الباطل، كنعمة نجاة موسى من فرعون، وقد يقول إنسان: لقد تجددت النعم في الإسلام زمن رسول الله، فهذا يوم بدر يوم الفرقان، جعله الله فتحًا، وجعله الله فرقانًا بين الحق والباطل، فإذا كان الأمر كذلك فهل الرسول صام يوم بدر؟ نقول: لا، هذه أمور يتوقف فيها على الشرع، إثباتًا أو نفيًا، فهو مقدم على كل رأي، وما لم يكن فيه نص، ولم يكن فيه أمر أو نهي، وكان مجرد تجدد نعمة؛ فإن على الإنسان أن يشكر الله على هذه النعمة بالقيام بطاعة لله، لا كما نجعل بعض المناسبات أعيادًا بلعب وبطرب وبلهو!! لا، ليس هذا من باب التعبير عن شكر النعمة، بل التعبير الحقيقي عن شكر النعمة وشكر المنعم سبحانه هو أن نذل إليه، ونخضع بنوع من أنواع العبادات التي يحبها، والتي قد شرعها.
3- مخالفة غير المسلمين لتتميز الأمة المسلمة كما تميزت في قبلتها وأعيادها وسائر شعائرها وشرائعها يقول ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم:"يوضح ذلك أن كل ما جاء من التشبه بهم إنما كان في صدر الهجرة ثم نسخ ذلك لأن اليهود إذ ذاك كانوا لا يميزون عن المسلمين لا في شعور ولا في لباس لا بعلامة ولا غيرها، ثم إنه ثبت بعد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع الذي كمل ظهوره في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما شرعه الله من مخالفة الكافرين ومفارقتهم في الشعار والهدى وسبب ذلك أن المخالفة لهم لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوه "أما إذا كان هناك إيذء بالمسلمين وقت الاستضعاف جاز التشبه بهم وترك هدي الإسلام الظاهر لما فيه مصلحة بالإسلام والمسلمين يقول" فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم يشرع المخالفة لهم فلما كمل الدين وظهر وعلا شرع ذلك ومثل ذلك اليوم لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة".
4- أن يتعرف الصغار على المناسبات الإسلامية بل وتعويدهم على العبادات من الصلاة والصوم وغيرها وأن يكون لهذا مظهرا في البيت.
فعن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائما فليتم صومه ومن كان أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه فكنا بعد ذلك نصومه ونصوم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناهم إياه عند الإفطار
قال النووي في شرح مسلم:هَذَا الْحَدِيث تَمْرِينُ الصِّبْيَان عَلَى الطَّاعَات، وَتَعْوِيدُهُمْ الْعِبَادَاتِ، وَلَكِنَّهُمْ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ.
لا إفراد ليوم السبت
عن عبد الله بن بسر السلمي عن أخته الصماء أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجرة وفي لفظ إلا عود عنب أو لحاء شجرة فليمضغه" رواه أهل السنن الأربعة وقال الترمذي هذا حديث حسن وفي تحقيق الألباني (صحيح) انظر حديث رقم: 7358 في صحيح الجامع.
قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم:"وعلى هذا فيكون قوله لا تصوموا يوم السبت أي لا تقصدوا صيامه بعينه إلا في الفرض فإن الرجل يقصد صومه بعينه بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت فإنه يصومه وحده، وأيضا فقصده بعينه في الفرض لا يكره بخلاف قصده بعينه في النفل، فإنه يكره ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه أو موافقته عادة فالمزيل للكراهة في الفرض مجرد كونه فرضا لا للمقارنة بينه وبين غيره، وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه أو موافقته عادة ونحو ذلك .....ثم قال: وعلل ذلك بأنهم"اليهود" يتركون فيه العمل، والصوم مظنة ذلك فإنه إذا صام السبت والأحد زال الإفراد المكروه وحصلت المخالفة بصوم يوم فطرهم".
لذا ينبغي صوم التاسع من المحرم "يوم السبت" والعاشر عاشوراء"يوم الأحد" وعدم الاكتفاء بالتاسع لأمرين:
1- لقول النبي صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" رواه مسلم.
2- للنهي الوارد في الحديث على عدم إفراد صوم يوم السبت.
أسأل الله أن يقبل هذا الجهد القليل وأن ينفع به سائر المسلمين إنه ولي ذلك والقادر عليه أخوكم: محمد الباشا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
نحو مِيتة شريفة!
مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رَاكِبٍ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا»"مسند أحمد قال: نام وقت الظهيرة".
هكذا أخبرنا الحبيب -صلى الله عليه وسلم- عن الدنيا وما فيها، وقدرها في ميزان الآخرة.
إنها لحظات معدودات على طريق رحلتنا.
وينصحنا -صلى الله عليه وسلم- ألا ننشغل بلحظات القيلولة الدنيوية، وننسى كيف سنكمل مشوار رحلتنا إلى النهاية، وما وراءها من مصير وخلود، فنعيش دوماً مترقبين النهاية.
(إن الذي يعيش مترقباً النهاية يعيش مُعِدّاً لها؛ فإن كان معداً لها، عاش راضياً بها؛ فإن عاش راضياً بها، كان عمره في حاضر مستمر، كأنه في ساعة واحدة يشهد أولها ويحس آخرها، فلا يستطيع الزمن أن ينغص عليه ما دام ينقاد معه وينسجم فيه، غير محاول في الليل أن يبعد الصبح، ولا في الصبح أن يبعد الليل)"من وحي القلم مصطفى صادق الرافعي".
إنها آخر المطاف.....إنها النهاية المجهولة المعلومة!
فهي النهاية المجهولة؛ لأننا لا نستطيع ولا نملك إجابات شافيات لهذه التساؤلات الحائرات عنها: متى؟ وأين؟ ثم ـ وهو الأخطر ـ: كيف؟
لأن هذه التساؤلات علمها عند الله ـ سبحانه ـ ولأنها من الغيبيات الخمس:
{إنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34].
{أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} [النساء: 78].
وهي النهاية المعلومة؛ لأننا أُخْبِرْنا أن هنالك مَلَكاً سيقبض أرواحنا، ثم نُبعث فيجازينا ـ سبحانه ـ على أعمالنا، هكذا عَلِمْنا وقُدِّرَ لنا، ولا مناص.
{قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة: 11].
{قُلْ إنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}[الجمعة: 8] .
- وقفة مع النفس:
لهذا علينا أن نجتهد، في وقفة مراجعة مع النفس، ويكون شغلنا الشاغل وهمنا هو إجابة جادة على هذين السؤالين:
الأول: كيف سيكون مشهد نهايتي؟
قال -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجنَّةِ وَإنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخوَاتِيمِ»"رواه البخاري".
فلا نكن بغفلتنا من الذين استغربهم سلمان ـ وقيل أبو الدرداء ـ رضي الله عنهما ـ فقال:
«ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني:
1 ـ مؤمِّلُ الدنيا والموت يطلبه. 2 ـ وغافلٌ وليس يُغفَل عنه.
3 ـ وضاحكٌ ملءَ فيه ولا يدري: أساخطٌ رب العالمين عليه، أم راضٍ؟
وثلاث أحزنتني حتى أبكتني:
1 ـ فراق الأحبة: محمد وحزبه. 2 ـ وهول المطلع.
3 ـ والوقوف بين يدي الله ـ عز وجل ـ ولا أدري: أإلى الجنة يُؤْمَر بي، أم إلى النار؟!»"كتاب الزهد لابن المبارك".
الثاني: وهل لي من دور في صياغة هذا المشهد؟
ونجد أن هنالك رؤية قرآنية تطمئننا أن أي تغيير ممكن، بعد الاعتماد عليه سبحانه.
فنجد هذا البيان: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11].
وهو دعوة إلى الإيجابية والعمل؛ لأن أصل كل التحولات والتغيرات ينبع من النفس ومن القناعة الداخلية بضرورة التغيير، ومسؤولية كل فرد في صياغة حياته ومستقبله.
ثم نجد الأمل الوضّاء؛ في وعده ـ سبحانه ـ بالتوفيق والسداد لكل من يحاول ويجاهد: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].
إذن! حسن الخاتمة، والنجاة تكون في محاولة إجادتنا لفن إحسان خاتمتنا، فنكمل ما تبقى من رحلتنا، مرتكزين على دعامتين هما جناحي العبادة؛ وهما: الخوف، والرجاء.
{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90].
- رباعية ... وخماسية:
نسرع إلى رحلة التغيير والنجاة، رغباً في حسن الخاتمة، وفي الفوز بالجنة، ورهباً من سوء الخاتمة ومن النار.
ونبدأ بالنظر إلى رحلتنا، بمنهجية علمية، من زاويتين:
الأولى: هي نظرة الجاهل بنهايته ومصيره، والذي لا يأمن مكره ـ سبحانه ـ فيلهب ظهره سوط الرهبة والخوف والخشية الدائمة من سوء الخاتمة.
والثانية: هي نظرة العالم يقيناً بما سيحدث له، وذلك على منهجية رباعية المراحل:
1 ـ يستشعر مسؤوليته الفردية عن نهايته {وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } [الجاثية: 22].
2ـ فيسرع إلى العِلْم، ويسأل ليفقه ويبحث في عوامل حسن الخاتمة.
3 ـ ثم يبادر إلى العمل، فيفعل ما يوجب حسن الخاتمة.
4 ـ ثم يلجأ إلى سلاح الدعاء، فيسأل الحق ـ سبحانه ـ ويتضرع إليه في كل سكناته؛ أن يمن عليه ويوفقه ويثبته في اجتهاده من أجل حسن الخاتمة.
فتملؤنا الرغبة والرجاء في رحمته سبحانه؛ وكما سترنا في الأولى فلن يفضحنا في الأخرى.
بهذا (النظر الذي وراءه التذكر، الذي وراءه التقوى، التي وراءها الله، هذا وحده هو القوة التي تتناول شهوات الدنيا فتصفيها أربع مرات حتى تعود بها إلى حقائقها الترابية الصغيرة التي آخرها القبر، وآخر وجودها التلاشي)"وحي القلم".
وكما كان النظر بمنهجية علمية؛ فكذلك نبدأ السير العملي بمنهجية عملية خماسية الخطوات، حتى يوفقنا ـ سبحانه ـ إلى الوصول إلى محطة حسن الخاتمة بسلام.
فماذا عن هذه الخطوات الخمس المنهجية العملية؟
الخطوة الأولى: ما المصير؟
ونبدأ أول خطوة على طريق رحلة النجاة وحسن الخاتمة.
فنقف ونسأل أنفسنا: ما هو مصيرنا بعد الخاتمة؟
فنجد الإجابة الربانية القرآنية الصريحة؛ أن الخلود بعد هذه الخاتمة سيكون أحد مصيرين: إما إلى جنة، أو إلى نار؛ والعياذ بالله.
{يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلاَّ بِإذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 105 - 108].
إذن! فهنالك فريقان... وموتتان، وأثران، ومصيران.
فكم هو بعيد ذلك الفارق بين فريق وفريق، وسمات وسمات، وفكر وفكر، وسلوك وسلوك، ونهاية ونهاية، وأثر وأثر، ثم مصير ومصير!
لأنه: {لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} [الحشر: 20].
فكيف لو تدبرنا أحوال كل فريق؛ فنتأمل سماته، وأفكاره، وسلوكياته، ونهايته، ثم مصيره؛ وذلك لنعلم الفارق.
الخطوة الثانية: من هم الأشقياء؟
ثم تأتي الخطوة الثانية؛ فنتدبر أحوال الأشقياء الخاسرين، فنتبرأ منهم، ونبغضهم، وننتهي عن سلوكياتهم، ونستعيذه ـ سبحانه ـ من مصيرهم.
وإذا أخذنا مثالاً لهذا الفريق؛ وهم قوم فرعون.
فماذا نجد لو تدبرنا سماته، وأفكاره ، وسلوكياته، ونهايته، ثم مصيره؟
ونفاجأ أن مفتاح شخصيتهم، بل وسمتهم العامة هي السلبية:
1 ـ لهم عقلية العوام؛ أي أنهم كانوا بلا قضية يعيشون لها، فعاشوا على هامش الحياة غافلين.
{ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } [الأعراف : 179]
2 ـ لهم طبيعة القطيع؛ غثائيون؛ تحركهم أيدي غيرهم.{فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود:97].
3 ـ كانت حالتهم الأخلاقية متدنية؛ كانوا فاسقين، فكان ذلك سبباً رئيساً لأن يُستَخَفَّ بهم، ولا يحملوا أهلية الاحترام من قيادتهم الفرعونية، ورغم هذا فإنهم يطيعونها قهراً وإرغاماً: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54].
4 ـ لهم نفسية العبيد؛ أي القابلية للذل.
لهذا كان حاكمهم مستبد وظالم يرى نفسه فوق النصيحة: {قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51].
ثم يرى سلبيتهم فيطغى، ويرى أن رأيه هو الرأي؛ ويحمل المذهب الاستئصالي للآخر: {مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29].
بل ـ والعياذ بالله ـ نراه قد تمادى في تكبره فتجرأ ـ وذلك لكفره ولغيبة أو لتغييب المعارضة ـ حتى بلغ به الشطط كل مبلغ، فقال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات: 24].
ونظراً لقناعته وتبنيه للمذهب الإقصائي للآخر؛ فإنه لا يحترم الآخر، ولا يقر بالتعددية، وتصوره للآخر تصور شائه: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ}.[الزخرف: 52 - 53].
5 ـ وكانت نتيجة هذا المناخ المريض الفاسد، أو المحصلة النهائية، هي تحقق سنته الإلهية ـ سبحانه ـ وهي النجاة للمؤمنين، وهلاك الظالمين؛ سواء في ذلك الحاكم والمحكومون من قومه، وغرق فرعون وملؤه.
ولأنهم ألغوا عقولهم، ففقدوا حريتهم، وفقدوا اختياراتهم؛ وكما اتبعوه في الحياة الدنيا؛ كان جزاؤهم من جنس ما صنعوا ورضوا بالهوان، فكان قائدهم في الخاتمة {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} [هود: 98 - 99].
6 ـ لم يتركوا أثراً طيباً في الحياة، يذكِّر الناس بهم بعد موتهم.
كانوا منعزلين عن الوجود، مبغوضين فلم يأسف عليهم أحد.لقد ذهبوا {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ} [الدخان: 29] فلم (تك لهم أعمال صالحة، تصعد في أبواب السماء، فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله ـ تعالى ـ فيها فقدتهم؛ فلهذا استحقوا أن لا يُنظَروا ولا يؤخَّروا لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم. عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من عبد إلا وله في السماء بابان: باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل منه عمله وكلامه؛ فإذا مات فقداه وبكيا عليه ـ وتلا هذه الآية: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ}.
وقال قتادة: كانوا أهون على الله ـ عز وجل ـ من أن تبكي عليهم السماء والأرض)"تفسير ابن كثير".
7 ـ وكان التعقيب القرآني حول هذه السنَّة الإلهية، التي تنتظر كل مفسد: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14].
الخطوة الثالثة: من هم السعداء؟
وهي أن نتدبر أحوال فريق السعداء الفائزين، ونقتدي بهم.
ثم ندعو له: «اللَّهُمَّ اغْفرْ لحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا. اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى ـ الإيمَانِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإسْلامِ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ»"سنن أبي داود وصححه الألباني".
ونحبه في الله ـ تعالى ـ لعلنا نُحشَر معه، كما أخبرنا أَنَسٍ ـ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ـ: «أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ السَّاعَةِ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لا شَيْءَ إلا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ -صلى الله عليه وسلم-. فَقَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت.َ قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إيَّاهُمْ وَإنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ»"البخاري".
فماذا عن هذا الفريق؛ لو تدبرنا سماته، وأفكاره، وسلوكياته، ونهايته، ومصيره؟
ونفاجأ كذلك بأن مفتاح شخصيتهم، وسمتهم العامة هي الإيجابية؛ خاصة لو وضعنا أمام أعيننا أمثلة راقية لهم؛ مثل مؤمن آل فرعون، وسحرة فرعون، وغلام الراهب، وشهداء الأخدود، ومؤمن ياسين، والصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
1 ـ إنهم أصحاب قضية سامية عاشوا لها وعاشت بهم، وتدبر تلك القضية التي حركت الرجل المؤمن، لينصر موسى عليه السلام وعندها لم يعد يجدي الصمت.{وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ} [غافر: 28].
ثم جاء الوقت ليعلن قضيته علانية؛ ولو أدى إلى استشهاده.
{وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ } [غافر: 38 - 39].
2 ـ إن نظرتهم للحياة الدنيا؛ نظرة موضوعية، كنظرة عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ـ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا ـ عندما حكى فقَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لموْتِك»"البخاري".
3 ـ إنهم كانوا يعيشون لغيرهم كما عاشوا لأنفسهم؛ فكانوا يحبون الخير لغيرهم ويفعلونه.
وتدبر كيف قتل الغلام الدابة التي تعترض الناس، وكيف ساعد على شفاء المرضى بما فيهم جليس الملك.
4 ـ إنهم كانوا مبادرين في اختيار نهايتهم، بل شاركوا في صنعها، واختاروها، وتدبر نهاية غلام الراهب ومؤمن ياسين ومؤمن آل فرعون، وكذلك موقف السحرة، وتحديهم لفرعون؛ عندما {قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه: 72]. 5 ـ أحبوا الموت، ليس هروباً من الحياة؛ كم حذرنا الحبيب -صلى الله عليه وسلم-: «لا يَتَمَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ؛ إمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ، وَإمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ»"البخاري ويستعتب: يرجع عن الإساءة"، ولكن حباً وشوقاً إلى لقائه ـ سبحانه ـ كما جاء في هذا الحوار:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَه، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ. فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ! فَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكِ؛ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإنَّ الْكَافِرَ إذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»"مسلم".
وتدبر موقف أنس بن النضر ـ رضي الله عنه ـ في غزوة أُحُد؛ عندما حكى أَنَس ـ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ: «غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ؛ لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ، قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ ـ يَعْنِي أَصْحَابَهُ ـ وَأَبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ ـ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ ـ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ! الْجَنَّةَ؛ وَرَبِّ النَّضْرِ! إنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ. قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ. قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ؛ فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إلا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ. قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] إلَى آخِرِ الآيَةِ. وَقَالَ: إنَّ أُخْتَهُ ـ وَهِيَ تُسَمَّى الرُّبَيِّعَ ـ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ امْرَأَةٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! لا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَرَضُوا بِالأَرْشِ، وَتَرَكُوا الْقِصَاصَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ»"البخاري".
وكذلك ما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ عندما قال: انطلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض». قال عمير بن الحمام: بَخٍ بَخٍ. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما يحملك على قولك بخ بخ؟». قال: لا، واللهِ يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: «فإنك من أهلها». قال فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي إنها لحياة طويلة، فرمى ما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل»"مسلم".
6 ـ كانوا يعلمون أثر نهايتهم، فنجحوا في توظيفها من أجل قضيتهم، كما وظفوا لها حياتهم.
وتأمَّل كيف دل الغلامُ الملكَ على سر موته؛ «فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلامِ، ثُمَّ ارْمِنِي؛ فَإنَّكَ إذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي. فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ. آمَنَّا بِرَبِّ الْغلامِ. فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ ـ وَاللَّهِ ـ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ؛ قَدْ آمَنَ النَّاسُ. فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ، وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا، أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ. فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلامُ: يَا أُمَّهِ! اصْبِرِي؛ فَإنَّكِ عَلَى الْحَقِّ»"مسلم".
وتأملْ: هل سيكون هذا الإيمان الجماعي، وستحدث تلك المظاهرة الإيمانية الجماعية، لو عاش الغلام ودعاهم للإيمان؟
7 ـ إنهم انتصروا بفكرتهم، وتركوها رصيداً ونبراساً على طريق الفائزين من بعدهم؛ ليخلدوا صورة راقية من صور النصر.
8 ـ إنهم شاركوا في صنع مصيرهم بعد نهايتهم؛ وهو الخلود في الجنة، وتأملْ موقف مؤمن ياسين؛ عندما تمنى مصيراً لقومه مثل مصيره؛ عندما {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس: 26 - 27].
الخطوة الرابعة: مع المختارين:
وتأتي الخطوة الرابعة في سلم الرقي الإيماني، فنطمع في أن نكون ضمن المختارين من الفائزين، وهم الذين فضلوا المِيتة الزكية الشريفة، وهم الذين اختارهم الحق ـ سبحانه ـ من بين أحبائه المخلصين: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران: 140]، ولنتأملْ فيما أعده الله لهم، وكيف ضمن لهم كل ما يشغل أي عبد لنفسه ولأهله ولمستقبله؟ أي أن الباري ـ سبحانه ـ قد حل لهم كل مشكلاتهم الحياتية والأخروية.
فندرك لِمَ استعذب هؤلاء النخبة الشهادة، فجعلوا يتمنونها حتى وهم في أعلى درجات الجنة؟
1 ـ الأمن من سكرات الموت: «مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ أَلَمِ الْقَتْلِ إلا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ أَلَمِ الْقَرْصَةِ»"النسائي والترمذي وصححه الألباني".
2 ـ الأمن من فتنة القبر: «إنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إلا الشَّهِيدَ؟ قَالَ: كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً»"النسائي وأبو داود وصححه الألباني".
3 ـ الأمن على الأهل والولد: «يُشَفَّعُ الشَّهِيدُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ»"أبو داود وصححه الألباني".
4 ـ التسجيل مع الأوائل:
«إنِّي لأعْلَمُ أَوَّلَ ثَلاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الشَّهِيدُ، وَعَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَفَقِيرٌ عَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ. وَإنِّي لأَعْلَمُ أَوَّلَ ثَلاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ: سُلْطَانٌ مُتَسَلِّطٌ، وَذُو ثَرْوَةٍ مِنْ مَالٍ لا يُؤَدِّي حَقَّهُ، وَفَقِيرٌ فَخُورٌ»"مسند أحمد".
5 ـ الفضائل الفورية الست: «يُعْطَى الشَّهِيدُ سِتَّ خِصَالٍ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ: يُكَفَّرُ عَنْهُ كُلُّ خَطِيئَةٍ،
وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُزَوَّجُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُؤَمَّنُ مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيُحَلَّى حُلَّةَ الإيمَانِ»"مسند أحمد صحيح "الألباني"".
6 ـ المرتبة العليا من الجنة: إنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ: «يَا نَبِيَّ! اللَّهِ ألا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ ـ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ ـ فَإنْ كَانَ فِي الجنَّة صَبَرْتُ، وَإنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ؟ قَالَ: يَا أُمَّ حَارِثَةَ! إنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى»"البخاري".
7 ـ استعذاب الشهادة: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إلا الشَّهِيدَ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ؛ فَإنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى»"البخاري".
8 ـ السعادة الأبدية:
{وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169].
الخطوة الخامسة: كيف نجيد فن حب الموت عملياً؟
ثم تجيء الخطوة الخامسة؛ وهي عوامل الاستمرارية والثبات على طريق النجاة.
وهي التطبيقات العملية على طريق حسن صناعة الموت.
1 ـ تجديد النية: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِهِ صَادِقاً مِنْ قَلْبِهِ أَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرَ الشَّهِيدِ»"الترمذي وصححه الألباني".
2 ـ صندوق تجهيز الغازي: «من جهز غازياً في سبيل الله ـ تعالى ـ فقد غزا»"البخاري ومسلم".
3 ـ صندوق كفالة بيت الغازي: «ومن خلف غازياً في سبيل الله بخير، فقد غزا»"البخاري ومسلم تكملة الحديث".
4 ـ الصحبة المؤمنة: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِينَا، فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلا يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلا يُسْتَشْهَدُ؛ ألا لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ. عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ؛ فَإنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ. مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ»"الترمذي وصححه الألباني".
5 ـ المعايشة الدائمة للخطوات الأربع السابقة.
6 ـ المعايشة القرآنية. 7 ـ التدبر في سِيَر السائرين على الدرب، واتخاذ شخصياتهم وأسمائهم قدوة.
8 ـ فقه مرض العصر:
(1) ما هو؟ هو مرض الغثائية.
(2) ما سببه؟ كما جاء في فتوى الحبيب -صلى الله عليه وسلم- عندما وضع المعادلة:
(الوهن = حب الدنيا + كراهية الموت= الغثائية).
(3) ما علاجه؟
حب الموت في سبيل الله.
عَنْ ثَوْبَانَ ـ رضي الله عنه ـ قَال:َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلَى قَصْعَتِهَا. فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ. فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ»"أبو داود وصححه الألباني"(10).
أخيراً: ليكنْ هدفنا الذي نضعه على قمة جبل حياتنا؛ هو أحد خيارين لا ثالث لهما:
فإما حياةٌ تسرُ الصديق وإما مماتٌ يكيدُ العِدى
أو كما اختار سيد قطب رحمه الله:
فإما إلى النصر فوق الأنام وإما إلى الله في الخالدين
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
هكذا أخبرنا الحبيب -صلى الله عليه وسلم- عن الدنيا وما فيها، وقدرها في ميزان الآخرة.
إنها لحظات معدودات على طريق رحلتنا.
وينصحنا -صلى الله عليه وسلم- ألا ننشغل بلحظات القيلولة الدنيوية، وننسى كيف سنكمل مشوار رحلتنا إلى النهاية، وما وراءها من مصير وخلود، فنعيش دوماً مترقبين النهاية.
(إن الذي يعيش مترقباً النهاية يعيش مُعِدّاً لها؛ فإن كان معداً لها، عاش راضياً بها؛ فإن عاش راضياً بها، كان عمره في حاضر مستمر، كأنه في ساعة واحدة يشهد أولها ويحس آخرها، فلا يستطيع الزمن أن ينغص عليه ما دام ينقاد معه وينسجم فيه، غير محاول في الليل أن يبعد الصبح، ولا في الصبح أن يبعد الليل)"من وحي القلم مصطفى صادق الرافعي".
إنها آخر المطاف.....إنها النهاية المجهولة المعلومة!
فهي النهاية المجهولة؛ لأننا لا نستطيع ولا نملك إجابات شافيات لهذه التساؤلات الحائرات عنها: متى؟ وأين؟ ثم ـ وهو الأخطر ـ: كيف؟
لأن هذه التساؤلات علمها عند الله ـ سبحانه ـ ولأنها من الغيبيات الخمس:
{إنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34].
{أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} [النساء: 78].
وهي النهاية المعلومة؛ لأننا أُخْبِرْنا أن هنالك مَلَكاً سيقبض أرواحنا، ثم نُبعث فيجازينا ـ سبحانه ـ على أعمالنا، هكذا عَلِمْنا وقُدِّرَ لنا، ولا مناص.
{قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة: 11].
{قُلْ إنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}[الجمعة: 8] .
- وقفة مع النفس:
لهذا علينا أن نجتهد، في وقفة مراجعة مع النفس، ويكون شغلنا الشاغل وهمنا هو إجابة جادة على هذين السؤالين:
الأول: كيف سيكون مشهد نهايتي؟
قال -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجنَّةِ وَإنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخوَاتِيمِ»"رواه البخاري".
فلا نكن بغفلتنا من الذين استغربهم سلمان ـ وقيل أبو الدرداء ـ رضي الله عنهما ـ فقال:
«ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني:
1 ـ مؤمِّلُ الدنيا والموت يطلبه. 2 ـ وغافلٌ وليس يُغفَل عنه.
3 ـ وضاحكٌ ملءَ فيه ولا يدري: أساخطٌ رب العالمين عليه، أم راضٍ؟
وثلاث أحزنتني حتى أبكتني:
1 ـ فراق الأحبة: محمد وحزبه. 2 ـ وهول المطلع.
3 ـ والوقوف بين يدي الله ـ عز وجل ـ ولا أدري: أإلى الجنة يُؤْمَر بي، أم إلى النار؟!»"كتاب الزهد لابن المبارك".
الثاني: وهل لي من دور في صياغة هذا المشهد؟
ونجد أن هنالك رؤية قرآنية تطمئننا أن أي تغيير ممكن، بعد الاعتماد عليه سبحانه.
فنجد هذا البيان: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11].
وهو دعوة إلى الإيجابية والعمل؛ لأن أصل كل التحولات والتغيرات ينبع من النفس ومن القناعة الداخلية بضرورة التغيير، ومسؤولية كل فرد في صياغة حياته ومستقبله.
ثم نجد الأمل الوضّاء؛ في وعده ـ سبحانه ـ بالتوفيق والسداد لكل من يحاول ويجاهد: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].
إذن! حسن الخاتمة، والنجاة تكون في محاولة إجادتنا لفن إحسان خاتمتنا، فنكمل ما تبقى من رحلتنا، مرتكزين على دعامتين هما جناحي العبادة؛ وهما: الخوف، والرجاء.
{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90].
- رباعية ... وخماسية:
نسرع إلى رحلة التغيير والنجاة، رغباً في حسن الخاتمة، وفي الفوز بالجنة، ورهباً من سوء الخاتمة ومن النار.
ونبدأ بالنظر إلى رحلتنا، بمنهجية علمية، من زاويتين:
الأولى: هي نظرة الجاهل بنهايته ومصيره، والذي لا يأمن مكره ـ سبحانه ـ فيلهب ظهره سوط الرهبة والخوف والخشية الدائمة من سوء الخاتمة.
والثانية: هي نظرة العالم يقيناً بما سيحدث له، وذلك على منهجية رباعية المراحل:
1 ـ يستشعر مسؤوليته الفردية عن نهايته {وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } [الجاثية: 22].
2ـ فيسرع إلى العِلْم، ويسأل ليفقه ويبحث في عوامل حسن الخاتمة.
3 ـ ثم يبادر إلى العمل، فيفعل ما يوجب حسن الخاتمة.
4 ـ ثم يلجأ إلى سلاح الدعاء، فيسأل الحق ـ سبحانه ـ ويتضرع إليه في كل سكناته؛ أن يمن عليه ويوفقه ويثبته في اجتهاده من أجل حسن الخاتمة.
فتملؤنا الرغبة والرجاء في رحمته سبحانه؛ وكما سترنا في الأولى فلن يفضحنا في الأخرى.
بهذا (النظر الذي وراءه التذكر، الذي وراءه التقوى، التي وراءها الله، هذا وحده هو القوة التي تتناول شهوات الدنيا فتصفيها أربع مرات حتى تعود بها إلى حقائقها الترابية الصغيرة التي آخرها القبر، وآخر وجودها التلاشي)"وحي القلم".
وكما كان النظر بمنهجية علمية؛ فكذلك نبدأ السير العملي بمنهجية عملية خماسية الخطوات، حتى يوفقنا ـ سبحانه ـ إلى الوصول إلى محطة حسن الخاتمة بسلام.
فماذا عن هذه الخطوات الخمس المنهجية العملية؟
الخطوة الأولى: ما المصير؟
ونبدأ أول خطوة على طريق رحلة النجاة وحسن الخاتمة.
فنقف ونسأل أنفسنا: ما هو مصيرنا بعد الخاتمة؟
فنجد الإجابة الربانية القرآنية الصريحة؛ أن الخلود بعد هذه الخاتمة سيكون أحد مصيرين: إما إلى جنة، أو إلى نار؛ والعياذ بالله.
{يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلاَّ بِإذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 105 - 108].
إذن! فهنالك فريقان... وموتتان، وأثران، ومصيران.
فكم هو بعيد ذلك الفارق بين فريق وفريق، وسمات وسمات، وفكر وفكر، وسلوك وسلوك، ونهاية ونهاية، وأثر وأثر، ثم مصير ومصير!
لأنه: {لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} [الحشر: 20].
فكيف لو تدبرنا أحوال كل فريق؛ فنتأمل سماته، وأفكاره، وسلوكياته، ونهايته، ثم مصيره؛ وذلك لنعلم الفارق.
الخطوة الثانية: من هم الأشقياء؟
ثم تأتي الخطوة الثانية؛ فنتدبر أحوال الأشقياء الخاسرين، فنتبرأ منهم، ونبغضهم، وننتهي عن سلوكياتهم، ونستعيذه ـ سبحانه ـ من مصيرهم.
وإذا أخذنا مثالاً لهذا الفريق؛ وهم قوم فرعون.
فماذا نجد لو تدبرنا سماته، وأفكاره ، وسلوكياته، ونهايته، ثم مصيره؟
ونفاجأ أن مفتاح شخصيتهم، بل وسمتهم العامة هي السلبية:
1 ـ لهم عقلية العوام؛ أي أنهم كانوا بلا قضية يعيشون لها، فعاشوا على هامش الحياة غافلين.
{ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } [الأعراف : 179]
2 ـ لهم طبيعة القطيع؛ غثائيون؛ تحركهم أيدي غيرهم.{فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود:97].
3 ـ كانت حالتهم الأخلاقية متدنية؛ كانوا فاسقين، فكان ذلك سبباً رئيساً لأن يُستَخَفَّ بهم، ولا يحملوا أهلية الاحترام من قيادتهم الفرعونية، ورغم هذا فإنهم يطيعونها قهراً وإرغاماً: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54].
4 ـ لهم نفسية العبيد؛ أي القابلية للذل.
لهذا كان حاكمهم مستبد وظالم يرى نفسه فوق النصيحة: {قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51].
ثم يرى سلبيتهم فيطغى، ويرى أن رأيه هو الرأي؛ ويحمل المذهب الاستئصالي للآخر: {مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29].
بل ـ والعياذ بالله ـ نراه قد تمادى في تكبره فتجرأ ـ وذلك لكفره ولغيبة أو لتغييب المعارضة ـ حتى بلغ به الشطط كل مبلغ، فقال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات: 24].
ونظراً لقناعته وتبنيه للمذهب الإقصائي للآخر؛ فإنه لا يحترم الآخر، ولا يقر بالتعددية، وتصوره للآخر تصور شائه: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ}.[الزخرف: 52 - 53].
5 ـ وكانت نتيجة هذا المناخ المريض الفاسد، أو المحصلة النهائية، هي تحقق سنته الإلهية ـ سبحانه ـ وهي النجاة للمؤمنين، وهلاك الظالمين؛ سواء في ذلك الحاكم والمحكومون من قومه، وغرق فرعون وملؤه.
ولأنهم ألغوا عقولهم، ففقدوا حريتهم، وفقدوا اختياراتهم؛ وكما اتبعوه في الحياة الدنيا؛ كان جزاؤهم من جنس ما صنعوا ورضوا بالهوان، فكان قائدهم في الخاتمة {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} [هود: 98 - 99].
6 ـ لم يتركوا أثراً طيباً في الحياة، يذكِّر الناس بهم بعد موتهم.
كانوا منعزلين عن الوجود، مبغوضين فلم يأسف عليهم أحد.لقد ذهبوا {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ} [الدخان: 29] فلم (تك لهم أعمال صالحة، تصعد في أبواب السماء، فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله ـ تعالى ـ فيها فقدتهم؛ فلهذا استحقوا أن لا يُنظَروا ولا يؤخَّروا لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم. عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من عبد إلا وله في السماء بابان: باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل منه عمله وكلامه؛ فإذا مات فقداه وبكيا عليه ـ وتلا هذه الآية: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ}.
وقال قتادة: كانوا أهون على الله ـ عز وجل ـ من أن تبكي عليهم السماء والأرض)"تفسير ابن كثير".
7 ـ وكان التعقيب القرآني حول هذه السنَّة الإلهية، التي تنتظر كل مفسد: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14].
الخطوة الثالثة: من هم السعداء؟
وهي أن نتدبر أحوال فريق السعداء الفائزين، ونقتدي بهم.
ثم ندعو له: «اللَّهُمَّ اغْفرْ لحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا. اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى ـ الإيمَانِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإسْلامِ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ»"سنن أبي داود وصححه الألباني".
ونحبه في الله ـ تعالى ـ لعلنا نُحشَر معه، كما أخبرنا أَنَسٍ ـ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ـ: «أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ السَّاعَةِ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لا شَيْءَ إلا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ -صلى الله عليه وسلم-. فَقَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت.َ قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إيَّاهُمْ وَإنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ»"البخاري".
فماذا عن هذا الفريق؛ لو تدبرنا سماته، وأفكاره، وسلوكياته، ونهايته، ومصيره؟
ونفاجأ كذلك بأن مفتاح شخصيتهم، وسمتهم العامة هي الإيجابية؛ خاصة لو وضعنا أمام أعيننا أمثلة راقية لهم؛ مثل مؤمن آل فرعون، وسحرة فرعون، وغلام الراهب، وشهداء الأخدود، ومؤمن ياسين، والصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
1 ـ إنهم أصحاب قضية سامية عاشوا لها وعاشت بهم، وتدبر تلك القضية التي حركت الرجل المؤمن، لينصر موسى عليه السلام وعندها لم يعد يجدي الصمت.{وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ} [غافر: 28].
ثم جاء الوقت ليعلن قضيته علانية؛ ولو أدى إلى استشهاده.
{وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ } [غافر: 38 - 39].
2 ـ إن نظرتهم للحياة الدنيا؛ نظرة موضوعية، كنظرة عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ـ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا ـ عندما حكى فقَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لموْتِك»"البخاري".
3 ـ إنهم كانوا يعيشون لغيرهم كما عاشوا لأنفسهم؛ فكانوا يحبون الخير لغيرهم ويفعلونه.
وتدبر كيف قتل الغلام الدابة التي تعترض الناس، وكيف ساعد على شفاء المرضى بما فيهم جليس الملك.
4 ـ إنهم كانوا مبادرين في اختيار نهايتهم، بل شاركوا في صنعها، واختاروها، وتدبر نهاية غلام الراهب ومؤمن ياسين ومؤمن آل فرعون، وكذلك موقف السحرة، وتحديهم لفرعون؛ عندما {قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه: 72]. 5 ـ أحبوا الموت، ليس هروباً من الحياة؛ كم حذرنا الحبيب -صلى الله عليه وسلم-: «لا يَتَمَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ؛ إمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ، وَإمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ»"البخاري ويستعتب: يرجع عن الإساءة"، ولكن حباً وشوقاً إلى لقائه ـ سبحانه ـ كما جاء في هذا الحوار:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَه، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ. فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ! فَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكِ؛ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإنَّ الْكَافِرَ إذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»"مسلم".
وتدبر موقف أنس بن النضر ـ رضي الله عنه ـ في غزوة أُحُد؛ عندما حكى أَنَس ـ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ: «غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ؛ لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ، قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ ـ يَعْنِي أَصْحَابَهُ ـ وَأَبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ ـ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ ـ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ! الْجَنَّةَ؛ وَرَبِّ النَّضْرِ! إنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ. قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ. قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ؛ فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إلا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ. قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] إلَى آخِرِ الآيَةِ. وَقَالَ: إنَّ أُخْتَهُ ـ وَهِيَ تُسَمَّى الرُّبَيِّعَ ـ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ امْرَأَةٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! لا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَرَضُوا بِالأَرْشِ، وَتَرَكُوا الْقِصَاصَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ»"البخاري".
وكذلك ما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ عندما قال: انطلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض». قال عمير بن الحمام: بَخٍ بَخٍ. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما يحملك على قولك بخ بخ؟». قال: لا، واللهِ يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: «فإنك من أهلها». قال فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي إنها لحياة طويلة، فرمى ما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل»"مسلم".
6 ـ كانوا يعلمون أثر نهايتهم، فنجحوا في توظيفها من أجل قضيتهم، كما وظفوا لها حياتهم.
وتأمَّل كيف دل الغلامُ الملكَ على سر موته؛ «فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلامِ، ثُمَّ ارْمِنِي؛ فَإنَّكَ إذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي. فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ. آمَنَّا بِرَبِّ الْغلامِ. فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ ـ وَاللَّهِ ـ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ؛ قَدْ آمَنَ النَّاسُ. فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ، وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا، أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ. فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلامُ: يَا أُمَّهِ! اصْبِرِي؛ فَإنَّكِ عَلَى الْحَقِّ»"مسلم".
وتأملْ: هل سيكون هذا الإيمان الجماعي، وستحدث تلك المظاهرة الإيمانية الجماعية، لو عاش الغلام ودعاهم للإيمان؟
7 ـ إنهم انتصروا بفكرتهم، وتركوها رصيداً ونبراساً على طريق الفائزين من بعدهم؛ ليخلدوا صورة راقية من صور النصر.
8 ـ إنهم شاركوا في صنع مصيرهم بعد نهايتهم؛ وهو الخلود في الجنة، وتأملْ موقف مؤمن ياسين؛ عندما تمنى مصيراً لقومه مثل مصيره؛ عندما {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس: 26 - 27].
الخطوة الرابعة: مع المختارين:
وتأتي الخطوة الرابعة في سلم الرقي الإيماني، فنطمع في أن نكون ضمن المختارين من الفائزين، وهم الذين فضلوا المِيتة الزكية الشريفة، وهم الذين اختارهم الحق ـ سبحانه ـ من بين أحبائه المخلصين: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران: 140]، ولنتأملْ فيما أعده الله لهم، وكيف ضمن لهم كل ما يشغل أي عبد لنفسه ولأهله ولمستقبله؟ أي أن الباري ـ سبحانه ـ قد حل لهم كل مشكلاتهم الحياتية والأخروية.
فندرك لِمَ استعذب هؤلاء النخبة الشهادة، فجعلوا يتمنونها حتى وهم في أعلى درجات الجنة؟
1 ـ الأمن من سكرات الموت: «مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ أَلَمِ الْقَتْلِ إلا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ أَلَمِ الْقَرْصَةِ»"النسائي والترمذي وصححه الألباني".
2 ـ الأمن من فتنة القبر: «إنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إلا الشَّهِيدَ؟ قَالَ: كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً»"النسائي وأبو داود وصححه الألباني".
3 ـ الأمن على الأهل والولد: «يُشَفَّعُ الشَّهِيدُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ»"أبو داود وصححه الألباني".
4 ـ التسجيل مع الأوائل:
«إنِّي لأعْلَمُ أَوَّلَ ثَلاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الشَّهِيدُ، وَعَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَفَقِيرٌ عَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ. وَإنِّي لأَعْلَمُ أَوَّلَ ثَلاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ: سُلْطَانٌ مُتَسَلِّطٌ، وَذُو ثَرْوَةٍ مِنْ مَالٍ لا يُؤَدِّي حَقَّهُ، وَفَقِيرٌ فَخُورٌ»"مسند أحمد".
5 ـ الفضائل الفورية الست: «يُعْطَى الشَّهِيدُ سِتَّ خِصَالٍ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ: يُكَفَّرُ عَنْهُ كُلُّ خَطِيئَةٍ،
وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُزَوَّجُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُؤَمَّنُ مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيُحَلَّى حُلَّةَ الإيمَانِ»"مسند أحمد صحيح "الألباني"".
6 ـ المرتبة العليا من الجنة: إنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ: «يَا نَبِيَّ! اللَّهِ ألا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ ـ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ ـ فَإنْ كَانَ فِي الجنَّة صَبَرْتُ، وَإنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ؟ قَالَ: يَا أُمَّ حَارِثَةَ! إنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى»"البخاري".
7 ـ استعذاب الشهادة: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إلا الشَّهِيدَ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ؛ فَإنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى»"البخاري".
8 ـ السعادة الأبدية:
{وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169].
الخطوة الخامسة: كيف نجيد فن حب الموت عملياً؟
ثم تجيء الخطوة الخامسة؛ وهي عوامل الاستمرارية والثبات على طريق النجاة.
وهي التطبيقات العملية على طريق حسن صناعة الموت.
1 ـ تجديد النية: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِهِ صَادِقاً مِنْ قَلْبِهِ أَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرَ الشَّهِيدِ»"الترمذي وصححه الألباني".
2 ـ صندوق تجهيز الغازي: «من جهز غازياً في سبيل الله ـ تعالى ـ فقد غزا»"البخاري ومسلم".
3 ـ صندوق كفالة بيت الغازي: «ومن خلف غازياً في سبيل الله بخير، فقد غزا»"البخاري ومسلم تكملة الحديث".
4 ـ الصحبة المؤمنة: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِينَا، فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلا يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلا يُسْتَشْهَدُ؛ ألا لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ. عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ؛ فَإنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ. مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ»"الترمذي وصححه الألباني".
5 ـ المعايشة الدائمة للخطوات الأربع السابقة.
6 ـ المعايشة القرآنية. 7 ـ التدبر في سِيَر السائرين على الدرب، واتخاذ شخصياتهم وأسمائهم قدوة.
8 ـ فقه مرض العصر:
(1) ما هو؟ هو مرض الغثائية.
(2) ما سببه؟ كما جاء في فتوى الحبيب -صلى الله عليه وسلم- عندما وضع المعادلة:
(الوهن = حب الدنيا + كراهية الموت= الغثائية).
(3) ما علاجه؟
حب الموت في سبيل الله.
عَنْ ثَوْبَانَ ـ رضي الله عنه ـ قَال:َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلَى قَصْعَتِهَا. فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ. فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ»"أبو داود وصححه الألباني"(10).
أخيراً: ليكنْ هدفنا الذي نضعه على قمة جبل حياتنا؛ هو أحد خيارين لا ثالث لهما:
فإما حياةٌ تسرُ الصديق وإما مماتٌ يكيدُ العِدى
أو كما اختار سيد قطب رحمه الله:
فإما إلى النصر فوق الأنام وإما إلى الله في الخالدين
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
دروس الفقه الرمضانية
الدرس الأول
لم يشرع الصوم للجوع والعطش، ولم يكن الصوم عند السلف مناسبة لتنويع الطعام، والتنقل بين أصناف الشراب، بل كان مناسبة لزيادة الإيمان، وفرصة للقرب من الرحمن، تحصيلاً للتقوى، وتكميلاً للنفع، قال ابن القيم رحمه الله: وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة وحمايتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات فهو من أكبر العون على التقوى كما قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذي من قبلكم لعلكم تتقون}البقرة، "وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات فكان جبريل عليه الصلاة والسلام يدارسه القرآن في رمضان وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة وكان أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف، وكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره به من الشهور."أ.هـ " زاد المعاد " ( 2 / 30: 39 )
مفهوم الصيام: لغة وشرعًا
1-الصوم والصيام لغة: الإمساك( )،
قال الله تعالى إخباراً عن مريم: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ( )أي: صمتاً؛ لأنه إمساك عن الكلام، ويفسره قوله تعالى: فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ( ).
2- الصوم شرعاً: قيل: ((هو عبارة عن إمساك مخصوص: وهو الإمساك عن الأكل، والشرب، والجماع من الصبح إلى المغرب مع النية))( ).
والمختار في تعريف الصيام شرعاً: أن يُقال:
((هو التعبد لله تعالى بالإمساك بنية: عن الأكل، والشرب، وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، من شخص مخصوص، بشروط مخصوصة ))( ).
فضائل الصيام وخصائصه
الصيام له فضائل وخصائص عظيمة على النحو الآتي:
1- الصيام من الأعمال التي يُعِدُّ اللهُ بها المغفرة والأجر العظيم؛ لقول الله تعالى: إِنَّ الـْمُسْلِمِينَ وَالـْمُسْلِمَاتِ وَالـْمُؤْمِنِينَ وَالْـمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْـخَاشِعِينَ وَالْـخَاشِعَاتِ وَالْـمُتَصَدِّقِينَ وَالْـمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْـحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْـحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ( ).
2- الصيام خير للمسلم لو كان يعلم؛ لقول الله تعالى: وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون ( ).
3- الصيام سبب من أسباب التقوى؛ لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون ( ).
4- الصوم جنة، يستجنُّ بها العبد المسلم من النار؛ لحديث جابر أن رسول الله قال: ((قال ربنا : الصيامُ جنةٌ يستجنُّ بها العبدُ من النار( )، وهو لي وأنا أجزي به))( ).
5- الصوم وصية النبي ، ولا مثل له، و لا عدل؛ لحديث أبي أمامة ، قال: قلت: يا رسول الله: مُرني بأمر ينفعني الله به، قال: ((عليك بالصوم فإنه لا مِثْلَ له))، وفي لفظ: أن أبا أمامة سأل رسول الله : أي العمل أفضل؟ قال: ((عليك بالصوم فإنه لا عدل له))، وفي رواية أنه قال: قلت: يا رسول الله مُرْني بعملٍ، قال: ((عليك بالصوم فإنه لا عِدْل له))، قلت: يا رسول الله مرني بعملٍ، قال: ((عليك بالصوم فإنه لا عدل له))( ) ، وفي لفظ ابن حبان في صحيحه: قال أبو أمامة: أنشأ رسول الله جيشاً، فأتيته فقلت: يا رسول الله، ادعُ الله لي بالشهادة، قال: ((اللهم سلِّمهم وغنِّمهم))، فغزونا فسلمنا وغنمنا، حتى ذكر ذلك ثلاث مرات، قال: ثم أتيته فقلت: يا رسول الله إني أتيتك تترى ثلاث مرات أسألك أن تدعوَ لي بالشهادة، فقلت: ((اللهم سلِّمهم وغنِّمهم))، فسلمنا وغنمنا، يا رسول الله، فمرني بعَمَلٍ أدخلُ به الجنة، فقال: ((عليك بالصوم؛ فإنه لا مِثْلَ لهُ))، فكان أبو أمامة لا يُرَى في بيته الدُّخانُ نهاراً، إلا إذا نزل بهم ضيفٌ، فإذا رأوا الدخان نهاراً، عرفوا أنه قد اعتراهم ضيفٌ))( ).
6- الصوم يدخل الجنة من باب الريان، لحديث سهل بن سعد قال: قال رسول الله : ((إن في الجنة باباً يُقالُ له: الريَّان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؛ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرُهم، فإذا دخل آخرهم أُغلق فلم يدخل منه أحد))( )، وفي رواية: ((في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يُسمَّى الريان لا يدخله إلا الصائمون))( ).
الدرس الثاني
وجوب صوم رمضان
إن الله لم يجعل الصيام في شهر رمضان اختيارًا وتطوعًا كباقي الشهور يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، ولكن أوجب صيامه على المسلمين كما أوجبه على الأمم السابقة، بحيث يكون تاركه بغير عذر معاقب لا محالة ومن أدلة وجوبه.
من القرآن قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ عليكم الصيام كما كُتِبَ على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} البقرة.
ومن السنة، عن طلحة بن عبيد الله أنَّ أعرابيّاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله عليَّ مِن الصلاة ؟ فقال: الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئاً، فقال: أخبرني ما فرض الله عليَّ مِن الصيام ؟ فقال: شهر رمضان إلا أن تطوع شيئاً فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة ؟ فقال: فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم شرائع الإسلام، قال والذي أكرمك لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق - أو دخل الجنة إن صدق" - رواه البخاري ( 1792 ) ومسلم ( 11).
والشاهد من الحديث :قوله " ماذا فرض الله عليَّ مِن الصيام ".
وهي محل اتفاق بين العلماء لا خلاف بينهم في وجوبه، ومنهم مَن يرى كفر مَن لم يصمه مِن غير عذر, قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إذا أفطر في رمضان مستحلا لذلك وهو عالِمٌ بتحريمه استحلالاً له: وجب قتله، وإن كان فاسقاً: عوقب عن فطره في رمضان.
"مجموع الفتاوى" ( 25/265 ).
على من يجب صيام رمضان
1- المسلم. 2- العاقل. 3- البالغ . 4- المقيم. 5- القادر. 6- الخالي من الموانع . شروط وأركان الصيام
أ. النية من الليل
عن حفصة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: " مَن لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له". رواه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان انظر" فتح الباري"(4 / 142 ).
" وتصح في أي جزء من أجزاء الليل ولا يشترط التلفظ بها، فإنها عمل قلبي لا دخل للسان فيه، فإن حقيقتها القصد إلى الفعل امتثالا لأمر الله تعالى وطلبا لوجهه الكريم، فمن تسحر من الليل قاصدا الصيام تقربًا إلى الله بهذا الإمساك فهو ناوٍ" فقه السنة (1/498).
ب. الإمساك عن الطعام والشراب والجماع
لقوله تعالى: { ثمَّ أَتِمُّوا الصيام إلى الليل }البقرة .
ولقوله عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا". رواه البخاري وومسلم .
الدرس الثالث
ما يجوز أن يكون من الصائم
أ. الأكل والشرب والجماع ليلاً
لقول الله تعالى: { أحلَّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن......وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}البقرة .
ب. تأخير السحور إلى أول دخول وقت الفجر
لقول الله تعالى: {..... وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} البقرة .
ولقول سهل بن سعد رضي الله عنه: " كنت أتسحر في أهلي، ثم تكون سرعتي أن أدرك السجود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ". رواه البخاري ( 1820 ) .
والمقصود: أنهم كانوا يؤخرون السحور، ويعجلون بالصلاة.
ج. الأكل والشرب ناسياً
إذا أكل المسلم أو شرب ناسيًّا أنه صائم فلا إثم عليه وليكمل صومه لحديث رسول الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نسي فأكل وشرب فليتمَّ صومَه فإنما أطعمه الله وسقاه" . رواه البخاري ( 1831 ) ومسلم ( 1155 ).
ولا فرق بين صيام الفرض وصيام النفل في هذه المسألة بخلاف ما يظنُّه كثيرٌ مِن العامَّة.
وننبِّه هنا إلى أنه من رأى مَن يأكل أو يشرب ناسياً فلا ينبغي له أن يتركه على حاله، بل يجب عليه تذكيره بصيامه، فهو وإن كان معذوراً بنسيانه، فأنت لستَ معذوراً بتركك إنكار المنكر أو نصحه – لأنَّه قد يكون ناسياً وقد يكون متعمداً - ولو أراد الله له العذر في الطعام والشراب لم يسخرك لأن تراه.
د. أن ينوي الصوم من النهار جاهلاً دخول الشهر
عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم "بعث رجلا ينادي في الناس يوم عاشوراء إن مَن أكل فليتمَّ - أو فليصم - ومن لم يأكل فلا يأكل". رواه البخاري ( 1824) ومسلم (1135).
والشاهد من الحديث: أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أمر مَن لم ينو الصيام أن ينشأ نية الصوم من النهار، وذلك في صيام عاشوراء، وكان آنذاك واجباً صومه على المسلمين، ولم يُنقل أنه أمر من فعل ذلك بالقضاء.
هـ. أن يدركه الفجر وهو جنُب
لقول الله تعالى: { أحلَّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن.....}، إذ فيها إباحة الجماع ليلاً إلى أن يظهر الفجر، ولازم هذه الإباحة أن يدرك المجامعُ الفجرَ وهو على جنابة .
وعن عائشة وأم سلمة " أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنبٌ مِن أهله ثم يغتسل ويصوم " . رواه البخاري ( 1825 ) ومسلم ( 1109 ) .
و. التقبيل والمباشرة لامرأته لمن يملك نفسه
عن عائشة رضي الله عنها قالت: " كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يقبِّل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإربه". رواه البخاري ( 1826 ) ومسلم ( 1106 ) .
ومعنى " يباشر ": يعني ما دون الجماع .و" أملككم لإربه ": أي شهوته .
ح. استعمال السواك
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشق على أمَّتي لأمرتُهم بالسواك مع كل صلاة ". رواه البخاري ( 847 ) ومسلم ( 252 ) .
"لولا أن أشق" يعني أتعب وأحرج أمتي، أمة الإجابة الذين استجابوا لله وللرسول، "لأمرتهم" يعني لألزمتهم بالسواك لكن منعه من الإلزام، المشقة على الأمة، وهو لا يريد أن يشق على أمته فإنه بالمؤمنين رءوف رحيم" الشرح المختصر على بلوغ المرام لابن عثيمين.
وقال البخاري: ولم يخصَّ الصائم مِن غيره .
وتحديد وقت التسوك إلى الزوال ليس عليه دليل .
ط. استعمال الكحل والقطرة للعين ، والقطرة والدواء للأذن، والتحاليل، وخلع الضرس، وبلع الريق والنخامة
قال شيخ الإسلام رحمه الله: " وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة، فهذا مما تنازع فيه أهل العلم، والأظهر أنَّه لا يفطر بشيء من ذلك، فان الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ويفسد الصوم بها، لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة، كما بلغوا سائر شرعه، فلما لم ينقل أحدٌ مِن أهل العلم عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في ذلك لا حديثاً صحيحاً ولا ضعيفاً ولا مسنداً ولا مرسلاً عُلِم أنَّه لم يذكر شيئاً من ذلك " "مجموع الفتاوى " ( 25/ 233، 234) .
والمأمومة: الجرح في الرأس يبلغ أم الدماغ، والجائفة: الطعنة تبلغ الجوف .
ي. الحجامة
عن ابن عباس رضي الله عنهما: " أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم " . رواه البخاري ( 1836 ) .
عن ثابت البناني قال: سُئل أنس بن مالك رضي الله عنه أكنتم تكرهون الحجامة للصائم ؟ قال: لا، إلا مِن أجل الضعف - على عهد النَّبيّ صلى الله عليه وسلم – " . رواه البخاري ( 1838 ) وأما حديث " أفطر الحاجم والمحجوم " فإن صحَّ : فهو منسوخ .
قال الحافظ ابن حجر : قال ابن حزم صحَّ حديث " أفطر الحاجم والمحجوم " بلا ريب! لكن وجدنا مِن حديث أبي سعيد " أرخص النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحجامة للصائم" وإسناده صحيح، فوجب الأخذ به لأنَّ الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجماً أو محجوماً . انتهى " فتح الباري " ( 4 / 178 ) .
ك . السفر سواء عزم عليه من الليل أو أنشأه من النهار
عن عائشة رضي الله عنها زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: أأصوم في السفر ؟ - وكان كثير الصيام - فقال: " إن شئتَ فصم وإن شئتَ فأفطر ". رواه البخاري ( 1841 ) ومسلم ( 1121 ) .
ل. إسباغ الوضوء، ومنه المضمضة والاستنشاق من غير مبالغة
عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء،
قال: " أسبغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما ".
رواه أصحاب السنن، والحديث صححه البغوي، انظر " التلخيص الحبير " ( 1 / 81 ) .
م . تذوق الطعام للحاجة
عن ابن عباس رضي الله عنهما: لا بأس أن يذوق الخل والشيء ما لم يدخل حلقه.
رواه ابن أبي شيبة ، والبيهقي، والأثر: حسَّنه الإمام الألباني في " إرواء الغليل( 4 / 86 ) "بلفظ " لا بأس أن يذوق الخل والشىء يريد شراءه " .حكاه عنه أحمد والبخاري.
الدرس الرابع
إن العبادات المنعقدة بالدليل الشرعي لا تنقض إلا بالدليل الشرعي، وإن العبادات تفتقر إلى دليل في أصل إثباتها وتفتقر إلى الدليل في إثبات صفاتها وشروطها، وكذلك تفتقر إلى الدليل في إبطالها، فليس باب إبطال العبادات مفتوحاً لكل أحد يقرر فيه ما يشاء وإنما هو باب توقيفي على الدليل الصحيح الصريح من الكتاب أو السنة الصحيحة أو ما تفرع عنها من الإجماع والقياس المستوفي لأركانه، وهذا الكلام من تعظيم حرمات الله وشعائره.
مبطلات الصوم
ما يبطل الصيام قسمان: 1- ما يبطله, ويوجب القضاء. 2- وما يبطله, ويوجب القضاء والكفارة .
أولاً ما يبطله, ويوجب القضاء
2,1- الأكل والشرب عمداً
فإذا أكل أو شرب ناسياً, أو مخطئاً, أو مكرهًا, فلا قضاء عليه ولا كفارة, فعن أبى هريرة رضي الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " من نسى وهو صائم فأكل أو شرب, فليتم صومه, فإنما أطعمه الله وسقاه" رواه الجماعة, وقال الترمذى: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم, وبه يقول سفيان الثورى والشافعى وأحمد وإسحاق.
وروى الدارقطني والبيهقى والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ،عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " من أفطر فى رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة".
قال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح.
وعن ابن عباس رضى الله عنهما: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله وضع عن أمتى الخطأ، والنسيان, وما استكرهوا عليه" رواه ماجه والطبرانى والحاكم.
3- القىء عمداً
فإن غلبه القىء فلا قضاء عليه ولا كفارة, فعن أبى هريرة: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "من ذرعه القىء فليس عليه قضاء, ومن إستقاء عمداً فليقض" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والدارقطنى والحاكم وصححه.
قال الخطابي: لا أعلم خلافاً بين أهل العلم فى أن من ذرعه القىء فإنه لا قضاء عليه, ولا فى أن من استقاء عامدًا, فعليه القضاء .
5,4- الحيض, والنفاس
الحيض و النفاس ولو للحظة الأخيرة قبل غروب الشمس, وهذا مما أجمع العلماء عليه.
6- الاستمناء سواء أكان سببه تقبيل الرجل لزوجته أو ضمها إليه, أو كان باليد، فهذا يبطل الصوم, ويوجب القضاء, فإن كان سببه مجرد النظر, نهاراً فى الصيام, لا يبطل الصوم, ولا يجب فيه شىء, وكذلك المذى, لا يؤثر فى الصوم, قل أو كثر.
7- تناول ما لا يتغذى به, من المنفذ المعتاد, إلى الجوف مثل: تعاطي الملح الكثير, فهذا يفطر في قول عامة أهل العلم.
8- من نوى الفطر وهو صائم بطل صومه, وإن لم يتناول مفطرًا، فإن النية ركن من أركان الصيام, فإن نقضها قاصداً الفطر ومتعمداً له إنتقض صيامه لا محاله.
9- إذا أكل, أو شرب, أو جامع ظاناً غروب الشمس وعدم طلوع الفجر، فظهر خلاف ذلك, فعليه القضاء, عند جمهور العلماء, ومنهم الأئمة الأربعة، وذهب إسحاق وداود وابن حزم وعطاء وعروة والحسن البصرى ومجاهد إلى أن صومه صحيح, ولا قضاء عليه, لقول تعالى { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } (5) سورة الأحزاب , ولقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن الله وضع عن أمتي الخطاء ..." وقد تقدم, وروى عبد الرازق قال: حدثنا معمر عن الأعمش عن زيد بن وهب, قال: "افطر الناس في زمن عمر بن الخطاب, فرأيت عساساً أخرجت من بيت حفصة فشربوا, ثم طلعت الشمس من سحاب، فكأن ذلك شق على الناس, فقالوا: نقضي هذا اليوم, فقال عمر لم؟ والله ما تجانفنا الإثم" , وروى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: "أفطرنا يوماً من رمضان في غيم, على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم طلعت الشمس", قال ابن تيمية: وهذا يدل على شيئين:
الأول: يدل على أنه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتيقن الغروب, فإنهم لم يفعلوا ذلك, ولم يأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة مع نبيهم أعلم وأطوع لله ورسوله ممن جاء بعدهم.
والثاني: يدل على أنه لا يجب القضاء, فإن النبي صلى الله عليه وسلم لو أمرهم بالقضاء, لشاع ذلك, كما نقل فطرهم، فلما لم ينقل دل على أنه لم يأمرهم به.
10- الردة عن الإسلام( والعياذ بالله)، لأن الصوم عبادة ومن شرط صحتها الإسلام والردة قاطعة لهذا الشرط فعاد النهي إلى فقدان شرط الصحة، وقد تقرر في القواعد أن النهي إذا عاد إلى ذات المنهي عنه أو شرط صحته دل على فساده، فصوم المرتد فاسد، ولأن من شروط صحته أيضاً استمرار حكم النية بأن لا ينوي قطعها والردة قاطعة لحكم النية لتخلف المصحح له وهو الإسلام، ولقوله تعالى: { لئن أشركت ليحبطن عملك }الزمر
ثانيًا ما يبطله ويوجب القضاء, والكفارة
الجماع لا غير عند الجمهور، فعن أبى هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله, قال: "وما أهلكك ؟"، قال: وقعت على امرأتي في رمضان، فقال: " هل تجد ما تعتق رقبة؟"، قال: لا, قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ "، قال : لا, قال: "فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا ؟ "، قال: لا,, ثم جلس فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر, فقال : " تصدق بهذا " ، قال: فهل على أفقر منا ؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا ؟ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم, حتى بدت نواجذه, وقال : "اذهب فأطعمه أهلك " رواة الجماعة.
ومذهب الجمهور أن المرأة, والرجل سواء فى وجوب الكفارة عليهما, ماداما قد تعمدا الجماع, مختارين في نهار رمضان ناوين الصيام, فإن وقع الجماع نسيانًا, أو لم يكونا مختارين, بأن اُكرها عليه, أو لم يكونا ناوين الصيام, فلا كفارة على واحد منهما، فإن أُكرهت المرأة من الرجل, أو كانت مفطرة لعذر وجبت الكفارة علية دونها، ومذهب الشافعى: أنة لا كفارة على المرأة مطلقا, لا في حالة الاختيار, ولا في حالة الإكراه، وإنما يلزمها القضاء فقط , قال النووى: والأصح - على الجملة - وجوب كفارة واحدة عليه خاصة, عن نفسه فقط , وإنه لا شيء على المرأة, ولا يلاقيها الوجوب, لأنه حق مال مختص بالجماع, فاختص به الرجل, دون المرأة كالمهر, قال أبو داود: سُئل أحمد عمن أتى أهله في رمضان, أعليها كفارة ؟ قال ما سمعنا أن على امرأة كفارة, وقال في المعنى: ووجه ذلك: أن النبي صلى الله على وسلم :(( أمر الواطيء في رمضان يعتق رقبة , ولم يأمر في المرأة بشيء, مع علمه بوجود ذلك منها ))
والكفارة على ترتيب المذكور في الحديث, في قول جمهور العلماء.
فيجب العتق أولاً, فإن عجز عنه,
فصيام شهرين متتابعين فإن عجز عنه,
أطعم ستين مسكيناً من أوسط ما يطعم منه أهله، وأنه لا يصح الانتقال من حالة إلى أخرى, إلا إذا عجز عنها, ويذهب المالكية ورواية لأحمد: أنه مخير بين الثلاث، فأيها فعل أجزأ عنه. لما روى مالك, وابن جريج، عن حميد بن عبد الرحمن, عن أبى هريرة: أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة, أو شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا. رواه مسلم , و أو تفيد التخير. ولأن الكفارة بسبب مخالفة, فكانت على التخير, ككفارة اليمين.
قال الشوكاني: وقد وقع في الروايات ما يدل على الترتيب والتخيير, والذين رووا الترتيب أكثر ومعهم الزيادة. وجمع المهلب والقرطبى بين الروايات, بتعدد الواقعة.
قال الحافظ : وهو بعيد, لأن القصة واحدة , والمخرج متحد, والأصل عدم التعدد, وأجمع بعضهم يحمل الترتيب على الأولوية, والتخير على الجواز, وعكسه بعضهم , انتهى .
* ومن جامع عامداً في نهار رمضان ولم يكفر, ثم جامعفي يوم آخر فعليه كفارة واحدة عند الأحناف, ورواية عن أحمد, لأنها جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها, فتتداخل.
قال مالك والشافعى, ورواية عن أحمد: عليه كفارتان, لأن كل يوم عبادة مستقلة.
الدرس الخامس
مستحبات الصيام(آداب الصيام)
يُستحب للصائم أن يُراعي في صيامه الآداب التالية
1- السحور
و قد أجمعت الأمة على استحبابه، فعن أنس رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: " تسحروا فإن السحور بركة " رواه البخاري و مسلم، و سبب البركة: أنه يقوي الصائم وينشطه ولأنه غالبا في الثلث الأخير. ولكن هناك سؤال : بم يتحقق السحور ؟؟
يتحقق السحور بكثير الطعام و قليله و لو بجرعة ماء, فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه "السحور بركة فلا تدعوه و لو أن يجرع أحدكم ماء, فإن الله و ملائكته يصلون على المتسحرين " رواه أحمد, وما هو وقت السحور ؟؟
وقت السحور من منتصف الليل إلى طلوع الفجر, والمستحب تأخيره فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: " تسحرنا مع الرسول صلى الله عليه و سلم, ثم قمنا إلى الصلاة, فقلت: كم ما كان بينهما ؟ قال : خمسين آية " رواه البخاري و مسلم وماذا لو كان هناك شك فى طلوع الفجر ؟؟
لو شك في طلوع الفجر فله أن يأكل و يشرب حتى يستقين طلوعه, ولا يعمل بالشك, فإن الله عز و جل جعل نهاية الأكل والشرب التبين نفسه, لا الشك فقال عزوجل: { وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ } (187) سورة البقرة , وقال أبو داود و أبو عبد الله: "إذا شك في الفجر يأكل حتى يستيقن طلوعه". وهذا مذهب بن عباس وعطاء و الأوزاعي وأحمد وقال النووي: اتفق أصحاب الشافعي على جواز الأكل للشاك في طلوع الفجر.
2- تعجيل الفطر
يستحب للصائم أن يُعجل الفطر متى تحقق غروب الشمس فعن سهل بن سعد رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه و سلم قال: " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر " رواه البخاري و مسلم.
وعن أبي عطية قال: دخلتُ أنا ومسروق على عائشة فقلنا: يا أم المؤمنين رجلان مِن أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة ؟ قالت: أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة ؟ قال: قلنا: عبد الله - يعني: ابن مسعود - قالت: كذلك كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم ( 1099 ) .
3- الدعاء عند الفطر و أثناء الصيام
عن ابن عمر قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: " ذَهَب الظمأ وابتلَّت العروق وثبت الأجر إن شاء الله " . رواه أبو داود ( 2357 ) .
والحديث : حسَّنه الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " ( 2 / 202 ) .
روى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: " إن للصائم عند فطرة دعوة ما تُرد" قال الألباني فى "إرواء الغليل" 4/41 : ضعيف، وروى الترمذي بسند صحيح أنه صلى الله عليه و سلم قال: " ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر و الإمام العادل والمظلوم" قال الإمام النووى فى " الأذكار " 1 / 161 : قال الترمذى : حديث حسن.
4- البداءة بالرطب فإن لم يتيسر فتمر فإن لم يكن فعلى ماء
عن أنس بن مالك قال:" كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يفطر على رُطَبات قبل أن يصلي فإن لم يكن رُطَبات فتَمْرات فإن لم يكن تمرات حسا حَسَواتٍ مِن ماءٍ . رواه أبو داود ( 2356 ) .والحديث : حسَّنه الشيخ الألباني في " الإرواء " ( 4 / 45 ) .
5- الكف عما يتنافى مع الصيام
الصيام عبادة من أفضل القربات, شرعه الله تعالى ليهذب النفس ويعودها الخير, فينبغي أن يتحفظ الصائم من الأعمال التي تخدش صومه حتى ينتفع بالصيام وتحصل له التقوى التي ذكرها الله عزوجل فى قوله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (183) سورة البقرة , و ليس الصيام مجرد الإمساك عن الأكل والشرب و سائر ما نهى الله عنه فعن النبي صلى الله عليه و سلم قال: " رُب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع ورُب قائم ليس له من قيامه إلا السهر" رواه النسائي وابن ماجه والحاكم: وقال صحيح على شرط البخارى.
6- الجود و مدارسة القرآن
الجود ومدارسة القرآن مستحبان في كل وقت, إلا أنهما آكدا فى رمضان, روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما, " كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أجود الناس, و كان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل عليه السلام, وكان يلقاه كل ليلة في رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه و سلم أجود بالخير من الريح المرسلة" .
7- الإجتهاد في العبادة في العشر الأواخر من رمضان
روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم " كان إذا دخل العشر الأواخر أحيى الليل، وأيقظ أهله, و شد المئزر" و في رواية لمسلم " كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره ".
الدرس السادس
أهل الأعذار في الصيام
1- المجنون وغير البالغ
عن علي رضي الله عنه قال: " سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " رُفِع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المبتلى حتى يعقل". رواه أبو داود ( 3823 ) .والحديث: صححه الشيخ الألباني رحمه الله في " الإرواء " ( 2 / 4 ) .
ويعرف البلوغ بعلامات، منها :
1- نزول المني، ويدل عليه قوله في بعض روايات الحديث السابق " وعن الصبي حتى يحتلم " .
2- إنبات شعر العانة حول الفرج، ويدل عليه: عن عطية القرظي قال: عُرضنا على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فكان مَن أنبت قُتل ومَن لم ينبت خُلِّي سبيلُه فكنتُ ممن لم ينبت فخلِّي سبيلي". رواه الترمذي ( 1584) والنسائي ( 3430 ) وأبو داود ( 3826 ) وابن ماجه ( 2542). والحديث: صححه الترمذي وابن حبان والحاكم، ووافقه الحافظ ابن حجر، انظر " التلخيص الحبير " ( 3 / 42).
3- الحيض للنساء
فإن حاضت قبيل الفجر بلحظة حرُم عليها الصوم ووجب عليها قضاؤه، وإن حاضت قبيل المغرب بلحظة فكذلك، فإن طهُرت قبيل الفجر بلحظة وجبَ عليها الصوم، حتى لو لم تغتسل.
4- السفر
والصحيح مِن أقوال أهل العلم: أنه لا حدَّ للسفر من حيث المسافة، وأنه يظل المسافر متمتعاً بالرخص إلى أن يقيم إقامة مطلقة، أو يرجع إلى بلده .
قال ابن القيم رحمه الله : ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تقدير المسافة التي يفطر فيها الصائم بحدٍّ ولا علمنا عنه في ذلك شيء . أ.هـ " زاد المعاد "(2 / 55) ، وهو قول ابن قدامة وابن تيمية .
قال الله تعالى { فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فعدَّة من أيام أُخر } .
عن عائشة رضي الله عنها زوج النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : " أأصوم في السفر " ؟ - وكان كثير الصيام - فقال: " إن شئتَ فصم وإن شئتَ فأفطر ". رواه البخاري ( 1841 ) ومسلم ( 1121 ) .
5- المرض
قال الله تعالى { فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فعدَّة من أيام أُخر } .
"والمرض المبيح للفطر هو المرض الشديد الذي يزيد بالصوم أو يخشى تأخر برئه ويعرف ذلك من الطبيب الثقة أو بغلبة الظن" فقه السنة (1/502).
ومثله: المرض الذي يجوز لصاحبه التخلف عن الصلاة في المسجد أو عن الجهاد، وليس هو وجع الأصبع أو أذى الضرس وما شابههما من رأي البخاري وأهل الظاهر، فإن مثل هذه الأعذار لا يكاد يخلو منها أحد وهي ليست معوقة عن الصيام .
فإن شق عليه الصيام بسبب المرض ولم يضره : كره له الصيام ولم يحرم
6- الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة
عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ " وعلى الذين يطوقونه فلا يطيقونه " { فدية طعام مسكين } قال ابن عباس : ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يومٍ مسكيناً . رواه البخاري ( 4235) .
7- الحامل والمرضع
عن أنس بن مالك - رجل من بني عبد الله بن كعب - قال: أغارت علينا خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته يتغدى فقال: " ادن فكل " فقلت: إني صائم، فقال: " ادن أحدثك عن الصوم - أو الصيام - إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحامل أو المرضع الصوم - أو الصيام" .
رواه الترمذي ( 715 ) والنسائي ( 2274 ) وأبو داود ( 2408 ) وابن ماجه ( 1667 ) .
قال أبو عيسى – الترمذي - : حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن .
والأصح من أقوال أهل العلم: أنَّ على الحامل والمرضع القضاء سواء خافتا على نفسيهما أو على ولديهما أو على كليهما معاً .
8-الحائض والنفساء
عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ فقالت : أحرورية أنت ؟ قلت: لست بحرورية ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة . رواه البخاري ( 315 ) ومسلم ( 335 ) .
و " حرورية " : نسبة إلى حروراء بالعراق نسب إليها طائفة من الخوارج والتي ترى وجوب قضاء الصلاة مع الصوم بالنسبة للحائض والنفساء .
تنبيه
- وعلى المسافر والمريض والحائض والنفساء والحامل والمرضع : القضاء فقط .
- وعلى الرجل الكبير والمرأة الكبيرة والمريض مرضاً مزمناً : الفدية وهي طعام مسكين، وهي وجبة عن كل يوم.
الدرس السابع
قضاء رمضان
وهذه مسائل تكثر الحاجة إليها فيما يتعلق بالقضاء :
أ. وقت قضاء الصوم
يستمر قضاء الفائت مِن رمضان بعذرٍ إلى رمضان الذي بعده، ومن دخل عليه رمضان الآخر ولم يصم ما عليه بغير عذر: أثم ، ولم يسقط عنه القضاء، وأوجب بعض أهل العلم عليه: الكفارة وهي طعام مسكين عن كل يوم .
عن أبي سلمة قال : سمعت عائشة رضي الله عنها تقول : " كان يكون عليَّ الصوم مِن رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان" . رواه البخاري ( 1849 ) ومسلم ( 1146 ).
ب. من مات وعليه صوم قضاء أو أي صوم واجب
- فلوليه أن يبرئ ذمة الميت بأداء الصوم عنه برّاً به، من غير إلزام .
- وإذا كانت ذمة الميت مشغولة بالإطعام أطعم عنه وليُّه .
- وفي صوم غير الولي خلاف قوي ؛ الأظهر جوازه من غير الولي لتشبيه النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ذلك بقضاء الدين، وهو ما لا يختص به الولي أو القريب، وهو ما رجحه الإمام البخاري وأبو الطيب الطبري من الشافعية وغيرهما .
- وذِكر الولي في الحديث للغالب ، والله أعلم .
عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " مَن مات وعليه صيام صام عنه وليُّه". رواه البخاري ( 1851 ) ومسلم ( 1147 ) .
ج. لا يشترط التتابع في صيام القضاء
للإطلاق في الآية بقوله تعالى { فعدَّةٌ مِن أيام أخر } .
قال ابن عباس رضي الله عنه : لا بأس أن يفرِّق .
رواه البخاري ( بعد 1848 ) معلِّقاً ، ووصله الدارقطني ( (2/192) .
الدرس الثامن
معنى الاعتكاف
الإعتكاف لزوم الشىء وحبس النفس عليه, خيراً كان أم شراً, قال تعالى { إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} (52) سورة الأنبياء , أى مقيمون متعبدون لها, و المقصود به هنا لزوم المسجد والإقامة فية بنية التقرب إلى الله عز و جل .
مشروعية الاعتكاف
أجمع العلماء على أن الإعتكاف مشروع, فقد كان النبى صلى الله عليه و سلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام, فلما كان العام الذى قُبض فية, إعتكف عشرين يوماً. رواه البخاري, وقد اعتكف أصحابه وأزواجه معه وبعده, وهو وإن كان قربة, إلا أنه لم يرد في فضله حديث صحيح .
قال أبو داود: قلت لأحمد رحمه الله: تعرف في فضل الاعتكاف شيئاً ؟ قال : لا إلا شيئاً ضعيفاً
أقسام الاعتكاف
ينقسم الاعتكاف إلى مسنون و إلى واجب , فالمسنون ما تطوع به المسلم تقرباً لله عزوجل وطلباً لثوابه, واقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم, و يتأكد ذلك في العشر الأواخر من رمضان لما تقدم, والاعتكاف الواجب ما أوجبه المرء على نفسه, إما بالنذر المطلق, مثل أن يقول: لله على أن أعتكف كذا , أو بالنذر المعلق كقوله: إن شفى الله مريضي لأعتكفن كذا , و فى صحيح البخارى عن الرسول صلى الله عليه و سلم قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه" و فيه: أن عمر رضي الله عنه قال : يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام , فقال: " أوف بنذرك ".
زمن الاعتكاف
الاعتكاف الواجب يؤدى حسب ما نذره و سماه الناذر, فإن نذر الاعتكاف يوماً أو أكثر وجب علية الوفاء بما نذره, و الاعتكاف المستحب ليس له وقت محدد, فهو يتحقق بالمكث في المسجد مع نية الاعتكاف, طال الوقت أم قصر و يثاب ما بقى في المسجد, فإذا خرج منه ثم عاد إليه جدد النية إن قصد الإعتكاف, فعن يعلى بن أمية قال: إني لأمكث في المسجد ساعة ما أمكث إلا لأعتكف, و قال عطاء: هو اعتكاف ما مكث فيه, و إن جلس في المسجد احتساب الخير فهو معتكف, و إلا فلا, و للمعتكف أن يقطع اعتكافه المستحب متى شاء, قبل قضاء المدة التي نواها, فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا أراد ان يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه, و أنه أراد مرة أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان فأمر ببنائه, فضرب، قالت عائشة: فلما رأيت ذلك أمرت ببنائي فضُرب, وأمر غيري من أزواج النبي صلى الله عليه و سلم ببنائه فضُرب, فلما صلى الفجر نظر إلى الأبنية فقال: ما هذة ؟ البر تُردن ؟ قال: فأمر ببنائه فقوض، وأمر أزواجه بأبنيتهن فقوضت, ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الأول ( يعنى من شوال ) فأمر الرسول صلى الله عليه و سلم نساءه بتقويض أبنيتهن. و ترك الاعتكاف بعد نيته، وهذا دليل على قطعه بعد الشروع فيه, وفي الحديث أن للرجل أن يمنع زوجته من الاعتكاف بغير إذنه, وإلية ذهب عامة العلماء واختلفوا فيما لو أذن لها, هل منعها بعد ذلك ؟ فعند الشافعي وأحمد وداود: له منعها و إخراجها من اعتكاف التطوع.
شروط الاعتكاف وأركانه
المعتكف يجب أن يكون مسلماً, ممميزاً طاهراً من الجنابة و الحيض والنفاس، فلا يصح من كافر ولا صبى غير مميز ولا جُنب و لا حائض ولا نفساء .
أركان الإعتكاف
حقيقة الاعتكاف المكث في المسجد بنية التقرب إلى الله عز وجل, فلو لم يقع المكث في المسجد أو لم تحدث نية الطاعة لا ينعقد الاعتكاف, أما وجوب النية فلقول الله عز وجل { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } (5) سورة البينة, ولقول الرسول صلى الله عليه و سلم "إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل إمرىء ما نوى " رواه البخاري، وأما أن المسجد لابد منه فلقول الله عز و جل { وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (187) سورة البقرة, ووجه الاستدلال أنه لو صح الاعتكاف في غير المسجد لم يخص تحريم المباشرة بالاعتكاف في المسجد لأنها منافية للاعتكاف, فعلم أن المعنى بيان الاعتكاف إنما يكون في المساجد.
صوم المعتكف
المعتكف وإن صام فحسن, و إن لم يصم فلا شيء عليه, روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام, فقال: "أوف بنذرك" , ففي أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم له بالوفاء بالنذر دليل على أن الصوم ليس شرطاً في صحة الاعتكاف, إذ أنه لا يصح الصيام في الليل. قال الخطابي: و قد اختلف الناس في هذا, فقال الحسن البصري: إن اعتكف من غير صيام أجزأه, و إليه ذهب الشافعي, وروى عن على و ابن مسعود أنهما قالا : إن شاء صام و إن شاء أفطر, و قال الأوزاعي و مالك: لا اعتكاف إلا بصوم , و هو مذهب أهل الرأي, وروى ذلك عن ابن عمر , و ابن عباس, و عائشة, وهو قول سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير و الزهري.
ما يستحب وما يكره للمعتكف
يستحب للمعتكف أن يُكثر من نوافل العبادات, و يشغل نفسه بالصلاه وتلاوة القرآن والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه و سلم والدعاء ونحو ذلك من الطاعات والعبادات التي تقرب العبد من ربه عز و جل, ويمكنه أيضاً القراءة فى كتب التفسير أوالحديث وغيرها أو الجلوس في حلق الذكر والعلم , و يُكره له
أن يشغل نفسه بشيء غير العبادات و الطاعة مثل الكلام في غير المفيد أو العمل في شيء غير الطاعات، ويُكره له الامساك عن الكلام ظناُ له أن ذلك يقربه من الله عزوجل, فقد روى البخاري وابن ماجه و أبو داود عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: بينما النبي صلى الله عليه و سلم يخطب, إذا هو برجل قائم فسأل عنه, فقالوا: أبو إسرائيل, نذر أن يقوم و لا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم, فقال النبي صلى الله عليه و سلم: " مُره فليتكلم، وليستظل، وليقعد، ولُيتم صومه".
الدرس التاسع
زكاة الفطر
هي صدقة تجب بالفطر في رمضان، وأضيفت الزكاة إلى الفطر لأنه سبب وجوبها .
حكمتها ومشروعيتها
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ . " رواه أبو داود 1371 قال النووي : رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ .
قوله : ( طهرة ) : أي تطهيرا لنفس من صام رمضان ، وقوله ( والرفث ) قال ابن الأثير : الرفث هنا هو الفحش من كلام ، قوله ( وطعمة ) : بضم الطاء وهو الطعام الذي يؤكل . قوله : ( من أداها قبل الصلاة ) : أي قبل صلاة العيد ، قوله ( فهي زكاة مقبولة ) : المراد بالزكاة صدقة الفطر، قوله ( صدقة من الصدقات ): يعني التي يتصدق بها في سائر الأوقات . عون المعبود شرح أبي داود
وقيل هي المقصودة بقوله تعالى في سورة الأعْلَى: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } ; رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ قَالا: " أَدَّى زَكَاةَ الْفِطْرِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلاةِ " أي صلاة العيد . أحكام القرآن للجصاص ج3 : سورة الأعلى
وعَنْ وَكِيعٍ بْنِ الْجَرَّاحِ رحمه الله قَالَ : زَكَاةُ الْفِطْرِ لِشَهْرِ رَمَضَانَ كَسَجْدَتِي السَّهْوِ لِلصَّلاةِ ، تَجْبُرُ نُقْصَانَ الصَّوْمِ كَمَا يَجْبُرُ السُّجُودُ نُقْصَانَ الصَّلاةِ . المجموع للنووي ج6
حكمها
الصَّحِيحُ أَنَّهَا فَرْضٌ; لِقَوْلِ ابْنِ عُمَر: { فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ } . وَلإجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ . المغني ج2 باب صدقة الفطر
وقت وجوبها
فَأَمَّا وَقْتُ الْوُجُوبِ فَهُوَ وَقْتُ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَإِنَّهَا تَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَمَنْ تَزَوَّجَ، أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَعَلَيْهِ الْفِطْرَةُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، لَمْ تَلْزَمْهُ .. وَمِنْ مَاتَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْفِطْر، فَعَلَيْهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ . نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ المغني ج2 : فصل وقت وجوب زكاة الفطر .
على من تجب
- زكاة الفطر تجب على المسلمين: عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ . البخاري 1407
- قال الشافعي رحمه الله: وَفِي حَدِيثِ نَافِعٍ دَلالَةٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَفْرِضْهَا إلا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ مُوَافَقَةٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الزَّكَاةَ لِلْمُسْلِمِينَ طَهُورًا وَالطَّهُورُ لا يَكُونُ إلا لِلْمُسْلِمِينَ . الأم ج2 باب زكاة الفطر
- تجب على المستطيع، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكُلُّ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ شَوَّالٌ وَعِنْدَهُ قُوتُهُ وَقُوتُ مَنْ يَقُوتُهُ يَوْمَهُ وَمَا يُؤَدِّي بِهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْهُ وَعَنْهُمْ أَدَّاهَا عَنْهُمْ وَعَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلا مَا يُؤَدِّي عَنْ بَعْضِهِمْ أَدَّاهَا عَنْ بَعْضٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلا سِوَى مُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَتِهِمْ يَوْمَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ وَلا عَلَى مَنْ يَقُوتُ عَنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ . الأم ج2 باب زكاة الفطر
- قال النووي رحمه الله: الْمُعْسِرُ لا فِطْرَةَ عَلَيْهِ بِلا خِلافٍ ، .. وَالاعْتِبَارُ بِالْيَسَارِ وَالإِعْسَارِ بِحَالِ الْوُجُوبِ، فَمَنْ فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لِلَيْلَةِ الْعِيدِ وَيَوْمِهِ صَاعٌ ، فَهُوَ مُوسِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَهُوَ مُعْسِرٌ وَلا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي الْحَالِ . المجموع ج6 شروط وجوب صدقة الفطر
- يخرجها الإنسان المسلم عن نفسه وعمن ينفق عليهم من الزوجات والأقارب إذا لم يستطيعوا إخراجها عن أنفسهم فإن استطاعوا فالأولى أن يخرجوها هم، لأنهم المخاطبون بها أصلاً .
فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ . صحيح البخاري 1407
قال الشافعي رحمه الله: وَيُؤَدِّي وَلِيُّ الْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ عَنْهُمَا زَكَاةَ الْفِطْرِ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُمَا مُؤْنَتُهُ كَمَا يُؤَدِّي الصَّحِيحُ عَنْ نَفْسِهِ .. وإِنْ كَانَ فِيمَنْ يُمَوِّنُ ( أي يعول ) كَافِرٌ لَمْ يَلْزَمْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهُ لأَنَّهُ لا يَطْهُرْ بِالزَّكَاةِ . الأم ج2 باب زكاة الفطر .
وقال صاحب المهذب: قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: ( وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِطْرَتُهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِطْرَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ إذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ وَوَجَدَ مَا يُؤَدِّي عَنْهُمْ فَاضِلا عَنْ النَّفَقَةِ، فَيَجِبُ عَلَى الأَبِ وَالأُمِّ وَعَلَى أَبِيهِمَا وَأُمِّهِمَا - وَإِنْ عَلَوْا - فِطْرَةُ وَلَدِهِمَا وَوَلَدِ وَلَدِهِمَا - وَإِنْ سَفَلُوا - وَعَلَى الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ ( وَإِنْ سَفَلُوا ) فِطْرَةُ الأَبِ وَالأُمِّ وَأَبِيهِمَا وَأُمِّهِمَا - وَإِنْ عَلَوْا - إذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ نَفَقَتُهُمْ ، المجموع ج6 .
يخرج الإنسان عن نفسه وزوجته - وإن كان لها مال - وأولاده الفقراء ووالديه الفقيرين ، والبنت التي لم يدخل بها زوجها . فإن كان ولده غنياً لم يجب عليه أن يخرج عنه ، ويُخرج الزوج عن مطلقته الرجعية لا الناشز ولا البائن ، ولا يلزم الولد إخراج فطرة زوجة أبيه الفقير لأنه لا تجب عليه نفقتها .
ويبدأ بالأقرب فالأقرب، بنفسه فزوجته فأولاده ثم بقية القرابة أقربهم فأقربهم على حسب قانون الميراث.
- قال الشافعي رحمه الله: وَمَنْ قُلْت تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ، فَإِذَا وُلِد، أَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ، أَوْ عِيَالِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ نَهَارِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَغَابَتْ الشَّمْسُ لَيْلَةَ هِلالِ شَوَّالٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهُ .. الأم : باب زكاة الفطر الثاني .
ولا تجب عن الحمل الذي في البطن إلا إن يتطوع بها فلا بأس .
وَإِنْ مَاتَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ قَبْلَ أَدَائِهَا، أُخْرِجَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ .. وَلَوْ مَاتَ مَنْ يَمُونُهُ، بَعْدَ وُجُوبِ الْفِطْرَةِ، لَمْ تَسْقُطْ . المغني ج2.
والخادم إذا كان له أجرة مقدرة كل يوم أو كل شهر لا يُخرج عنه الصدقة لأنه أجير والأجير لا يُنفق عليه . الموسوعة 23/339
- وفِي إخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْ الْيَتِيمِ : قَالَ مَالِكٌ رحمه الله : يُؤَدِّي الْوَصِيُّ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ الْيَتَامَى الَّذِينَ عِنْدَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا . المدونة ج1 .
- إذا أسلم الكافر يوم الفطر : فقد قَالَ مَالِكٌ : مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ الْفِطْرِ . المدونة ج1
الدرس العاشر
مقدار الزكاة
مقدارها صاع من طعام بصاع النبي صلى الله عليه وسلم لما تقدم
لحديث أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ .. " رواه البخاري 1412
والوزن يختلف باختلاف ما يملأ به الصاع ، فعند إخراج الوزن لابد من التأكد أنه يعادل ملئ الصاع من النوع المخرَج منه ... وهو مثل 2.5 كيلو تقريباً
الأصناف التي تؤدى منها
الجنس الذي تُخرج منه هو طعام الآدميين ، من تمر أو بر أو أرز أو غيرها من طعام بني آدم .
ففي الصحيحين من حديث ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ ( وكان الشعير يومذاك من طعامهم ) البخاري 1408
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ . رواه البخاري 1414 .
فتخرج من غالب قوت البلد الذي يستعمله الناس وينتفعون به سواء كان قمحا أو أرزاً أو تمراً أو عدسا ...
قال الشافعي رحمه الله : وَإِنْ اقْتَاتَ قَوْمٌ ذُرَةً ، أَوْ دُخْنًا ، أَوْ سُلْتًا أَوْ أُرْزًا ، أَوْ أَيَّ حَبَّةٍ مَا كَانَتْ مِمَّا فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَهُمْ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْهَا . الأم للشافعي ج2 باب الرجل يختلف قوته .
وقال النووي رحمه الله : قَالَ أَصْحَابُنَا : يُشْتَرَطُ فِي الْمُخْرَجِ مِنْ الْفِطْرَةِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الأَقْوَاتِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْعُشْرُ ( أي في زكاة الحبوب والثمار ) ، فَلا يُجْزِئُ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِهَا إلا الأَقِطَ وَالْجُبْنُ وَاللَّبَنُ .
وقال ابن القيم رحمه الله : فَإِنْ قِيلَ : فَأَنْتُمْ تُوجِبُونَ صَاعَ التَّمْرِ فِي كُلِّ مَكَان ، سَوَاءٌ كَانَ قُوتًا لَهُمْ أَوْ لَمْ يَكُنْ . قِيلَ : هَذَا مِنْ مَسَائِلِ النِّزَاعِ وَمَوَارِدِ الاجْتِهَادِ ، فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُوجِبُ ذَلِكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُوجِبُ فِي كُلِّ بَلَدٍ صَاعًا مِنْ قُوتِهِمْ ، وَنَظِيرُ هَذَا تَعْيِينُهُ صلى الله عليه وسلم الأَصْنَافَ الْخَمْسَةَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ وَأَنَّ كُلَّ بَلَدٍ يُخْرِجُونَ مِنْ قُوتِهِمْ مِقْدَارَ الصَّاعِ ، وَهَذَا أَرْجَحُ وَأَقْرَبُ إلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ، وَإِلا فَكَيْفَ يُكَلَّفُ مَنْ قُوتُهُمْ السَّمَكُ مَثَلا أَوْ الأَرُزُّ أَوْ الدُّخْنُ إلَى التَّمْرِ .. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ . إعلام الموقعين ج2 .
إخراج القيمة
قال العلامة القرضاوي
ذهب الأئمة الثلاثة، أحمد ومالك وأبو حنيفة، إلى عدم جواز إخراج قيمة زكاة الفطر، وأرى أن هذا فيه قدر من التشدد حين يحتاج الناس إلى القيمة ومما يدل على ذلك، أي جواز إخراج القيمة أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "أغنوهم يعني المساكين في هذا اليوم" والإغناء يتحقق بالقيمة كما يتحقق بالطعام وربما كانت القيمة أفضل من كثرة الطعام وعند الفقير تحوجه إلى بيعها والقيمة تمكنه من شراء ما يلزمه من الأطعمة والملابس وسائر الحاجات.
ومما يدل على جواز القيمة ما ذكره ابن المنذر: أن الصحابة أجازوا إخراج نصف الصاع من القمح، لأنهم رأوه معادلا في القيمة للصاع من التمر أو الشعير، ثم إن هذا هو الأيسر بالنظر لعصرنا وخاصة في المناطق الصناعية التي لا يتعامل الناس فيها إلا بالنقود كما أنه - في أكثر البلدان وفي غالب الأحيان - هو الأنفع للفقراء.
والذي يلوح لي أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم إنما فرض زكاة الفطر من الأطعمة لسببين: الأول: لندرة النقود عند العرب في ذلك الحين فكان إعطاء الطعام أيسر على الناس.
والثاني أن قيمة النقود تختلف وتتغير قوتها الشرائية من عصر إلى عصر بخلاف الصاع من الطعام فإنه يشبع حاجة بشرية محددة كما أن الطعام في ذلك العهد أيسر على المعطي وأنفع للآخذ.
ومن هذا يتضح أن الأفضلية تقاس بمدى انتفاع الفقير بما يدفع له فإذا كان انتفاعه بالطعام أكثر كان دفعه أفضل كما في حالة المجاعة والشدة وإن كان انتفاعه بالنقود أكثر كان دفعها إليه أفضل
ويجوز أداء قيمة الصاع نقوداً فهي أنفع للفقير، وأيسر في هذا العصر، وهو مذهب الأحناف وروي عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري.موقع القرضاوي وفقه الزكاة للقرضاوي بتصرف(2/960).
الدرس الحادي عشر
وقت الإخراج
قال العلامة د. يوسف القرضاوي
روي الشيخان وغيرهما عن ابن عمر أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أمر بزكاة الفطر أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة يريد صلاة العيد، ذلك أن المجتمع كان صغيراً ومحدودا والفقراء فيه معروفون وبيوتهم متقاربة فيستطيعون إيصال زكاة الفطر إليهم في هذا الوقت بيسر وسهولة إذ يستطيع الرجل أن يوصل للفقراء من أقاربه أو جيرانه ما أراد.
لكن في عصر الصحابة رأينا ابن عمر يقول: "كانوا يعطونها- أي الصحابة- قبل الفطر بيوم أو يومين" رواه البخاري، ذلك أن المجتمع اتسع عما كان في عهد النبوة فاقتضي ذلك أن يوسعوا وقت الإخراج وهم الذين يقتدى بهم وإلى ذلك ذهب أحمد وقال لا يجوز أكثر من ذلك يعني يوما أو يومين، وهو المعتمد عند المالكية أيضاً، وأجاز بعضهم التقديم ثلاثة أيام، وقال بعض الحنابلة: يجوز تعجيلها من بعد نصف الشهر، وقال الشافعي: يجوز من أول شهر رمضان، لأن سبب الصدقة الصوم والفطر، فإذا وجد أحد السببين جاز تعجيلها كزكاة المال فأشبهت زكاة المال، والقول بجواز إخراجها من بعد نصف الشهر أيسر على الناس بل نرجح جواز إخراجها من أول شهر رمضان كما رأي الإمام الشافعي، لأن المجتمع أصبح أكثر اتساعاً وتعقيداً في زمننا هذا، وخصوصا إذا كانت الدولة هي التي تتولي جمع زكاة الفطر فقد تحتاج إلى زمن لتنظيم جمعها وتوزيعها على المستحقين بحيث يتمكن المستحقون والفقراء من الاستفادة من زكاة الفطر لقضاء حاجاتهم.
ومثل ذلك إذا تولت زكاة الفطر مؤسسة أو جمعية إسلامية أو صندوق للزكاة، ثم إن هذا هو اليسر بالنظر لعصرنا .
• تؤدى قبل صلاة العيد كما في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم " أَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ . البخاري 1407
• ووقت الدفع له وقت استحباب ووقت جواز ،
فأما وقت الاستحباب فهو صباح يوم العيد للحديث السابق ، ولهذا يسن تأخير صلاة العيد يوم الفطر ليتسع الوقت لمن عليه إخراجها ، ويفطر قبل الخروج ، كما يسن تعجيل صلاة العيد يوم الأضحى ليذهب الناس لذبح أضاحيهم ويأكلوا منها .
وأما وقت الجواز فهو قبل العيد بيوم أو يومين . ففي صحيح البخاري عن نافع قال : كان ابن عمر يعطي عن الصغير والكبير حتى أنه كان يعطي عن بنيّ وكان يعطيها الذين يقبلونها وكان يُعطون قبل الفطر بيوم أو بيومين .
ومعنى قوله ( الذين يقبلونها ) هم الجباة الذين ينصبهم الإمام لجمع صدقة الفطر .
• وعَنْ نَافِعٍ : إنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَبْعَثُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ إلَى الَّذِي تُجْمَعُ عِنْدَهُ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ بِثَلاثَةٍ . المدونة ج1 باب تعجيل الزكاة قبل حلولها .
• ويكره تأخيرها بعد صلاة العيد وقال بعضهم يحرم وتكون قضاء واستُدِل لذلك بحديث : مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ . " رواه أبو داود 1371 .
• قال في عون المعبود شرح أبي داود : والظاهر أن من أخرج الفطرة بعد الصلاة كان كمن لم يخرجها باعتبار اشتراكهما في ترك هذه الصدقة الواجبة . وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن إخراجها قبل صلاة العيد إنما هو مستحب فقط ، وجزموا بأنها تجزئ إلى آخر يوم الفطر ، والحديث يردّ عليهم ، وأما تأخيرها عن يوم العيد . فقال ابن رسلان : إنه حرام بالاتفاق لأنها زكاة ، فوجب أن يكون في تأخيرها إثم كما في إخراج الصلاة عن وقتها.
• فيحرم إذن تأخيرها عن وقتها بلا عذر لأن يفوت به المعنى المقصود ، وهو إغناء الفقراء عن الطلب يوم السرور فلو أخرّها بلا عذر عصى وقضى .
• ويجب أن تصل إلى مستحقها أو من ينوب عنه من المتوكلين في وقتها قبل الصلاة ، فلو أراد دفعها إلى شخص فلم يجده ولم يجد وكيلاً له وخاف خروج الوقت فعليه أن يدفعها إلى مستحق آخر ولا يؤخرها عن وقتها ، وإذا كان الشّخص يحب أن يدفع فطرته لفقير معيّن ويخشى أن لا يراه وقت إخراجها فليأمره أن يوكل أحداً بقبضها منه أو يوكله هو في قبضها له من نفسه فإذا جاء وقت دفعها فليأخذها له في كيس أو غيره ويبقيها أمانة عنده حتى يلقى صاحبها .
• وإذا وكّل المزكّي شخصا بإخراج الزكاة عنه فلا تبرأ الذمة حتى يتأكد أن الوكيل قد أخرجها ودفعها فعلاً مجالس شهر رمضان : أحكام زكاة الفطر للشيخ ابن عثيمين .
الدرس الثاني عشر
لمن تعطى ؟
• تصرف زكاة الفطر إلى الأصناف الثمانية التي تصرف فيها زكاة المال وهذا هو قول الجمهور .
• وذهب المالكية وهي رواية عن أحمد واختارها ابن تيمية إلى تخصيص صرفها للفقراء والمساكين .
• ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : وَتُقْسَمُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ تُقْسَمُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْمَالِ لا يُجْزِئُ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ ، .. وَيَقْسِمُهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَفِي الرِّقَابِ وَهُمْ الْمُكَاتَبُونَ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ . كتاب الأم : باب ضيعة زكاة الفطر قبل قسمها .
• قال النووي رحمه الله : بعدما ساق حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِمُعَاذٍ رضي الله عنه : { أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ } .. قال : وَلا يَجُوزُ دَفْعُ شَيْءٍ مِنْ الزَّكَوَاتِ إلَى كَافِرٍ , سَوَاءٌ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَزَكَاةُ الْمَالِ .. وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ : لا يُعْطَوْنَ ( أي الكفار ) .
• والمستحقون لزكاة الفطر من الفقراء ومن عليهم ديون لا يستطيعون وفاءها أو لا تكفيهم رواتبهم إلى آخر الشهر فيكونون مساكين محتاجين فيعطون منها بقدر حاجتهم .
إخراجها وتوزيعها
• الأفضل أن يتولى الإنسان قسْمها بنفسه : ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : وَأَخْتَارُ قَسْمَ زَكَاةِ الْفِطْرِ بِنَفْسِي عَلَى طَرْحِهَا عِنْدَ مَنْ تُجْمَعُ عِنْدَهُ .
• قال النووي رحمه الله : قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الْمُخْتَصَرِ " : وَتُقَسَّمُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ تُقَسَّمُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْمَالِ ، وَأُحِبُّ دَفْعَهَا إلَى ذَوِي رَحِمِهِ الَّذِينَ لا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ بِحَالٍ ، قَالَ : فَإِنْ طَرَحَهَا عِنْدَ مَنْ تُجْمَعُ عِنْدَهُ أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .. و..الأَفْضَلَ أَنْ يُفَرِّقَ الْفِطْرَةَ بِنَفْسِهِ و.. لَوْ دَفَعَهَا إلَى الإِمَامِ أَوْ السَّاعِي أَوْ مَنْ تُجْمَعُ عِنْدَهُ الْفِطْرَةُ لِلنَّاسِ وَأَذِنَ لَهُ فِي إخْرَاجِهَا أَجْزَأَهُ ، وَلَكِنَّ تَفْرِيقَهُ بِنَفْسِهِ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ . المجموع : ج6
• ويجوز أن يوكّل ثقة بإيصالها إلى مستحقيها وأما إن كان غير ثقة فلا ، قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ قَالَ سَمِعْت ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ وَرَجُلٌ يَقُولُ لَهُ : إنَّ ( فلانا ) أَمَرَنِي أَنْ أَطْرَحَ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : أَفْتَاك الْعِلْجُ بِغَيْرِ رَأْيِهِ ؟ اقْسِمْهَا ( أي تولّ أنت قسمتها بنفسك ) ، فَإِنَّمَا يُعْطِيهَا ابْنُ هِشَامٍ ( أي الوالي الذي يجمعها في المسجد ) أَحْرَاسَهُ وَمَنْ شَاءَ .(أي يعطيها لغير مستحقّيها) . الأم : باب ضيعة زكاة الفطر قبل قسمها .
• ونص الإمام أحمد رحمه الله على أنه يَجُوزُ صَرْفُ صَاعٍ إلَى جَمَاعَةٍ ، وَآصُعٍ إلَى وَاحِدٍ .
• وَقَالَ مَالِكٌ : لا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْهُ وَعَنْ عِيَالِهِ مِسْكِينًا وَاحِدًا . المدونة ج1 باب في قسم زكاة الفطر
• ويجوز للفقير إذا أخذ الفطرة من شخص وزادت عن حاجته أن يدفعها هو عن نفسه أو أحد ممن يعولهم إذا علم أنها تامة مجزئة
مكان الإخراج
قال ابن قدامة رحمه الله : فَأَمَّا زَكَاةُ الْفِطْرِ فَإِنَّهُ يُفَرِّقُهَا فِي الْبَلَدِ الَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِيهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَالُهُ فِيهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لأَنَّهُ سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ ، فَفُرِّقَتْ فِي الْبَلَدِ الَّذِي سَبَبُهَا فِيهِ . المغني ج2 فصل إذا كان المزكي في بلد وماله في بلد .
وورد في المدونة في فقه الإمام مالك رحمه الله : قُلْتُ : مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ إفْرِيقِيَّةَ وَهُوَ بِمِصْرَ يَوْمَ الْفِطْرِ أَيْنَ يُؤَدِّي زَكَاةَ الْفِطْرِ ؟ قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : حَيْثُ هُوَ ، قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ أَدَّى عَنْهُ أَهْلُهُ بِإِفْرِيقِيَّةَ أَجْزَأَهُ ( ومصطلحهم في كلمة إفريقية يختلف عما هو عليه الآن ) ج1. باب في إخراج المسافر زكاة الفطر.
الدرس الثالث عشر
صلاة العيدين
سبب التسمية: سمي العيد بهذا الاسم؛ لأن لله تعالى فيه عوائد الإحسان أي أنواع الإحسان العائدة على عباده في كل عام، منها الفطر بعد المنع عن الطعام وصدقة الفطر، وإتمام الحج بطواف الزيارة، ولحوم الأضاحي وغيرها؛ ولأن العادة فيه الفرح والسرور والنشاط والحبور غالباً بسبب ذلك، وأصل معنى (عيد) لغةً: عود، والعود هو الرجوع، فهو يعود ويتكرر بالفرح كل عام. "وهبة الزحيلي الفقه الإسلامي وأدلته".
وشرعت صلاة العيدين في السنة الأولى من الهجرة، وهي سنة مؤكدة واظب النبي صلى الله عليه وسلم عليها وأمر الرجال والنساء أن يخرجوا لها.
ولها أبحاث نوجزها فيما يلي:
(1) استحباب الغسل والتطيب، ولبس أجمل الثياب: فعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس برد حبرة في كل عيد. وبرد حبرة: نوع من برود اليمن رواه الشافعي والبغوي.
(2) الأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى: يسن أكل تمرات وترا قبل الخروج إلى الصلاة في عيد الفطر وتأخير ذلك في عيد الأضحى حتى يرجع من المصلى فيأكل من أضحيته إن كان له أضحية.
قال أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترًا رواه أحمد والبخاري.
وقال ابن قدامة: لا نعلم في استحباب تعجيل الاكل يوم الفطر اختلافا.
(3) الخروج إلى المصلى: صلاة العيد يجوز أن تؤدى في المسجد، ولكن أداءها في المصلى خارج البلد أفضل، ما عدا مكة فإن صلاة العيد في المسجد الحرام أفضل، ما لم يكن هناك عذر كمطر ونحوه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العيدين في المصلى وهو موضع بباب المدينة الشرقي، ولم يصل العيد بمسجده إلا مرة لعذر المطر.
(4) خروج النساء والصبيان: يشرع خروج الصبيان والنساء في العيدين للمصلى من غير فرق بين البكر والثيب والشابة والعجوز والحائض، لحديث أم عطية قالت: "أمرنا أن نخرج العواتق- البنات الأبكار- والحيض في العيدين يشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزل الحيض المصلى" متفق عليه..
(5) مخالفة الطريق: ذهب أكثر أهل العلم إلى استحباب الذهاب إلى صلاة العيد في طريق والرجوع في طريق آخر سواء كان إماما أو مأموما، فعن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى العيد يرجع في غير الطريق الذي خرج فيه. رواه أحمد ومسلم.
(6) وقت صلاة العيد: وقت صلاة العيد من ارتفاع الشمس قدر ثلاثة أمتار إلى الزوال، لما أخرجه أحمد بن الحسن البناء من حديث جندب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بنا الفطر والشمس على قيد رمحين, والأضحى على قيد رمح،" والرمح يقدر بثلاثة أمتار".
قال الشوكاني: إنه أحسن ما ورد من الأبحاث في تعيين وقت صلاة العيدين.
وفي الحديث استحباب تعجيل صلاة عيد الأضحى وتأخير صلاة الفطر.
قال ابن قدامة: ويسن تقديم الأضحى ليتسع وقت الضحية وتأخير الفطر ليتسع وقت إخراج صدقة الفطر، ولا أعلم فيه خلافا.
الدرس الرابع عشر
(7) الأذان والإقامة للعيدين: عن ابن عباس وجابر قالا: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى. متفق عليه.
ولمسلم عن عطاء قال: أخبرني جابر أن لا أذان الصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعدما يخرج ولا إقامة ولا نداء ولا شئ، لا نداء يومئذ ولا إقامة.
وعن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيد بغير أذان ولا إقامة، وكان يخطب خطبتين قائما يفصل بينهما بجلسة.رواه البزار.
(8) التكبير في صلاة العيدين: صلاة العيد ركعتان يسن فيهما أن يكبر المصلي قبل القراءة في الركعة الأولى سبع تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمس تكبيرات غير تكبيرة القيام، مع رفع اليدين مع كل تكبيرة.
فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في عيد اثنتي عشرة تكبيرة، سبعا في الأولى وخمسا في الآخرة،ولم يصل قبلها ولا بعدها. رواه أحمد وابن ماجه.
وهذا القول هو أرجح الأقوال وإليه ذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة.
واستحب أحمد والشافعي الفصل بين كل تكبيرتين بذكر الله مثل أن يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وقال أبو حنيفة ومالك يكبر متواليا من غير فصل بين التكبير بذكر.
والتكبير سنة لا تبطل الصلاة بتركه عمدا ولا سهوا، ورجح الشوكاني أنه إذا تركه سهوا لا يسجد للسهو.
(9) الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها: لم يثبت أن لصلاة العيد سنة قبلها ولا بعدها، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه يصلون إذا انتهوا إلى المصلي شيئا قبل الصلاة ولا بعدها، قال ابن عباس: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عيد فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما. رواه الجماعة.
(10) من تصح منهم صلاة العيد: تصح صلاة العيد من الرجال والنساء مسافرين كانوا أو مقيمين جماعة أو منفردين، في البيت أو في المسجد أو في المصلى.
ومن فاتته الصلاة مع الجماعة صلى ركعتين، قال البخاري: (باب) إذا فاته العيد يصلي ركعتين وكذلك النساء ومن في البيوت والقرى، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا و هذا عيدنا". عن عائشة في صحيح الجامع للألباني.
(11) خطبة العيد: الخطبة بعد صلاة العيد سنة والاستماع إليها كذلك.
فعن أبي سعيد قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، وإن كان يريد أن يقطع بعثا- أي يخرج طائفة من الجيش إلى جهة- أن يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف، قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك
حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذت بثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله، فقال: أبا سعيد!...قد ذهب ما تعلم.
فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم.
فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة. متفق عليه.
ويستحب افتتاح الخطبة بحمد الله تعالى، ولم يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير هذا، قال ابن القيم: كان صلى الله عليه وسلم يفتتح خطبه كلها بالحمد لله ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيد بالتكبير، وإنما روى ابن ماجه في سننه عن سعيد، مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يكبر بين أضعاف الخطبة ويكثر التكبير في خطبة العيدين، وهذا لا يدل على أنه يفتتحها به.
(12) قضاء صلاة العيد: قال أبو عمير بن أنس: حدثني عمومتي من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أغمي علينا هلال شوال وأصبحنا صياما فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم رسول الله أن يفطروا وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد.رواه أحمد والنسائي وابن ماجه بسند صحيح.
وفي هذا الحديث حجة للقائلين بأن الجماعة إذا فاتتها صلاة العيد بسبب عذر من الأعذار أنها تخرج من الغد فتصلي العيد.
(13) اللعب واللهو والأكل في الأعياد: اللعب المباح، واللهو البريء، ذلك من شعائر الدين التي شرعها الله في يوم العيد، رياضة للبدن وترويحا عن النفس، قال أنس: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما قال: قد أبدلكم الله تعالى بهما خيرًا منهما يوم الفطر والأضحى) رواه النسائي وابن حبان بسند صحيح.
وقالت عائشة: إن الحبشة كانوا يلعبون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد فاطلعت من فوق عاتقه فطأطأ لي منكبيه فجعلت أنظر إليهم من فوق عاتقه حتى شبعت ثم انصرفت رواه أحمد والشيخان.
(14) استحباب التهنئة بالعيد: عن جبير بن نفير قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: (تقبل منا ومنك). قال الحافظ إسناده حسن.
(16) التكبير في أيام العيدين: التكبير في أيام العيدين سنة.
ففي عيد الفطر قال الله تعالى: (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) وفي عيد الأضحى قال: (واذكروا الله في أيام معدودات).
وقال: (كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم)، وجمهور العلماء على أن التكبير في عيد الفطر من وقت الخروج إلى الصلاة إلى ابتداء الخطبة.
وقد روي في ذلك أحاديث ضعيفة وإن كانت الرواية صحت بذلك عن ابن عمر وغيره من الصحابة، قال الحاكم: هذه سنة تداولها أهل الحديث، وبه قال مالك وأحمد وإسحق وأبو ثور، وقال قوم التكبير من ليلة الفطر إذا رأوا الهلال حتى يغدوا إلى المصلى وحتى يخرج الإمام، ووقته في عيد الأضحى من صحيح يوم عرفة إلى عصر أيام التشريق وهي اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة.
قال الحافظ في الفتح: ولم يثبت في شيء من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود إنه من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام منى. أخرجه ابن المنذر وغيره.
وبهذا أخذ الشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد وهو مذهب عمر وابن عباس.
والتكبير في أيام التشريق لا يختص استحبابه بوقت دون وقت، بل هو مستحب في كل وقت من تلك الأيام، قال البخاري: وكان عمر رضي الله عنه يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل السوق حتى يرتج منى تكبيرا.
الدرس الخامس عشر
قيام رمضان
قيام رمضان أو صلاة التراويح تؤدى بعد صلاة العشاء، وقبل الوتر ركعتين، ركعتين، ويجوز أن تؤدى بعده، ولكنه خلاف الأفضل، ويستمر وقتها إلى آخر الليل.
روى الجماعة عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة، فيقول:"من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".
عدد ركعاته
روى الجماعة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم "ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة".
وروى ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن جابر: أنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم ثماني ركعات والوتر، ثم انتظروه في القابلة فلم يخرج إليهم.
"هذا هو المسنون الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه شيء غير ذلك، وصح أن الناس كانوا يصلون على عهد عمر وعثمان وعلي عشرين ركعة، وهو رأي جمهور الفقهاء من الحنفية والحنابلة وداود، قال الترمذي: وأكثر أهل العلم على ما روي عن عمر وعلي وغيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عشرين ركعة، وهو قول الثوري وابن المبارك والشافعي، وقال: هكذا أدركت الناس بمكة يصلون عشرين ركعة.
قال الزرقاني: وذكر ابن حبان أن التراويح كانت أولا إحدى عشرة ركعة، وكانوا يطيلون القراءة فثقل عليهم فخففوا القراءة وزادوا في عدد الركعات فكانوا يصلون عشرين ركعة غير الشفع والوتر بقراءة متوسطة، ثم خففوا القراءة وجعلوا الركعات ستا وثلاثين غير الشفع والوتر، ومضى الأمر على ذلك.
ويرى بعض العلماء أن المسنون إحدى عشرة ركعة بالوتر والباقي مستحب." فقه السنة
القراءة فيه
"ليس في القراءة في قيام رمضان شئ مسنون، وورد عن السلف أنهم كانوا يقومون المائتين ويعتمدون على العصي من طوم القيام، ولا ينصرفون إلا قبيل بزوغ الفجر فيستعجلون الخدم بالطعام مخافة أن يطلع عليهم.
وكانوا يقومون بسورة البقرة في ثمان ركعات، فإذا قرئ بها في اثنتي عشرة ركعة عد ذلك تخفيفا.
وقال القاضي: لا يستحب النقصان من ختمة في الشهر ليسمع الناس جميع القرآن، ولا يزيد على ختمة كراهية المشقة على من خلفه، والتقدير بحال الناس أولى، فإنه لو اتفق جماعة يرضون بالتطويل كان أفضل، كما قال أبو ذر: (قمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح ، يعني السحور.وكان القارئ يقرأ بالمائتين)" فقه السنة.
الدرس السادس عشر
ليلة القدروفضلها
ليلة القدر أفضل ليالي السنة لقوله تعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر.وما أدراك ما ليلة القدر. ليلة القدر خير من ألف شهر) أي العمل فيها، من الصلاة والتلاوة، والذكر، خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
ويستحب طلبها في الوتر من العشر الأواخر من رمضان، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في طلبها في العشر الأواخر من رمضان.
" كان إذا دخل العشر شد مئزره, و أحيا ليله, و أيقظ أهله ".رواه الشيخان، وشد مئزره، أي اعتزل النساء واشتد في العبادة.
للعلماء آراء في تعيين هذه الليلة، فمنهم من يرى أنها ليلة الحادي والعشرين، ومنهم من يرى أنها ليلة الثالث والعشرين ومنهم من يرى أنها ليلة الخامس والعشرين، ومنهم من ذهب إلى أنها ليلة التاسع والعشرين، ومنهم من قال: إنها تنتقل في ليالي الوتر من العشر الأواخر.
وأكثرهم على أنها ليلة السابع والعشرين.
روى أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان متحريها فليتحرها ليلة السابع والعشرين ".
وروى مسلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه عن أبي بن كعب أنه قال: "والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان - يحلف ما يستثني - ووالله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها، بيضاء، لا شعاع لها".
قيامها والدعاء فيها
1 - روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه ".
2 - وروى أحمد، وابن ماجه، والترمذي - وصححه - عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمت، أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي: " اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ".
الدرس السابع عشر
صلاة التراويح بالمسجد
هذه السنة في شهر رمضان، حيث تحيا المساجد بعمارها في لياليه المباركة، وهي نافلة يجوز إيقاعها بالمسجد، لكن اختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في التراويح، هل الأفضل أن تصلى في المسجد أو في البيت ؟ اختلفوا على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن صلاة التراويح جماعة بالمسجد سنة مؤكدة، وهذا قول الأحناف ، والشافعية ، والرواية الصحيحة عن الإمام أحمد ، ويرى ابن عبد البر من المالكية : أنها سنة على الكفاية ، واستدلوا بما يلي:
1 - عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: « قمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لن ندرك الفلاح، وكنا نسميه السحور ». رواه أحمد، وابن خزيمة .
الشاهد : " قمنا معه: أي صلينا معه " .
ووجه الدلالة:
أنهم صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث ليال من شهر رمضان في المسجد؛ إذ هي حالهم - غالبا - ولو كان في مكان غير المسجد لذكره.
2 - عن عائشة رضي الله عنها: « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح ناس يتحدثون بذلك، فلما كانت الليلة الثالثة كثر أهل المسجد فخرج فصلى، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفق رجال منهم ينادون: الصلاة، فلا يخرج فكمن (أي اختفى) رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر قام فأقبل عليهم بوجهه فتشهد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " أما بعد: فإنه لم يخفى علي شأنكم، ولكني خشيت أن تفترض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها ». رواه مسلم .
والشاهد: « خشيت أن تفترض عليكم ».
ووجه الدلالة:
أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها بالمسجد ثلاث مرات، ثم خشي أن تفترض على الأمة فتركها لهذه الخشية؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم رحيم بأمته.
وهذا يدل على آكدية سنيتها في المسجد؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما تركها خشية أن تفترض على أمته ، قال ابن تيمية: " وقد أمن ذلك بموته صلى الله عليه وسلم ".
3 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا الناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال: " ما هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن، وأبي بن كعب يصلي بهم، وهم يصلون بصلاته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصابوا، أو نعم ما صنعوا ». رواه أبو داود، وابن خزيمة.
الشاهد: قوله " أصابوا . . . نعم ما صنعوا " .
ووجه الدلالة:
حيث أقر صلى الله عليه وسلم صلاة هؤلاء الصحابة وسر بها؛ مما دل على أنها سنة مؤكدة.
القول الثاني : أن صلاة التراويح بالمسجد غير مسنونة؛ بل الانفراد فيها أفضل، قال مالك : " إن كان يقوى في بيته فهو أحب إلي، وليس كل الناس يقوى على ذلك "، قال في حاشية الدسوقي: " وندب فعلها في البيوت مشروط بثلاثة شروط:
1- ألا تعطل المساجد.
2- وأن ينشط بفعلها في بيته.
3- وأن يكون غير آفاقي بالحرمين، فإن تخلف شرط منها: كان فعلها في المسجد أفضل ".واستدلوا بما يلي:
1 - عن زيد بن ثابت قال: « احتجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حجيرة بخصفة أو حصير ، فخرج رسول الله يصلي فيها، فتتبع إليه رجال جاءوا يصلون بصلاته، قال: ثم جاءوا ليلة فحضروا، وأبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، قال: فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب(أي رموه بالحصباء وهي الحصى الصغار تنبيهًا له)، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبًا فقال لهم: " ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة ». رواه مسلم . وفي رواية له أيضًا: « ولو كتب عليكم ما قمتم به ».
الشاهد: « أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة » .
ووجه الدلالة:
حيث أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم الأفضلية على جميع الصلوات في البيت، واستثنى المكتوبة فقط؛ مما يدل على أن فعل التراويح في البيت أفضل.
2 -أن فعل التراويح بالبيت قد فعله طائفة من علماء السلف، قال ابن عبد البر: " وروينا عن ابن عمر وسالم وإبراهيم ونافع: أنهم كانوا ينصرفون ولا يقومون مع الناس" .
وروى ابن أبي شيبة: أن السائب بن يزيد، وحذيفة، وإبراهيم النخعي وسويد بن غفلة: لا يتنفلون بالمساجد .
فالتراويح نافلة، وهؤلاء لا يتركون المسنونات دائما؛ مما دل على أنهم يرون فعلها في البيوت أفضل من المسجد.
القول الثالث: أن صلاة التراويح يجب فعلها في المسجد وجوبا على الكفاية، فإذا قام به من يكفي، سقط عن الباقين، وحكى ابن عبد البر هذا القول عن الليث بن سعد، وأبي جعفر الطحاوي. ويرى الليث وجوب إخراج الناس من بيوتهم لأدائها في المسجد لو أطبقوا على تركها .
واستدل بأن عمر جمع الناس على أبي بن كعب في محضر من الصحابة، ولم يظهر له مخالف فصار إجماعا؛ ولأنها من شعائر المسلمين في رمضان، وعلى أدائها بالمسجد عمل صالح سلف المؤمنين منذ عهد عمر (3) إلى الآن بحمد الله تعالى .
المناقشة والترجيح:
بتمعن الأدلة: نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك التراويح في المسجد خشية أن تفرض على الأمة، والحديث تشهد له الأدلة الصحيحة، وأن أداء التراويح في البيوت أفضل، ولكن في زمننا هذا: الناس يتكاسلون عن الفرائض، فكيف بالنوافل؟! خاصة وأن في هذا الشهر الكريم أهل الباطل يغرون الناس بالبرامج والمسلسلات والأفلام التي لا تزيد إيمانا ولا تحقق تقوى في شهر التقوى.
ولهذا: فإن أداءها في المساجد في هذا الزمان خير للناس، لما فيها من المصالح في اجتماع الناس على الطاعة، وتذكير الإمام لهم، وتزودهم بالعلم النافع والعمل الصالح.
وإذا كانت الصلاة مع إمام حسن الصوت، جيد التلاوة، ينشط السامع إذا صلى وراءه، وسمع تلاوته، وكان ذلك سببا لجلب الناس إلى المسجد، وتعاونهم على الخير، فإن أداءها في هذا المسجد له منافع عظيمة.
وأداؤها في البيت لمن يصلي بأهله ويناصحهم أفضل، وأشد تأثيرا في بناء الأسرة، وتوعيتهم بأمور دينهم، والسير بهم على صراط مستقيم.
وصايا رمضانية
أوصيك أخي الحبيب بعدم التفريط بصلاة المغرب جماعة، فقد همَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت من يصلي في بيته، ومن وضع الطعام بنفسه فليس بمعذور، إنما العذر حيث وضع الطعام دون اختيارك وقصدك.
ونوصي المسلمين بقيام رمضان لقوله صلى الله عليه وسلم " من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " رواه البخاري ( 37 ) ومسلم ( 759 ) .
وهذه الصلاة ينبغي أن تكون على هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قدر المستطاع، فقد وصفت عائشة رضي الله عنها صلاته فقالت " فلا تسأل عن طولهن وحسنهنَّ " رواه البخاري ( 1096 ) ومسلم ( 738 ) .
وكثير من الناس – هداهم الله – يبحثون عن الإمام الذي ينقر صلاته نقراً، فلا يقيم أركانها، ولا يعطيها حقَّها ومستحقَّها، ويظن الواحد منهم أنها همٌّ يريد إزاحتها عن نفسه، وإلقاءَها عن ظهره، أو أنها مفروض عليه أداؤها، ولا يدري المسكين أنها نافلة، والأصل في النوافل الطاعة بحب وإطالة، ثم تجد كثيراً من هؤلاء قد فرَّطوا في الفرائض، فلا تجدهم في صلاة الفجر، ولا في المغرب من باب أولى وأحرى.
وإن تيسر لك أخي المسلم عمرة في رمضان، فلا تفوِّت هذه الفرصة، فقد قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم " عمرة في رمضان تعدل حجة ". رواه البخاري ( 1690 ) ومسلم – واللفظ له – ( 1256 ) .
وإياك أن تكون من عبَّاد رمضان، فتصلي وتصوم وتقرأ القرآن فيه، ثم تقول في آخر يوم منه " هذا فِراقٌ بيني وبينكم " !!فإنَّ ربَّ رمضان غيرُ غافلٍ عنك بعده.
أحاديث لا تصح في رمضان
الوحي المنزل من الله عز وجل هو الكتاب والسنة، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أحد مصادر التشريع الإسلامي وقد تعهد الها عز وجل بحفظ الكتاب والسنة بقوله: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}الحجر، إلا أننا نجد أعداء الشريعة أو جهلة العباد قد أدخلوا في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس منها، من ضعيف وموضوع ومكذوب .
وحديث النبي صلى الله عليه وسلم من حيث صحة نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى قسمين:
1- الثابت: ويشمل على الحديث الصحيح، والحسن وهذان القسمان يجب العمل بهما لقول الله عزوجل: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }الحشر.
2- غير الثابت: ويشتمل على الضعيف، الموضوع، المنقطع المقطوع، الشاذ، المنكر، وغيرها من الأقسام، فلا يجوز العمل به لا في العقائد ولا في العبادات ولا المعاملات، على القول الصحيح الراجح، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" البخاري عن عبدالله بن عمرو.
والناس مع أحاديث النبي من حيث الثبوت أنواع:
1- العالم الذي يستطيع النظر في الأسانيد ومعرفة صحيحها من ضعيفها والحكم عليها.
2- المتبع الذي يفهم كلام أهل العلم على الأحاديث في التضعيف والتصحيح.
3-المقلد وهو غير متخصص في الحكم على الأسانيد ولا يستطيع فهم كلام أهل العلم في التصحيح والتضعيف، وهذا يقلد من يثق في علمه ودينه في أحكامه على الأسانيد والمتون.
وهناك كتب كثيرة يمكن الرجوع إليها لمعرفة الأحاديث الصحيحة وتمييزها عن الغير الثابتة الضعيفة ومن تلك الكتب: كشف الخفا ومزيل الإلباس للعجلوني، صحيح وضعيف الجامع الصغير للشيخ الألباني، وغيرهما ومنها.
1- حديث: ( اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان ) رواه البزار والطبراني وفي سنده زائدة بن أبي الرقاد، قال عنه البخاري: منكر الحديث. وضعفه النسائي، وابن حبان. وقد بيَّن بطلانه ابن حجر في ( تبيين العجب بما ورد في رجب ).
2- حديث: (أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم شهر مبارك شهر فيه ليلة خير من ألف شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعا من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة وشهر يزداد فيه رزق المؤمن من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء قالوا: ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم فقال: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار من خفف عن مملوكه غفر الله له وأعتقه من النار واستكثروا فيه من أربع خصال : خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غنى بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه وأما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار ومن أشبع فيه صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة ).
وهو معروف بحديث سلمان الفارسي. مع الأسف كثيرًا ما نسمع من الخطباء من يجعل خطب هذا الشهر في شرح هذا الحديث مع أنه حديث باطل. رواه ابن خزيمة وقال: إن صح الخبر، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، وسعيد بن المسيب لم يسمع منه، وفي إسناده اضطراب وفي متنه نكارة.
3- حديث: (لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان فقال رجل من خزاعة: حدثنا به ! قال: " إن الجنة تزين لرمضان من رأس الحول إلى الحول حتى إذا كان أول يوم رمضان هبت ريح من تحت العرش فصفقت ورق الجنة، فنظر الحور العين إلى ذلك فقلن: يا رب اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر أزواجاً تقر أعيننا بهم وتقر أعينهم بنا، فما من عبد يصوم رمضان إلا زوج زوجة من الحور العين في خيمة من درة مجوفة مما نعت الله: {حور مقصورات في الخيام} على كل امرأة منهن سبعون حلة ليس فيها حلة على لون الأخرى ويعطى سبعون لوناً من الطيب ليس منها لون على ريح الآخر، لكل امرأة منهن سبعون سريراً من ياقوتة حمراء موشحة بالدر، على كل سرير سبعون فراشاً بطائنها من استبرق، وفوق السبعين فراشاً سبعون أريكة، لكل امرأة منهن سبعون ألف وصيفة لحاجاتها وسبعون ألف وصيف مع كل وصيف صحفة من ذهب فيها لون طعام يجد لآخر لقمة منه لذة لا يجد لأوله ويعطى زوجها مثل ذلك على سرير من ياقوتة حمراء عليه سواران من ذهب موشح بياقوت أحمر، هذا لكل يوم صام رمضان سوى ما عمل من الحسنات ) رواه أبو يعلى 9/180 وقال: في سنده جرير بن أيوب ضعيف. وأخرجه ابن خزيمة 1886 وقال: إن صح الخبر.
4- حديث: ( صوموا تصحوا ) قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ( 1 / 420 ):
ضعيف، وقال الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " ( 3 / 75 ) رواه الطبراني في
" الأوسط " و أبو نعيم في " الطب النبوي " من حديث أبي هريرة بسند ضعيف .
5- حديث عبد الرحمن بن سمرة الطويل: (إني رأيت البارحة عجبًا رأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءه وضوءه فاستنقذه من ذلك و رأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءته صلاته فاستنقذته من ذلك و رأيت رجلا من أمتي احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله فخلصه منهم و رأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا فجاءه صيام رمضان فسقاه ورأيت رجلا من أمتي من بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة فجاءته حجته وعمرته فاستخرجاه من الظلمة ورأيت رجلا من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره لوالديه فرده عنه ورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه فجاءته صلة الرحم فقالت: إن هذا كان واصلا لرحمه فكلمهم وكلموه وصار معهم ورأيت رجلا من أمتي يأتي النبيين وهم حلق حلق كلما مر على حلقة طرد فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده فأجلسه إلى جنبي ورأيت رجلا من أمتي يتقي وهج النار بيديه عن وجهه فجاءته صدقته فصارت ظلا على رأسه وسترا عن وجهه ورأيت رجلا من أمتي جاءته زبانية العذاب فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من ذلك ورأيت رجلا من أمتي هوى في النار فجاءته دموعه اللاتي بكى بها في الدنيا من خشية الله فأخرجته من النار ورأيت رجلا من أمتي قد هوت صحيفته إلى شماله فجاءه خوفه من الله تعالى فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه ورأيت رجلا من أمتي قد خف ميزانه فجاءه أفراطه فثقلوا ميزانه ورأيت رجلا من أمتي على شفير جهنم فجاءه وجله من الله تعالى فاستنقذه من ذلك ورأيت رجلا من أمتي يرعد كما ترعد السعفة فجاءه حسن ظنه بالله تعالى فسكن رعدته ورأيت رجلا من أمتي يزحف على الصراط مرة ويحبو مرة فجاءته صلاته علي فأخذت بيده فأقامته على الصراط حتى جاز ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله فأخذت بيده فأدخلته الجنة).قال الألباني (ضعيف) انظر حديث رقم: 2086 في ضعيف الجامع.) ورواه الطبراني بإسنادين في أحدهما سليمان بن أحمد الواسطي، وفي الآخرخالد بن عبد الرحمن المخزومي، وكلامها ضعيف انظر:( إتحاف السادة المتقين 8/119 ) وضعَّفه ابن رجب.
6- حديث: ( الصائمون ينفخ من أفواههم ريح المسك، ويوضع لهم مائدة تحت العرش ) ذكره السيوطي في الدر المنثور 1/182 وضعَّفه ابن رجب وغيره .
7- حديث: (إن الجنة لتزخرف لرمضان من رأس الحول إلى الحول, فإذا كان أول ليلة من رمضان هبت ريح من تحت العرش فصفقت ورق الجنة عن الحور العين, فقلن يا رب اجعل
لنا من عبادك أزواجا تقر بهم أعيننا, وتقر أعينهم بنا ".
قال الألباني في " السلسلة الضعيفة و الموضوعة " ( 3/493 ): منكر، ورواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه الوليد بن الوليد القلانسي، وهو متروك.
8- حديث: ( الصائم إذا أُكل عنده صلت عليه الملائكة ) أخرجه ابن خزيمة، والترمذي، وابن ماجه، والطيالسي، قال الألباني في " السلسلة الضعيفة و الموضوعة " ( 3/502 ): ضعيف .
9- حديث: ( نوم الصائم عبادة ) أورده السيوطي في الجامع الصغير، وعزاه للبيهقي ورمز له بالضعف من طريق عبد الله بن أبي أوفى. وضعفه زين الدين العراقي، والبيهقي والسيوطي. انظر الفردوس 4/248 ، وإتحاف السادة 4/322 .
10- حديث: ( من صلى العشاء الآخرة في جماعة في رمضان فقد أدرك ليلة القدر ) أخرجه الأصبهاني وأبو موسى المديني. وذكره مالك بلاغًا 1/321 وهو مرسل من كلام ابن المسيب، وجاء عند ابن خزيمة 2195 وفي سنده عقبة بن أبي الحسناء مجهول كما قال ابن المديني. فهو ضعيف.
11- حديث: ( كان إذا دخلت العشر اجتنب النساء واغتسل بين الأذانين، وجعل العشاء سحورًا ) حديث باطل، في سنده حفص بن واقد. قال ابن عدي: هذا الحديث من أنكر ما رأيت له. وجاء هذا الحديث بعدة أسانيد كلها ضعيفة.
12- حديث: ( من صام بعد الفطر يومًا فكأنما صام السنة )، وحديث: ( الصائم بعد رمضان كالكار بعد الفار ) ذكره صاحب كنز العمال 24142 وهو حديث ضعيف.
13- حديث: ( من صام رمضان وشوال والأربعاء والخميس دخل الجنة ) رواه أحمد 3/416 وفيه راوٍ لم يسمَّ، والحديث ضعيف.
14- حديث: ( لا تكتحل بالنهار وأنت صائم ) رواه أبو داود 2377 وقال : قال ابن معين: هو حديث منكر .
15- حديث: (ذاكر الله في رمضان مغفور له و سائل الله فيه لا يخيب) أورده السيوطي في الجامع الصغير 4312 وعزاه للطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب،وفي سنده هلال بن عبدالرحمن وهو ضعيف قال الألباني: (موضوع) انظر حديث رقم: 3038 في ضعيف الجامع.
16- حديث: ( الصوم في الشتاء ) رواه الترمذي 797 وهو مرسل، وفي سنده نمير بن عريب. لم يوثقه غير ابن حبان. وهو ضعيف، وكذلك حديث: (الشتاء ربيع المؤمن قصر نهاره فصام و طال ليله فقام) قال الألباني (ضعيف) انظر حديث رقم: 3430 في ضعيف الجامع.
17- حديث: ( استعينوا بطعام السحر على صيام النهار، وبالقيلولة على قيام الليل ) أخرجه الحاكم وابن ماجه وفي سنده زمعة بن صالح وسلمة بن وهرام ضعيفان قال الألباني: (ضعيف) انظر حديث رقم: 816 في ضعيف الجامع.
18- حديث: ( من أفطر يومًا من رمضان من غير عذر لم يجزئه صيام الدهر كله ولو صامه ) أخرجه أبو داود 2396 ، والترمذي 723 وقال : لا نعرفه إلا من هذا الوجه . وقال : سمعت محمدًا - يعني البخاري - يقول : في سنده أبو المطوس ولا أعرف له غير هذا الحديث , وقال ابن حجر في الفتح 4/161 : تفرد به أبو المطوس ولا أردي أسمع من أبي هريرة أم لا ، وقال الذهبي في الصغرى : لا يثبت قال الألباني: (ضعيف) انظر حديث رقم: 5462 في ضعيف الجامع..
19- حديث: ( اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت ) رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة 481 ، وأبو داود 2358 وفي سنده عبد الملك بن هارون بن عنترة ضعفه أحمد والدارقطني وقال ابن القيم في زاد المعاد 2/51 : لا يثبت هذا الحديث وقال الألباني: ضعيف الإرواء ( 919 ) ( 4 / 38 ) . .
20- حديث: ( تحفة الصائم الدهن والمجمر ) رواه الترمذي 801 وضعفه . وفي سنده سعد بن طريف ضعيف، قال الألباني: موضوع، انظر ضعيف الجامع الصغير ( 2402 ).
21- حديث: ( إن لله في كل ليلة ستمائة ألف عتيق من النار ، فإذا كان آخر ليلة أعتق الله بعدد ما مضى ) رواه البيهقي وهو مرسل من كلام الحسن البصري .
22- حديث: ( خصاء أمتي الصيام ) قال الألباني في مشكاة المصابيح 1/225 : لم أقف على سنده، لكن نقل الشيخ القاري 1/461 عن ميرك أن فيه مقالاً .
23- حديث: ( الصوم نصف الصبر ) في سنده موسى بن عبيدة . متفق على ضعفه . وقد أخرجه الترمذي 3519 ، وابن ماجه 1745 ، وأحمد والبيهقي . ضعَّفه الألباني في ضعيف الجامع .
24- حديث: (من قام ليلتي العيد محتسبا لله تعالى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب).
رواه ابن ماجه وفيه بقية مدلس وقد عنعن، قال الألباني: (ضعيف) انظر حديث رقم: 5742 في ضعيف الجامع.
25- حديث: ( ليس في الصوم رياء ) أخرجه البيهقي عن ابن شهاب الزهري مرسلاً ، قال الألباني: (ضعيف) انظر حديث رقم: 4907 في ضعيف الجامع.
26- حديث: ( صيام رمضان بالمدينة كصيام ألف شهر فيما سواه ) وفي لفظ : ( خير من ألف رمضان فيما سواه من البلدان ) أخرجه البيهقي وقال : إسناده ضعيف . وأخرجه الطبراني في الكبير، والضياء في المختارة. وقال الهيثمي: فيه عبد الله بن كثير وهو ضعيف . وقال الذهبي في الميزان: إسناد مظلم.
27- حديث: ( سيد الشهور شهر رمضان وأعظمها حرمة ذو الحجة ) رواه البزار والديلمي. وفيه يزيد بن عبد الملك النفيلي وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 3/140 .
28- حديث: ( إن في السماء ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله فإذا دخل رمضان استأذنوا ربهم أن يحضروا مع أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - صلاة الترايح ) أخرجه البيهقي في الشعب 3/337 موقوفًا على علي. وضعفه السيوطي في الدر المنثور 8/582 ، والمتقي النهدي في كنزل العمال 8/410 .
29- حديث: ( إن للصائم عنده فطره دعوة لا ترد ) أخرجه أحمد،والترمذي، وابن خزيمة، وابن ماجه، وفي سنده إسحاق بن عبيد الله المدني لا يعرف كما قال المنذري، وقد ضعَّف الحديث ابن القيم في زاد المعاد قال الألبانى فى "إرواء الغليل" 4/41 :( ضعيف(.
تم بحمد الله والمنة
محمد الباشا
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)