رسالة

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علمًا نافعًا



الثلاثاء، 25 مايو 2010

عــــاشــــــوراء

إن الإنسان يعيش في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، وكثرت فيه الفتن والشبهات، وأصبح الإنسان المكروب في كل هذه الفتن في أمس الحاجة إلى حبل يربطه بخالقه جل وعلا، وفي أمس الحاجة إلى صلة تسكب في قلبه الأمن والإيمان، والراحة والسكينة، والهدوء والاطمئنان، وأن يتوقف طويلاً طويلاً ليلتقط أنفاسه؛ ليترك كل هذه الفتن وكل هذه الأهواء، وكل هذا العالم الذي يتخبط ويتلاطم في الصراعات والخلافات؛ ليقف لحظة مع نفسه بين يدي الله جل وعلا، فيخشع قلبه، ويقشعر جلده، وتبكي وتدمع عينه، وبعدها يحس براحة لا يمكن على الإطلاق أن تعبر عنها كل الكلمات التي وردت في قواميس اللغة، لهذا كان حتمًا ولابد أن نجعل من تراثنا وماضينا الإسلامي ما يجدد إيماننا ويبعث الصفو بعد الكدر والحماسة بعد الفتور، وها نحن نمر في شهر الله المحرم أول شهر في العام الهجري بأول المناسبات "عاشوراء".
لم سمي بعاشوراء:
عاشوراء لاشتقاقه من العشر الذي هو اسم للعدد المعين مأخوذ من العشر الذي هو اسم الفعل (العاشر من المحرم)
متى شرع صومه:
أول ما شرع الصوم بعد الهجرة في يوم عاشوراء فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قدم النبي المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال ما هذا قالوا هذا يوم صالح هذا يوم نجي الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى قال: فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه رواه مسلم والبخاري
قوله "فصامه" أي النبي ليس معناه أنه صامه ابتداء لأنه قد علم في حديث آخر أنه كان يصومه قبل قدومه المدينة فعلى هذا معناه أنه ثبت على صيامه وداوم على ما كان عليه
حكم صومه:
اتفق العلماء على أن صوم يوم عاشوراء سنة وليس بواجب واختلفوا في حكمه أول الإسلام فقال أبو حنيفة كان واجبا واختلف أصحاب الشافعي على وجهين أشهرهما أنه لم يزل سنة من حين شرع ولم يك واجبا قط في هذه الأمة ولكنه كان يتأكد الاستحباب فلما نزل صوم رمضان صار مستحبا دون ذلك الاستحباب والثاني كان واجبا كقول أبي حنيفة وحصل الإجماع على أنه ليس بفرض إنما هو مستحب، وفي عون المعبود للعظيم آبادي - (7 / 77) "قال بعض العلماء:
ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه باليهود في إفراد العاشر وأن يضم إليه يوما آخر ليكون هديه مخالفا لأهل الكتاب، ويستحب أن يصوم قبله يوما أو بعده يوما فإن أفرده فهو مكروه للتشبه باليهود"أما حديث ابن عباس: "صوموا يوم عاشوراء و خالفوا فيه اليهود صوموا قبله يوما و بعده يوما"رواه أحمد والبيهقي في تحقيق الألباني ‏(‏ضعيف‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 3506 في ضعيف الجامع، فيكون الأكمل صوم التاسع والعاشر فقط‏‌.

فضل صومه:
عن أبي قتادة أن النبي قال: في صيام يوم عاشوراء" إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" رواه مسلم وفي رواية مسلم أيضا ذكر عند رسول الله عاشوراء فقال "كان يوم يصومه أهل الجاهلية فمن شاء صامه ومن شاء تركه"والجاهلية إنما هي قبل البعثة، وكان ابن عمر لا يصوم إلا أن يوافق صيامه وهذا كله يدل على الاختيار في صومه
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: ما رأيت النبي يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء وهذا الشهر يعني شهر رمضان أخرجه مسلم، قوله "يتحرى" من التحري وهو المبالغة في طلب الشيء، وقال الكرماني قالوا سبب تخصيصهما أن رمضان فريضة وعاشوراء كان أولا فريضة.
البدع فيه:
1- ما ورد في صلاة ليلة عاشوراء ويوم عاشوراء وفي فضل الكحل يوم عاشوراء لا يصح ومن ذلك حديث جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رفعه "من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبدا" وهو حديث موضوع وضعه قتلة الحسين رضي الله تعالى عنه، وقال الإمام أحمد والاكتحال يوم عاشوراء لم يرو عن رسول الله فيه أثر وهو بدعة.
2- ما ورد فيه من التوسعة على العيال وتعظيم اليوم بأكل مخصوص وهو ما ابتدعه الفاطميون من أكل "العشورة-البليلة"يوم عاشوراء وأكل الحلاوة في مولد النبي"الحصان والعروسة للصغار والحلاوة للكبار" وأكل الكحك في عيد الفطر حتى تتحول المناسبة من مخاطبة العقل والوجدان وهو الأصل إلى مخاطبة البطن، ومعها تنام الفكرة وتتوه العبرة ، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من وسع على أهله في يوم عاشوراء وسع الله عليه سنته كلها" يقول المنذري: إن سنده ضعيف وقال البيهقي: أسانيده كلها ضعيفة، وقال ابن رجب في اللطائف: لا يصح إسناده وفي تحقيق الألباني ‏(‏ضعيف‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 5873 في ضعيف الجامع‏.‏‌‏‌
الدروس المستفادة:
1- ما كان النبي تاركا الصوم في عاشوراء لتعظيم اليهود إياه، لأنهم كانوا يصومون شكرا لله، ولا يعني سؤال النبي صلى الله عليه وسلم اليهود عن صوم يوم عاشوراء أنه صامه تبعاً لهم، لا ، فصوم يوم عاشوراء كان معلومًا عند العرب قبل الإسلام، كانوا يصومونه ويجددون فيه كسوة الكعبة، فكان معلومًا لديهم، ولكن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لليهود -وهم أهل كتاب- ليعلم ما هو السبب عندهم، فذكروا له نجاة موسى من فرعون، فبين لهم أنه أحق بموسى منهم فصامه.
2- أنه كما يفرح بنجاة الصالحين ونصرة الدين كذلك يجوز الفرح بموت الفراعين والظالمين"غرق فرعون" فيوم نجى الله فيه موسى من فرعون يوم مبارك ومناسبة سعيدة ففيه نصرة الحق على الباطل، فحينما تتجدد للمسلمين نعمة كهذه فإنها تستحق الشكر، ويغبط الإنسان فيها، فمن شكرها أن تقدم للمولى سبحانه طاعة، لا أن تجعلها يوم لهو ولعب، وتخرج عن الآداب الإسلامية.
وقد ذكر ابن هشام في السيرة: أن النجاشي لما هاجر إليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من أمرهم ما كان، وأعطاهم الأمان والحرية في بلاده، فإذا في يوم من الأيام يستدعيهم، فخافوا ما الذي حصل؟! فلما دخلوا الديوان أذن لهم في الدخول عليه في المجلس الخاص الذي هو فيه، فلما دخل أصحاب رسول الله على النجاشي، وكانوا يظنونه في الهيئة والهيبة والسلطة والسلطان؛ فهو ملك، فإذا بهم يجدونه جالساً على التراب، لابساً المسوح، والمسوح نوع من اللباس خشن يتخذه بعض العباد للعبادة، ابتعاداً عن ترف القطن والكتان والحرير المحرم، زيادة في الخشوع والخضوع بين يدي الله، ورأوه حاسرًا رأسه، فلما رءوا هذا المنظر ظنوا أن الملك قد وقعت به مصيبة، فقال: أتدرون لم دعوتكم؟! قالوا: لا -والله- عجِّل، لماذا دعوتنا؟ قال: في هذا اليوم أتاني خبر بأن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم قد لقي عدوه من المشركين في أرض يقال لها: بدر، كثيرة الأراك، ترعى فيها الإبل، ونصره الله على عدوه، وقد جاء عن عيسى عليه السلام أنه قال: إن الله يحب من عبده إذا أنعم عليه نعمة أن يظهر منه التواضع، فلهذا تجدونني على ما أنا عليه على تراب بدون فراش، وفي مسوح لا في لباس الملك، حاسر الرأس لا ألبس عمامة، فمظاهر الذلة والخضوع إلى الله كلها تجمعت فيه.
وهكذا: إذا تجددت للمسلمين نعمة فيها نصر الحق على الباطل، كنعمة نجاة موسى من فرعون، وقد يقول إنسان: لقد تجددت النعم في الإسلام زمن رسول الله، فهذا يوم بدر يوم الفرقان، جعله الله فتحًا، وجعله الله فرقانًا بين الحق والباطل، فإذا كان الأمر كذلك فهل الرسول صام يوم بدر؟ نقول: لا، هذه أمور يتوقف فيها على الشرع، إثباتًا أو نفيًا، فهو مقدم على كل رأي، وما لم يكن فيه نص، ولم يكن فيه أمر أو نهي، وكان مجرد تجدد نعمة؛ فإن على الإنسان أن يشكر الله على هذه النعمة بالقيام بطاعة لله، لا كما نجعل بعض المناسبات أعيادًا بلعب وبطرب وبلهو!! لا، ليس هذا من باب التعبير عن شكر النعمة، بل التعبير الحقيقي عن شكر النعمة وشكر المنعم سبحانه هو أن نذل إليه، ونخضع بنوع من أنواع العبادات التي يحبها، والتي قد شرعها.
3- مخالفة غير المسلمين لتتميز الأمة المسلمة كما تميزت في قبلتها وأعيادها وسائر شعائرها وشرائعها يقول ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم:"يوضح ذلك أن كل ما جاء من التشبه بهم إنما كان في صدر الهجرة ثم نسخ ذلك لأن اليهود إذ ذاك كانوا لا يميزون عن المسلمين لا في شعور ولا في لباس لا بعلامة ولا غيرها، ثم إنه ثبت بعد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع الذي كمل ظهوره في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما شرعه الله من مخالفة الكافرين ومفارقتهم في الشعار والهدى وسبب ذلك أن المخالفة لهم لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوه "أما إذا كان هناك إيذء بالمسلمين وقت الاستضعاف جاز التشبه بهم وترك هدي الإسلام الظاهر لما فيه مصلحة بالإسلام والمسلمين يقول" فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم يشرع المخالفة لهم فلما كمل الدين وظهر وعلا شرع ذلك ومثل ذلك اليوم لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة".
4- أن يتعرف الصغار على المناسبات الإسلامية بل وتعويدهم على العبادات من الصلاة والصوم وغيرها وأن يكون لهذا مظهرا في البيت.
فعن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائما فليتم صومه ومن كان أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه فكنا بعد ذلك نصومه ونصوم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناهم إياه عند الإفطار
قال النووي في شرح مسلم:هَذَا الْحَدِيث تَمْرِينُ الصِّبْيَان عَلَى الطَّاعَات، وَتَعْوِيدُهُمْ الْعِبَادَاتِ، وَلَكِنَّهُمْ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ.
لا إفراد ليوم السبت
عن عبد الله بن بسر السلمي عن أخته الصماء أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجرة وفي لفظ إلا عود عنب أو لحاء شجرة فليمضغه" رواه أهل السنن الأربعة وقال الترمذي هذا حديث حسن وفي تحقيق الألباني ‏(‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 7358 في صحيح الجامع‏.‏‌
قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم:"وعلى هذا فيكون قوله لا تصوموا يوم السبت أي لا تقصدوا صيامه بعينه إلا في الفرض فإن الرجل يقصد صومه بعينه بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت فإنه يصومه وحده، وأيضا فقصده بعينه في الفرض لا يكره بخلاف قصده بعينه في النفل، فإنه يكره ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه أو موافقته عادة فالمزيل للكراهة في الفرض مجرد كونه فرضا لا للمقارنة بينه وبين غيره، وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه أو موافقته عادة ونحو ذلك .....ثم قال: وعلل ذلك بأنهم"اليهود" يتركون فيه العمل، والصوم مظنة ذلك فإنه إذا صام السبت والأحد زال الإفراد المكروه وحصلت المخالفة بصوم يوم فطرهم".
لذا ينبغي صوم التاسع من المحرم "يوم السبت" والعاشر عاشوراء"يوم الأحد" وعدم الاكتفاء بالتاسع لأمرين:
1- لقول النبي صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" رواه مسلم.
2- للنهي الوارد في الحديث على عدم إفراد صوم يوم السبت.

أسأل الله أن يقبل هذا الجهد القليل وأن ينفع به سائر المسلمين إنه ولي ذلك والقادر عليه أخوكم: محمد الباشا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق