رسالة

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علمًا نافعًا



الثلاثاء، 25 مايو 2010

أحكام الأضحية في الفقه الإسلامي


إن الأضحية شعيرةٌ من شعائر الله واجبٌ تعظيمها كما قال تعالى:{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج/32] .
وسنة من سنن الرسول  ينبغي الالتزام بها، وإحياؤها بالعمل بها ونشرها.
تعريف الأضحية لغةً:
الأضحية في لغة العرب فيها أربع لغات كما نقل الجوهري عن الأصمعي قوله:
[ وفيها أربع لغات، إضْحِيَّةٌ.
وأُضْحِيَّةٌ والجمع أضاحي.
وضَحِيَّةٌ على فعيلة، والجمع ضحايا.
وأضْحَاةٌ، والجمع أضحىً كما يقال أرطاةٌ وأرْطىً … ] (1) .
ويقال ضحَّى تضحيةً، إذا ذبح الأضحية وقت الضحى، هذا هو الأصل فيه كما قال أهل اللغة (2).
تعريف الأضحية عند الفقهاء(اصطلاحًا) .
"هي ما يذبح من النعم تقرباً إلى الله تعالى من يوم العيد إلى آخر أيام التشريق"(5)، بشرائط مخصوصة.
مشروعية الأضحية:
الأضحية مشروعة بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله  القولية والفعلية وانعقد الإجماع على ذلك.
أما الكتاب الكريم فقوله تعالى:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}{سورة الكوثر الآية2}.
قال القرطبي:{ فَصَلِّ لِرَبِّكَ} قال قتادة وعطاء وعكرمة "صلاة العيد يوم النحر".{وَانْحَر}أي " نُسُكك"، وقال سعيد بن جبير أيضاً: صل لربك صلاة الصبح المفروضة بجمع – أي مزدلفة – وانحر البدن بمنى … ] (1).
قال ابن كثير: والصحيح القول الأول أن المراد بالنحر ذبح المناسك (2).
ولا يخفى أن صلاة العيد داخلة في عموم قوله تعالى:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ}وأن الأضحية داخلة في عموم قوله تعالى:{وَانْحَرْ}(1).
الحكمة من الجمع بين الصلاة والنحر
قال شيخ الإسلام ابن تيمية
"أمر الله النبي أن يجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين وهما الصلاة والنسك الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن وقوة اليقين وطمأنينة القلب إلى الله، وإلى عونه وفضله، عكس حال أهل الكبر والنفرة وأهل الغنى عن الله، الذين لا حاجة لهم في صلاتهم إلى ربهم والذين لا ينحرون له خوفاً من الفقر ولهذا جمع بينهما في قوله تعالى: ( قل إن صلاتى ونسكي ...))
وقال: وأجل العبادات البدنية الصلاة، وأجل العبادات المالية النحر، وما يجتمع للعبد في الصلاة لا يجتمع له في غيرها من سائر العبادات كما عرفه أرباب القلوب الحية وأصحاب الهمم العالية وقد امتثل النبي  أمر ربه فكان كثير الصلاة، كثير النحر حتى نحر بيده في حجة الوداع ثلاثاً وستين بدنة وكان ينحر في الأعياد وغيرها .
قال تعالى : {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } (الحج:34 )
قال ابن كثير: "يخبر تعالى أنه لم يَزَل ذبحُ المناسك وإراقةُ الدماء على اسم الله مشروعًا في جميع الملل ".
وأما السنة النبوية الفعلية، فقد ثبت أن النبي  كان يضحي وكان يتولى ذبح أضحيته بنفسه  فمن ذلك:
أ. ما رواه البخاري بإسناده عن أنس  قال: (ضحى النبي  بكبشين أملحين(خالط بياضه سواده وأكثره بياض)، فرأيته واضعًا قدمه على صفاحهما( الصفح: الجنب) يسمِّي ويكبر فذبحهما بيده ).
ورواه مسلم ، ولفظه :( عن أنس قال: ضحى رسول الله  بكبشين أملحين أقرنين(لهما قرنان معتدلان) قال: ورأيته يذبحهما بيده ورأيته واضعًا قدمه على صفاحهما قال: وسمَّى وكبر ) (2).
ب. وعن عائشة رضي الله عنها :( أن رسول الله  أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأُتِيَ به ليضحي به، فقال لها: يا عائشة هلمي المدية، ثم قال: اشحذيها بحجر. ففعلت ثم أخذها وأخذ الكبش، فأضجعه ثم ذبحه ثم قال:بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد ثم ضحَّى به ) رواه مسلم (3).
ج. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (أقام رسول الله  بالمدينة عشر سنين يضحي ) رواه أحمد و الترمذي وقال: هذا حديث حسن (4).
د. وعن جابر  قال:( شهدتُ مع رسول الله  الأضحى بالمصلى، فلما قضى خطبته نزل من منبره، وأُتِيَ بكبش فذبحه رسول الله  بيده، وقال: بسم الله والله أكبر هذا عني وعمَّن لم يضح من أمتي ) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد ، وقال الشيخ الألباني: صحيح (5).
وأما السنة النبوية القولية، فقد وردت أحاديث كثيرة في الأضحية منها:
أ. عن البراء  قال: (قال النبي : إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، من فعله فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء.
فقام أبو بردة بن نيار وقد ذبح فقال: إن عندي جذعة فقال: اذبحها ولن تجزئ عن أحدٍ بعدك). رواه البخاري ومسلم (1).
ب. وعن جندب بن سفيان  قال: (شهدتُ الأضحى مع رسول الله  فلم يعدُ أن صَلَّى وفرغ من صلاته سَلَّمَ، فإذا هو يرى لحم أضاحِيَّ قد ذُبحت قبل أن يفرغ من صلاته، فقال: من كان ذبح أضحيته قبل أن يصلي أو نصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن كان لم يذبح فليذبح باسم الله ) رواه البخاري ومسلم واللفظ له (2).
ج. وعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي  قال :( إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره ولا بشره شيئاً ) رواه مسلم (3).
وقد أجمع المسلمون على مشروعية الأضحية (4).
فضل الأضحية:
قال الإمام ابن العربي المالكي:[ ليس في فضل الأضحية حديثٌ صحيحٌ، وقد روى الناس فيها عجائب لم تصح، منها قوله:( إنها مطاياكم إلى الجنة )](1).
الحكمة من مشروعية الأضحية
1- التقرب إلى الله بها:
قال سبحانه وتعالى: { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ{163} ( الأنعام : 162‘163)
والنسك هنا هو الذبح تقربًا إليه سبحانه وتعالى.
وقال الله تعالى : {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ }( الحج :37)
2- إحياء سنة إمام الموحدين إبراهيم الخليل عليه السلام:
قال تعالى : { فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ{103} وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ{104} قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{105} إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ{106} وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ{107} ( الصافات 102:107 )
قال صاحب الظلال: " ذكرى لهذا الحادث العظيم الذي يرتفع منارةً لحقيقة الإيمان، وجمال الطاعة، وعظمة التسليم، والذي ترجع إليه الأمة المسلمة لتعرف فيه حقيقة أبيها إبراهيم، الذي تتبع ملته، والذي ترث نسبه وعقيدته، ولتدرك طبيعة العقيدة التي تقوم بها أو تقوم عليها، ولتعرف أنها الاستسلام لقدر الله في طاعة راضية واثقة ملبية لا تسأل ربها لماذا؟ ولا تتلجلج في تحقيق إرادته عند أول إشارة منه وأول توجيه....فإذا عرف منها الصدق في هذا أعفاها من التضحيات والآلام، واحتسبها لها وفاء وأداء، وقبل منها وفدّاها ، وأكرمها كما أكرم أباها ](1).
3- شكر الله على ما سخر لنا من بهيمة الأنعام:
قال تعالى : { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ36}( الحج : 36 )
4ـ توحيد الصف ونشر الألفة والمحبة بين المسلمين والتعاون بينهما على البر والتقوى حيث يشترك سبعة أشخاص قي البقر والجاموس وسبعة أو عشرة في الإبل.
5ـ علامة على تقوى العبد
مما لاشك فيه أن الذبح يوم الأضحى من شعائر الله، وتعظيم هذه الشعيرة دليل على تقوى القلوب، قال تعالى : { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ } ) الحج : 32 (
6ـ الخير الذي يعود على المُضحي
قال تعالى: { وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ }( الحج : 36 )
قال ابن كثير: "إن بعض السلف كان يستدين ويسوق البٌدن، فقيل له: تستدين وتسوق البدن ؟! فقال: إني سمعت الله تعالى يقول: لكم فيها خير" .
7ـ التوسعة على الأهل والعيال والجيران فى أيام العيد:
أخرج الإمام مسلم من حديث نُتيْشَةَ الهُذَبىِّ رضي الله عنه قال، قال رسول الله  :" أيام التشريق أيام أكل وشرب، وزاد في رواية،وذكر لله "
حكم الأضحية
اختلف الفقهاء في حكم الأضحية على قولين:
القول الأول: الأضحيةُ سنةٌ مؤكدةٌ في حق الموسر، وهذا قول أكثر العلماء، وممن قال به مالك في القول المشهور عنه والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية وإسحاق وأبو ثور والمزني وداود وابن حزم الظاهريان وابن المنذر وغيرهم (1).
القول الثاني: الأضحيةُ واجبةٌ، وبهذا قال أبو حنيفة وابن تيمية وجماعة من أهل العلم على اختلافٍ بينهم في حق من تجب:
فقال ربيعة الرأي والليث بن سعد والأوزاعي ومالك في قولٍ عنه، الأضحيةُ واجبةٌ على المقيم والمسافر الموسر إلا الحاج بمنى فلا تجب عليه وإنما المشروع في حقه الهدي (2).
وقال أبو حنيفة الأضحيةُ واجبةٌ في حق المقيم الموسر، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية القول بوجوب الأضحية (3) .
سبب الأضحية: اختلاف الفقهاء في حكم
ويرجع سبب اختلاف الفقهاء في حكم الأضحية إلى أمرين:
الأول: هل فعل الرسول  محمول على الوجوب أم على الندب؟
حيث إنه قد ثبت عن الرسول  أنه كان يضحي كل عام كما ذكره ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي  أقام بالمدينة عشر سنين يضحي ) .
وهذا يعني أن النبي  لم يترك الأضحية قط، حتى إنه كان يضحي في السفر، كما ثبت في حديث ثوبان  قال: (ذبحَ رسولُ الله  ضحيته ثم قال: يا ثوبان أصلح لحم هذه. فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة ) رواه مسلم (1). ولمَّا أمر الرسول  أبا بردة بن نيار  بإعادة أضحيته إذ ذبح قبل صلاة العيد حيث قال : (من كان قد ذبح قبل الصلاة فليعد ) رواه البخاري ومسلم (2). فهم جماعة من الفقهاء من أمره  الوجوب (3).
قال الكاساني: قوله عز وجل {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}قيل صل صلاة الصبح بجمعٍ – مزدلفة – وانحر بمنى ومطلق الأمر للوجوب في حق العمل ومتى وجب على النبي  يجب على الأمة لأنه قدوة الأمة ] (1).وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وأمَّا الأضحية فالأظهر وجوبها أيضاً، فإنها من أعظم شعائر الإسلام، وهي النسك العام في جميع الأمصار، والنسك مقرون بالصلاة، في قوله تعالى {إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العلمين}وقد قال تعالى {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}فأمر بالنحر كما أمر بالصلاة(1).
الثاني: اختلافهم في مفهوم الأحاديث الواردة في الأضحية، حيث إنه قد ثبت من حديث أم سلمة رضي الله عنها أنه عليه الصلاة والسلام قال: (إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من ظفره شيئاً ) رواه مسلم . قال الإمام الشافعي: [هذا دليل أن التضحية ليست بواجبة، لقوله  ( وأراد )، فجعله مفوضًا إلى إرادته ولو كان واجبًا لقال : ( فلا يمس من شعره وبشره حتى يضحي )(5).
وعن أبي رافع: (أن رسول الله  كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين فإذا صلى وخطب الناس أتى بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية ثم يقول: اللهم هذا عن أمتي جميعًا من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول: هذا عن محمد وآل محمد فيطعمهما جميعًا المساكين ويأكل هو وأهله منهما فمكثنا سنين ليس رجل من بني هاشم يضحي قد كفاه الله المئونة برسول الله  والعزم )(6).
قال الشوكاني: [ووجه دلالة الحديث وما في معناه على عدم الوجوب، أن الظاهر تضحيته  عن أمته وعن أهله، تجزئ كل من لم يضح سواء كان متمكنًا من الأضحية أو غير متمكن ] (5).
والراجح في حكم الأضحية
الراجح هو القول بسنيتها واستحبابها وهو قول جمهور أهل العلم قال النووي في:
"التضحية سنة مؤكدة وشعار ظاهر ينبغي لمن قدر أن يحافظ عليها" .
مـا يـُضَـحَّـى بـه:
اتفق جمهور أهل العلم بما فيهم أصحاب المذاهب الأربعة (1) على أنه يشترط في الأضحية أن تكون من الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم،ويشمل ذلك الذكر والأنثى من النوع الواحد، وكذا الخصي والفحل، والمعز نوع من الغنم، والجاموس نوع من البقر.
قال القرطبي: [والذي يضحى به بإجماع المسلمين الأزواج الثمانية وهي الضأن والمعز والإبل والبقر ](2).
1- ولا يُجزئ في الأضحية إلا الأنعام: وهي الإبل، والبقر، والضأن، والمعز
لقوله تعالى: { لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ }( الحج:34 ).
وقد نقل جماعة من أهل العلم الإجماع على أن الأضحية لا تصح إلا بها، ونقل هذا الإجماع النووى فى المجموع (8/394)، وكذا نقل الإجماع ابن عبد البر فى التمهيد (23/188)، لكن حكى ابن المنذر عن الحسن بن صالح أنه يجوز أن يُضحى ببقر الوحش وبالضب، وبه قال داود في بقر الوحش، وأجازه ابن حزم قال: [والأضحية جائزة بكل حيوان يؤكل لحمه من ذي أربع أو طائر كالفرس والإبل وبقر الوحش والديك وسائر الطير والحيوان الحلال أكله](3).
جاء في الحديث عن أبي هريرة  قال : قال رسول الله : (مثل المهجر إلى الجمعة كمثل من يهدي بدنة ثم كمن يهدي بقرة…. ثم كمن يهدي بيضة ) رواه البخاري بهذا اللفظ (4).
واحتج بالحديث الآخر عن أبي هريرة  أن رسول  قال: ( من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة ) رواه البخاري ومسلم (5) .
ثم قال ابن حزم: [ففي هذين الخبرين هدي دجاجة وعصفور وتقريبهما وتقريب بيضة, والأضحية تقريب بلا شك … ولا معترض على هذين النصين أصلاً ]، وذكر ابن حزم قبل ذلك قول بلال : [ما أبالي لو ضحيت بديك ] والحديث أخرجه عبد الرازق بسند صحيح وعن ابن عباس  في ابتياعه لحماً بدرهمين وقال واحتج بما: [هذه أضحية ابن عباس](1).
والراجح هو مذهب الجمهور لأنه المتعيِّن للآية الكريمة، ولأنه لم يؤثر عن النبي أنه يضحى بغير الإبل والبقر والغنم.
( أ ، ب ) أمـا الإبـل والـبـقر :
فقد ثبت أن النبي وأصحابه ضحَّوا بهما، فقد أخرج البخارى ومسلم عن البراء رضي الله عنه أن رسول الله  قال: " إن أوْلَ ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلى، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا " الشاهد قول النبي  : " فننحر " والنحر يكون في الإبل.
وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: "فلما كنا بِمِنىً أُتِيتُ بلحم بقرٍ فقلت: ما هذا، قالوا: ضحى رسول الله  عن أزواجه بالبقر".
والجمهور على أنه يجوز أن يشترك سبعة في بقرة أو بدنة، وأنها تجزئ عنهم، ودليل ذلك:
1ـ ما أخرجه الإمام مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (نحرنا مع رسول الله عام الحُديبية البدنة عن سبعة والبقر عن سبعة )
ويُجزئ البعير عن عشرة قال المباركفري رحمه الله كما في الأحوذي ( 5/88 ):
قال إسحاق بن راهويه وابن خزيمة أن البعير(الجمل) تُجزئ عن عشرة، وهذا هو الحق هنا يعني في الأضحية وذلك للحديث الذي أخرجه الترمذي بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
( كنا مع رسول الله في سفر فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقر سبعة ، وفي البعير عشرة)
- قال الشوكاني رحمه الله: تجزئ البدنة عن عشرة في الأضحية، وعن سبعة في الهدي جمعًا بين الأدلة، والجمهور اقتصروا على السبعة قياسًا على الهدي لكن قد يتأيد حديث ابن عباس بالحديث الذي أخرجه البخاري عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال:( كان النبي  يجعل في قسم الغنائم: عشراً من الشاء ببعير ...)
2- اشترط الإمام مالك ـ رحمه الله ـ خلافاً للجمهور فيمن يشترك في البدنة أو البقرة أن يكون من بيت واحد، وهذا الكلام فيه نظر لأن في حديث جابر ـ رضي الله عنه المتقدم:( نحرنا بالحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة ) وقد كانوا أشتاتاً من قبائل شتى ، ولو اتفقت قبائلهم لم تتفق بيوتهم ، ولو اتفقت لتعذر أن يستكمل عدد كل بيت سبعة حتى لا يزيدوا عليهم ولا ينقصوا عنهم.
( جـ ) وأمـا الـضـأن :
فقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس  أن النبي r ( ضحى بكبشين أملحين ...) وتجزئ الشاة الواحدة عن الرجل وأهل بيته، فقد أخرج الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله r أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد، فأتى به ليضحى به، فقال لها: " يا عائشة هلمِّي المُدْية " ثم قال: " اشحذيها بحجر " ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم قال: " بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد، ثم ضحَّى به ".
وقد ذهب إلى أن الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وأهله وإن كثروا : مالك والشافعي وأحمد ، وكرهه أبو حنيفة والثوري !!
( د) وأمـا الـمـعـز :
فيجزئ منه الثني فما فوقه، فقد أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال: ضحى خال لي يُقال له أبو بردة قبل الصلاة، فقال له رسول الله r:
" شاتك شاة لحم ، فقال : يا رسول الله، إن عندي داجنِّا جذعة من المعز، قال: " اذبحها ولا تصلح لغيرك )
السن المجزئة في الأضحية وغيرها :
ويجزئ في الأضحية والهدي والفدية والعقيقة الثني من الأصناف الأربعة التي عيّنها الشارع( الإبل والبقر والضأن والمعز )، فقد أخرج الإمام مسلم عن جابر أن رسول الله r قال: "لا تذبحوا إلا مُسِنَّة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن".
والمُسنّة : هي الثني من كل شيء.
والثنية من الإبل : ما لها خمس سنين ودخلت في السادسة.
والثنية من البقر : ما لها سنتان ودخلت في الثالثة.
والثنية من الغنم(المعز) : ما له سنة ودخل في الثانية.
وقـفـة
إذا تعسَّر الثني من الضأن أجزأ الجذع ـ وهو ما له ستة أشهر ـ وذلك لحديث عاصم بن كليب عن أبيه قال :( كنا مع رجل من أصحاب النبي  يقال له مجاشع من بني سليم فعزت الغنم، فأمر مناديًا فنادى أن رسول الله  كان يقول: إن الجذع يوفِّي مما يوفِّي منه الثني ) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي والحاكم وقال حديث صحيح. وقال ابن حزم هو في غاية الصحة(4)، وقال الشيخ الألباني: صحيح (5)، وعن عقبة بن عامر الجهني  قال: (قسم النبي  بين أصحابه ضحايا فصارت لعقبة جذعة فقلت: يا رسول الله  صارت لي جذعة. قال ضح بها) رواه البخاري ومسلم (1) وعلى هذا جماهير أهل العلم.
قال النووي رحمه الله:
(ومذهب العلماء كافة أنه يجزئ ـ يعني الجذع من الضأن ـ سواء وجد غيره أم لا، وحملوا هذا الحديث على الاستحباب والأفضل، وتقديره: يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مُسنة، فإن عجزتم فجذعة ضأن، وليس فيه تصريح بمنع جذعة الضأن، أنها لاتجزئ بحال، وقد أجمعت الأمة أنه ليس على ظاهره)،
وقوَّى هذا الكلام الحافظ ابن حجر رحمه الله وساق الأدلة على جوازه. انظر فتح الباري ( 10/15 )

أفضل الأضاحي:
ذهب الجمهور خلافًا لمالك إلى أن أفضل الضحايا: الإبل ثم البقر ثم الغنم
واستدلوا بجملة أدلة منها:
1- ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي ذر قال: سألت رسول الله: أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله وجهادُ في سبيله قلت: وأي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تدع الناس من الشر فإنها صدقة تتصدق بها على نفسك".
فقال الجمهور: الإبل أغلى ثمنًا من البقر، والبقر أغلى ثمنًا من الغنم.
2- ومما استدلوا به أيضًا ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر".
وعلى هذا ذهب الجمهور إلى أن أفضل الضحايا الإبل ثم البقر ثم الغنم، ثم سُبع بدنة ثم سُبع بقرة
• وأما الإمام مالك: فوافق الجمهور في الهدي وقال بعكس ذلك في الأضحية
ففضل الكباش ثم البقر ثم الإبل ...وحجته

1- ( أن النبي r ضحى بكبشين أملحين ) رواه البخاري ومسلم.
2- واستدل أيضًا بقوله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ }( الصافات:107)
قال ابن كثير رحمه الله: الصحيح الذي عليه الأكثرون: أي فدي بكبش
وقال ابن دقيق العيد: [ وقد يستدل للمالكية باختيار النبي  في الأضاحي للغنم، وباختيار الله تعالى في فداء الذبيح ](6).
الراجح: هو قول الجمهور
إن التضحية بالكبش أفضل من المشاركة في بدنة، وإن التضحية بالبدنة أفضل إذا كان يُضحي بها منفردًا دون أن يشترك فيها مع أحد.
يقول ابن قدامة رحمه الله:
"ولأنه ذبْح يتقرب به إلى الله، فكانت البدنة فيه أفضل كالهدى؛ ولأنها أكثر ثمنًا ولحمًا وأنفع للفقراء؛ ولأن النبي r سُئل أي الرقاب أفضل؟ فقال: أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها، والإبل أغلاها ثمنًا وأنفس من الغنم، فأما التضحية بالكبش فلأنه أفضل أجناس الغنم، وكذلك حصول الفداء به أفضل، والشاة أفضل من شرك فى بدنة؛ لأن إراقة الدم مقصود في الأضحية، والمتفرد يتقرب بإراقته كله" .أهـ.



فـائــد ة:
لا بأس الأضحية بالخصيّ
أخرج الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ضحَّى رسول الله r بكبشين سمينين عظيمين أملحين أقرنين مَوْجُوءين" صححه الألباني في صحيح ابن ماجة(2/199)
والخصاء يفيد اللحم طيبًا وينفي عنه الزهومة وسوء الرائحة.
و موْجُوءين: الموجوء منزوع الأنثيين يعني الخصيتين.
العيوب التى تكون فى الأضاحي تنقسم إلى ثلاثة أقسام ( ):
القسم الأول: عيوب تردُّ بها الأضحية، ولا تجزئ معها:
وهى أربعة، نصت السنة على عدم إجزائها:
1ـ العوراء البيِّن عورها: فإن غطى البياض أكثر ناظرها، بحيث بقى أقله لم تجزئ، ولا تجزئ العمياء من باب أولى.
2ـ المريضة البيِّن مرضها: فإن كان مرضها خفيفًا أجزأت.
3ـ العرجاء البيِّن عرجها: ومقطوعة ومكسورة الأرجل من باب أولى.
4ـ الهزيلة التي لا تنقي: أي التي لا مخ لها لضعفها وهزالها ( المخ الذي في الطعام ).
والدليل على ذلك:
ما أخرجه أهل السنن، وعند مالك من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله r سُئل: ماذا يتقى من الضحايا؟ فأشار بيده وقال أربعًا، وكان البراء يشير بيده ويقول: يدي أقصر من رسول الله r: العرجاء البيِّن ظَلْعُهَا، والعوراء البيِّن عورها، والمريضة البيِّن مرضها، والعجفاء التي تُنْقِي( ).
قال النووي رحمه الله كما في شرح مسلم (13/120):
وأجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة فى حديث البراء لا تجزئ بها، وكذا ما كان في معناها أو أقبح كالعمى وقطع الرجل وشبهه. أ هـ
وإذا كان المرض أو العور أو العرج يسيرًا غير واضح جازت الأضحية؛ لأن النبي وضع قيد في الحديث " يكون المرض بيِّنًا " يعنى واضحًا، قال البغوي رحمه الله: كما في شرح السنة (4/340) فيه دليل على أن العيب الخفيف في الضحايا معفو عنه، ألا تراه يقول: " البين عورها والبين ضلعها " ، وكذا قال الخطابي رحمه الله في معالم السنن (2/199).
أضف إلى ذلك أنه يمنع من أكل الجلالة، وهي التي تتغذى على العذرة ولا تأكل غيرها لحديث ابن عمر: " نهى النبي r عن أكل الجلالة وألبانها"
رواه أحمد و أبو داود قال الألباني في "إرواء الغليل" 8/149: صحيح.


القسم الثاني: عيوب تكره في الأضحية لكنها تجزئ:
1ـ مقطوعة الأذن أو جزء منه: والجمهور على أنها لا تجزئ، وفيه نظر لأن النبي r قد حصر عدم الإجزاء في العيوب الأربعة المتقدمة وفقد أخرج النسائي وأحمد عن علي رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله rأن نتشرف العين والأذن( والحديث صححه الشيخ أحمد شاكر، الألباني في الإرواء ( 4/364).
فهذا الأثر يدل على أنه يجتنب ما فيه ثقب أو شق أو قطع وليس فيه عدم الإجزاء.
واختلف العلماء في السَّكَّاء ( وهي التي خلقت بلا أذنين ) فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى أنها إذا لم تكن أذن خلقة لم تجز، وإن كانت صغيرة الأذنين جازت.
2ـ مكسورة القرن أو أكثره ( العضباء ) ( ):
وجمهور العلماء على جواز الأضحية بمكسورة القرن إن كان لا يدمي، فإن كان يدمي فقد كرهه مالك، وكأنه جعله مرضًا بيِّنًا.
والأحاديث التي وردت عن علي في النهي عن مكسورة القرن ضعيفة.
القسم الثالث : عيوب لا أثر لها:
فهذه لم يصح النهى عنها، لكنها تنافي كمال السلامة، فتجزئ في التضحية ولا تحرم، وإن كان من أهل العلم من لم يجزها.
والراجح: أنها تجزئ كمكسورة الأسنان أو كالهتماء ( التي لا أسنان لها )، والبتراء ( مقطوعة الذنب أو الإلية )، والجدعاء (مقطوعة الأنف)، والعرجاء إن كان يسيرًا لا يخلفها عن الماشية، وكذلك العمش وضعف البصر القليل، وغير ذلك فهذا أجازه الجمهور.
قال النووي رحمه الله:
أجمع العلماء على جواز التضحية بالأجم: وهو الذي لم يخلق الله له قرنين.
وقت الأضحية:
الذبح يكون بعد الصلاة لا قبلها ويستوي في هذا أهل الأمصار أو القرى أوالبوادي، وهذا قول الإمام أحمد، وقال الشافعي وداود وابن المنذر يدخل وقتها إذا طلعت الشمس ومضى قدر صلاة العيد وخطبتين فإن ذبح بعد هذا الوقت أجزأه سواء صلى الإمام أم لا. وهذا هو الراجح الذي عليه الدليل .
أ- فقد أخرج البخاري ومسلم: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي:
" من ذبح قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نٌسكه، وأصاب سنة المسلمين"
آخـر وقـت الـذبـح:
أيام التشريق كلها وقت للذبح:
وهذا قول الشافعي وابن تيمية وابن القيم ودليلهم: ما أخرجه الإمام أحمد وابن حبان والدارقطني والبيهقي وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 2476) أن النبي  قال:" كل أيام التشريق ذبح".


توزيع الأضحية
أخرج البخاري ومسلم من حديث سلمة بن الأكوع قال: قال النبي :" في الأضحية: " كلوا وأطعموا وادخروا" لكن ليس للمضحي أن يأكل أضحيته كلها دون أن يتصدق منها بشيء قال الشوكاني رحمه الله كما في نيل الأوطار (5/220) عند قول النبي : " كلوا وأطعموا " فيه دليل على عدم تقرير الأكل بمقدار، وأن للرجل أن يأكل من أضحيته ما شاء وإن أكثر، ما لم يستغرق (أي يأتي على كل الأضحية ) وذلك بقرينة قوله : "وأطعموا " أهـ
وعلى هذا لم يحدد الشرع تقدير القسمة في الأكل أو التصدق، بل يصح بكل ما يطلق عليه إتيان المأمور به من الأكل والتصدق ولو كان بعضها قليلاً جدًا والآخر كثيرا جدًا".
لا يعطي الجازر أجرته من الأضحية:
فإذا ذبحت الضحية لا يعطي الجازر منها شيئًا لأجل الأجرة لا من جلودها ولا من غيره وهذا قول الجمهورفقد أخرج البخاري ومسلم من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله أمره أن يقوم على بُدنه وأن يقسم بُدنه كلها لحومها وجلودها وجلالها، ولا يعطي في جزارتها شيئًا ونحن نعطيه من عندنا.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح ( 3/650) نقلا عن بعض أهل العلم: إعطاء الجزار على سبيل الأجرة ممنوع لكونه معاوضة فأما إن دفع إليه صدقة أو هبة، فلا بأس؛ لأنه مستحق للأخذ ، فهو كغيره بل هو أولى؛ لأنه باشرها وتاقت نفسه إليها.
نسأل الله التوفيق والسداد وإليه المرجع والمآب
الفقير إلى عفو الله محمد الباشا
أحكام الأضحية
في الفقه الإسلامي
إن الأضحية شعيرةٌ من شعائر الله واجبٌ تعظيمها كما قال تعالى:{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج/32] .
وسنة من سنن الرسول  ينبغي الالتزام بها، وإحياؤها بالعمل بها ونشرها.
تعريف الأضحية لغةً:
الأضحية في لغة العرب فيها أربع لغات كما نقل الجوهري عن الأصمعي قوله:
[ وفيها أربع لغات، إضْحِيَّةٌ.
وأُضْحِيَّةٌ والجمع أضاحي.
وضَحِيَّةٌ على فعيلة، والجمع ضحايا.
وأضْحَاةٌ، والجمع أضحىً كما يقال أرطاةٌ وأرْطىً … ] (1) .
ويقال ضحَّى تضحيةً، إذا ذبح الأضحية وقت الضحى، هذا هو الأصل فيه كما قال أهل اللغة (2).
تعريف الأضحية عند الفقهاء(اصطلاحًا) .
"هي ما يذبح من النعم تقرباً إلى الله تعالى من يوم العيد إلى آخر أيام التشريق"(5)، بشرائط مخصوصة.
مشروعية الأضحية:
الأضحية مشروعة بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله  القولية والفعلية وانعقد الإجماع على ذلك.
أما الكتاب الكريم فقوله تعالى:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}{سورة الكوثر الآية2}.
قال القرطبي:{ فَصَلِّ لِرَبِّكَ} قال قتادة وعطاء وعكرمة "صلاة العيد يوم النحر".{وَانْحَر}أي " نُسُكك"، وقال سعيد بن جبير أيضاً: صل لربك صلاة الصبح المفروضة بجمع – أي مزدلفة – وانحر البدن بمنى … ] (1).
قال ابن كثير: والصحيح القول الأول أن المراد بالنحر ذبح المناسك (2).
ولا يخفى أن صلاة العيد داخلة في عموم قوله تعالى:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ}وأن الأضحية داخلة في عموم قوله تعالى:{وَانْحَرْ}(1).
الحكمة من الجمع بين الصلاة والنحر
قال شيخ الإسلام ابن تيمية
"أمر الله النبي أن يجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين وهما الصلاة والنسك الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن وقوة اليقين وطمأنينة القلب إلى الله، وإلى عونه وفضله، عكس حال أهل الكبر والنفرة وأهل الغنى عن الله، الذين لا حاجة لهم في صلاتهم إلى ربهم والذين لا ينحرون له خوفاً من الفقر ولهذا جمع بينهما في قوله تعالى: ( قل إن صلاتى ونسكي ...))
وقال: وأجل العبادات البدنية الصلاة، وأجل العبادات المالية النحر، وما يجتمع للعبد في الصلاة لا يجتمع له في غيرها من سائر العبادات كما عرفه أرباب القلوب الحية وأصحاب الهمم العالية وقد امتثل النبي  أمر ربه فكان كثير الصلاة، كثير النحر حتى نحر بيده في حجة الوداع ثلاثاً وستين بدنة وكان ينحر في الأعياد وغيرها .
قال تعالى : {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } (الحج:34 )
قال ابن كثير: "يخبر تعالى أنه لم يَزَل ذبحُ المناسك وإراقةُ الدماء على اسم الله مشروعًا في جميع الملل ".
وأما السنة النبوية الفعلية، فقد ثبت أن النبي  كان يضحي وكان يتولى ذبح أضحيته بنفسه  فمن ذلك:
أ. ما رواه البخاري بإسناده عن أنس  قال: (ضحى النبي  بكبشين أملحين(خالط بياضه سواده وأكثره بياض)، فرأيته واضعًا قدمه على صفاحهما( الصفح: الجنب) يسمِّي ويكبر فذبحهما بيده ).
ورواه مسلم ، ولفظه :( عن أنس قال: ضحى رسول الله  بكبشين أملحين أقرنين(لهما قرنان معتدلان) قال: ورأيته يذبحهما بيده ورأيته واضعًا قدمه على صفاحهما قال: وسمَّى وكبر ) (2).
ب. وعن عائشة رضي الله عنها :( أن رسول الله  أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأُتِيَ به ليضحي به، فقال لها: يا عائشة هلمي المدية، ثم قال: اشحذيها بحجر. ففعلت ثم أخذها وأخذ الكبش، فأضجعه ثم ذبحه ثم قال:بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد ثم ضحَّى به ) رواه مسلم (3).
ج. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (أقام رسول الله  بالمدينة عشر سنين يضحي ) رواه أحمد و الترمذي وقال: هذا حديث حسن (4).
د. وعن جابر  قال:( شهدتُ مع رسول الله  الأضحى بالمصلى، فلما قضى خطبته نزل من منبره، وأُتِيَ بكبش فذبحه رسول الله  بيده، وقال: بسم الله والله أكبر هذا عني وعمَّن لم يضح من أمتي ) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد ، وقال الشيخ الألباني: صحيح (5).
وأما السنة النبوية القولية، فقد وردت أحاديث كثيرة في الأضحية منها:
أ. عن البراء  قال: (قال النبي : إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، من فعله فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء.
فقام أبو بردة بن نيار وقد ذبح فقال: إن عندي جذعة فقال: اذبحها ولن تجزئ عن أحدٍ بعدك). رواه البخاري ومسلم (1).
ب. وعن جندب بن سفيان  قال: (شهدتُ الأضحى مع رسول الله  فلم يعدُ أن صَلَّى وفرغ من صلاته سَلَّمَ، فإذا هو يرى لحم أضاحِيَّ قد ذُبحت قبل أن يفرغ من صلاته، فقال: من كان ذبح أضحيته قبل أن يصلي أو نصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن كان لم يذبح فليذبح باسم الله ) رواه البخاري ومسلم واللفظ له (2).
ج. وعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي  قال :( إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره ولا بشره شيئاً ) رواه مسلم (3).
وقد أجمع المسلمون على مشروعية الأضحية (4).
فضل الأضحية:
قال الإمام ابن العربي المالكي:[ ليس في فضل الأضحية حديثٌ صحيحٌ، وقد روى الناس فيها عجائب لم تصح، منها قوله:( إنها مطاياكم إلى الجنة )](1).
الحكمة من مشروعية الأضحية
1- التقرب إلى الله بها:
قال سبحانه وتعالى: { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ{163} ( الأنعام : 162‘163)
والنسك هنا هو الذبح تقربًا إليه سبحانه وتعالى.
وقال الله تعالى : {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ }( الحج :37)
2- إحياء سنة إمام الموحدين إبراهيم الخليل عليه السلام:
قال تعالى : { فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ{103} وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ{104} قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{105} إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ{106} وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ{107} ( الصافات 102:107 )
قال صاحب الظلال: " ذكرى لهذا الحادث العظيم الذي يرتفع منارةً لحقيقة الإيمان، وجمال الطاعة، وعظمة التسليم، والذي ترجع إليه الأمة المسلمة لتعرف فيه حقيقة أبيها إبراهيم، الذي تتبع ملته، والذي ترث نسبه وعقيدته، ولتدرك طبيعة العقيدة التي تقوم بها أو تقوم عليها، ولتعرف أنها الاستسلام لقدر الله في طاعة راضية واثقة ملبية لا تسأل ربها لماذا؟ ولا تتلجلج في تحقيق إرادته عند أول إشارة منه وأول توجيه....فإذا عرف منها الصدق في هذا أعفاها من التضحيات والآلام، واحتسبها لها وفاء وأداء، وقبل منها وفدّاها ، وأكرمها كما أكرم أباها ](1).
3- شكر الله على ما سخر لنا من بهيمة الأنعام:
قال تعالى : { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ36}( الحج : 36 )
4ـ توحيد الصف ونشر الألفة والمحبة بين المسلمين والتعاون بينهما على البر والتقوى حيث يشترك سبعة أشخاص قي البقر والجاموس وسبعة أو عشرة في الإبل.
5ـ علامة على تقوى العبد
مما لاشك فيه أن الذبح يوم الأضحى من شعائر الله، وتعظيم هذه الشعيرة دليل على تقوى القلوب، قال تعالى : { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ } ) الحج : 32 (
6ـ الخير الذي يعود على المُضحي
قال تعالى: { وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ }( الحج : 36 )
قال ابن كثير: "إن بعض السلف كان يستدين ويسوق البٌدن، فقيل له: تستدين وتسوق البدن ؟! فقال: إني سمعت الله تعالى يقول: لكم فيها خير" .
7ـ التوسعة على الأهل والعيال والجيران فى أيام العيد:
أخرج الإمام مسلم من حديث نُتيْشَةَ الهُذَبىِّ رضي الله عنه قال، قال رسول الله  :" أيام التشريق أيام أكل وشرب، وزاد في رواية،وذكر لله "
حكم الأضحية
اختلف الفقهاء في حكم الأضحية على قولين:
القول الأول: الأضحيةُ سنةٌ مؤكدةٌ في حق الموسر، وهذا قول أكثر العلماء، وممن قال به مالك في القول المشهور عنه والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية وإسحاق وأبو ثور والمزني وداود وابن حزم الظاهريان وابن المنذر وغيرهم (1).
القول الثاني: الأضحيةُ واجبةٌ، وبهذا قال أبو حنيفة وابن تيمية وجماعة من أهل العلم على اختلافٍ بينهم في حق من تجب:
فقال ربيعة الرأي والليث بن سعد والأوزاعي ومالك في قولٍ عنه، الأضحيةُ واجبةٌ على المقيم والمسافر الموسر إلا الحاج بمنى فلا تجب عليه وإنما المشروع في حقه الهدي (2).
وقال أبو حنيفة الأضحيةُ واجبةٌ في حق المقيم الموسر، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية القول بوجوب الأضحية (3) .
سبب الأضحية: اختلاف الفقهاء في حكم
ويرجع سبب اختلاف الفقهاء في حكم الأضحية إلى أمرين:
الأول: هل فعل الرسول  محمول على الوجوب أم على الندب؟
حيث إنه قد ثبت عن الرسول  أنه كان يضحي كل عام كما ذكره ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي  أقام بالمدينة عشر سنين يضحي ) .
وهذا يعني أن النبي  لم يترك الأضحية قط، حتى إنه كان يضحي في السفر، كما ثبت في حديث ثوبان  قال: (ذبحَ رسولُ الله  ضحيته ثم قال: يا ثوبان أصلح لحم هذه. فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة ) رواه مسلم (1). ولمَّا أمر الرسول  أبا بردة بن نيار  بإعادة أضحيته إذ ذبح قبل صلاة العيد حيث قال : (من كان قد ذبح قبل الصلاة فليعد ) رواه البخاري ومسلم (2). فهم جماعة من الفقهاء من أمره  الوجوب (3).
قال الكاساني: قوله عز وجل {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}قيل صل صلاة الصبح بجمعٍ – مزدلفة – وانحر بمنى ومطلق الأمر للوجوب في حق العمل ومتى وجب على النبي  يجب على الأمة لأنه قدوة الأمة ] (1).وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وأمَّا الأضحية فالأظهر وجوبها أيضاً، فإنها من أعظم شعائر الإسلام، وهي النسك العام في جميع الأمصار، والنسك مقرون بالصلاة، في قوله تعالى {إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العلمين}وقد قال تعالى {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}فأمر بالنحر كما أمر بالصلاة(1).
الثاني: اختلافهم في مفهوم الأحاديث الواردة في الأضحية، حيث إنه قد ثبت من حديث أم سلمة رضي الله عنها أنه عليه الصلاة والسلام قال: (إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من ظفره شيئاً ) رواه مسلم . قال الإمام الشافعي: [هذا دليل أن التضحية ليست بواجبة، لقوله  ( وأراد )، فجعله مفوضًا إلى إرادته ولو كان واجبًا لقال : ( فلا يمس من شعره وبشره حتى يضحي )(5).
وعن أبي رافع: (أن رسول الله  كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين فإذا صلى وخطب الناس أتى بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية ثم يقول: اللهم هذا عن أمتي جميعًا من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول: هذا عن محمد وآل محمد فيطعمهما جميعًا المساكين ويأكل هو وأهله منهما فمكثنا سنين ليس رجل من بني هاشم يضحي قد كفاه الله المئونة برسول الله  والعزم )(6).
قال الشوكاني: [ووجه دلالة الحديث وما في معناه على عدم الوجوب، أن الظاهر تضحيته  عن أمته وعن أهله، تجزئ كل من لم يضح سواء كان متمكنًا من الأضحية أو غير متمكن ] (5).
والراجح في حكم الأضحية
الراجح هو القول بسنيتها واستحبابها وهو قول جمهور أهل العلم قال النووي في:
"التضحية سنة مؤكدة وشعار ظاهر ينبغي لمن قدر أن يحافظ عليها" .
مـا يـُضَـحَّـى بـه:
اتفق جمهور أهل العلم بما فيهم أصحاب المذاهب الأربعة (1) على أنه يشترط في الأضحية أن تكون من الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم،ويشمل ذلك الذكر والأنثى من النوع الواحد، وكذا الخصي والفحل، والمعز نوع من الغنم، والجاموس نوع من البقر.
قال القرطبي: [والذي يضحى به بإجماع المسلمين الأزواج الثمانية وهي الضأن والمعز والإبل والبقر ](2).
1- ولا يُجزئ في الأضحية إلا الأنعام: وهي الإبل، والبقر، والضأن، والمعز
لقوله تعالى: { لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ }( الحج:34 ).
وقد نقل جماعة من أهل العلم الإجماع على أن الأضحية لا تصح إلا بها، ونقل هذا الإجماع النووى فى المجموع (8/394)، وكذا نقل الإجماع ابن عبد البر فى التمهيد (23/188)، لكن حكى ابن المنذر عن الحسن بن صالح أنه يجوز أن يُضحى ببقر الوحش وبالضب، وبه قال داود في بقر الوحش، وأجازه ابن حزم قال: [والأضحية جائزة بكل حيوان يؤكل لحمه من ذي أربع أو طائر كالفرس والإبل وبقر الوحش والديك وسائر الطير والحيوان الحلال أكله](3).
جاء في الحديث عن أبي هريرة  قال : قال رسول الله : (مثل المهجر إلى الجمعة كمثل من يهدي بدنة ثم كمن يهدي بقرة…. ثم كمن يهدي بيضة ) رواه البخاري بهذا اللفظ (4).
واحتج بالحديث الآخر عن أبي هريرة  أن رسول  قال: ( من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة ) رواه البخاري ومسلم (5) .
ثم قال ابن حزم: [ففي هذين الخبرين هدي دجاجة وعصفور وتقريبهما وتقريب بيضة, والأضحية تقريب بلا شك … ولا معترض على هذين النصين أصلاً ]، وذكر ابن حزم قبل ذلك قول بلال : [ما أبالي لو ضحيت بديك ] والحديث أخرجه عبد الرازق بسند صحيح وعن ابن عباس  في ابتياعه لحماً بدرهمين وقال واحتج بما: [هذه أضحية ابن عباس](1).
والراجح هو مذهب الجمهور لأنه المتعيِّن للآية الكريمة، ولأنه لم يؤثر عن النبي أنه يضحى بغير الإبل والبقر والغنم.
( أ ، ب ) أمـا الإبـل والـبـقر :
فقد ثبت أن النبي وأصحابه ضحَّوا بهما، فقد أخرج البخارى ومسلم عن البراء رضي الله عنه أن رسول الله  قال: " إن أوْلَ ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلى، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا " الشاهد قول النبي  : " فننحر " والنحر يكون في الإبل.
وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: "فلما كنا بِمِنىً أُتِيتُ بلحم بقرٍ فقلت: ما هذا، قالوا: ضحى رسول الله  عن أزواجه بالبقر".
والجمهور على أنه يجوز أن يشترك سبعة في بقرة أو بدنة، وأنها تجزئ عنهم، ودليل ذلك:
1ـ ما أخرجه الإمام مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (نحرنا مع رسول الله عام الحُديبية البدنة عن سبعة والبقر عن سبعة )
ويُجزئ البعير عن عشرة قال المباركفري رحمه الله كما في الأحوذي ( 5/88 ):
قال إسحاق بن راهويه وابن خزيمة أن البعير(الجمل) تُجزئ عن عشرة، وهذا هو الحق هنا يعني في الأضحية وذلك للحديث الذي أخرجه الترمذي بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
( كنا مع رسول الله في سفر فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقر سبعة ، وفي البعير عشرة)
- قال الشوكاني رحمه الله: تجزئ البدنة عن عشرة في الأضحية، وعن سبعة في الهدي جمعًا بين الأدلة، والجمهور اقتصروا على السبعة قياسًا على الهدي لكن قد يتأيد حديث ابن عباس بالحديث الذي أخرجه البخاري عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال:( كان النبي  يجعل في قسم الغنائم: عشراً من الشاء ببعير ...)
2- اشترط الإمام مالك ـ رحمه الله ـ خلافاً للجمهور فيمن يشترك في البدنة أو البقرة أن يكون من بيت واحد، وهذا الكلام فيه نظر لأن في حديث جابر ـ رضي الله عنه المتقدم:( نحرنا بالحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة ) وقد كانوا أشتاتاً من قبائل شتى ، ولو اتفقت قبائلهم لم تتفق بيوتهم ، ولو اتفقت لتعذر أن يستكمل عدد كل بيت سبعة حتى لا يزيدوا عليهم ولا ينقصوا عنهم.
( جـ ) وأمـا الـضـأن :
فقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس  أن النبي r ( ضحى بكبشين أملحين ...) وتجزئ الشاة الواحدة عن الرجل وأهل بيته، فقد أخرج الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله r أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد، فأتى به ليضحى به، فقال لها: " يا عائشة هلمِّي المُدْية " ثم قال: " اشحذيها بحجر " ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم قال: " بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد، ثم ضحَّى به ".
وقد ذهب إلى أن الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وأهله وإن كثروا : مالك والشافعي وأحمد ، وكرهه أبو حنيفة والثوري !!
( د) وأمـا الـمـعـز :
فيجزئ منه الثني فما فوقه، فقد أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال: ضحى خال لي يُقال له أبو بردة قبل الصلاة، فقال له رسول الله r:
" شاتك شاة لحم ، فقال : يا رسول الله، إن عندي داجنِّا جذعة من المعز، قال: " اذبحها ولا تصلح لغيرك )
السن المجزئة في الأضحية وغيرها :
ويجزئ في الأضحية والهدي والفدية والعقيقة الثني من الأصناف الأربعة التي عيّنها الشارع( الإبل والبقر والضأن والمعز )، فقد أخرج الإمام مسلم عن جابر أن رسول الله r قال: "لا تذبحوا إلا مُسِنَّة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن".
والمُسنّة : هي الثني من كل شيء.
والثنية من الإبل : ما لها خمس سنين ودخلت في السادسة.
والثنية من البقر : ما لها سنتان ودخلت في الثالثة.
والثنية من الغنم(المعز) : ما له سنة ودخل في الثانية.
وقـفـة
إذا تعسَّر الثني من الضأن أجزأ الجذع ـ وهو ما له ستة أشهر ـ وذلك لحديث عاصم بن كليب عن أبيه قال :( كنا مع رجل من أصحاب النبي  يقال له مجاشع من بني سليم فعزت الغنم، فأمر مناديًا فنادى أن رسول الله  كان يقول: إن الجذع يوفِّي مما يوفِّي منه الثني ) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي والحاكم وقال حديث صحيح. وقال ابن حزم هو في غاية الصحة(4)، وقال الشيخ الألباني: صحيح (5)، وعن عقبة بن عامر الجهني  قال: (قسم النبي  بين أصحابه ضحايا فصارت لعقبة جذعة فقلت: يا رسول الله  صارت لي جذعة. قال ضح بها) رواه البخاري ومسلم (1) وعلى هذا جماهير أهل العلم.
قال النووي رحمه الله:
(ومذهب العلماء كافة أنه يجزئ ـ يعني الجذع من الضأن ـ سواء وجد غيره أم لا، وحملوا هذا الحديث على الاستحباب والأفضل، وتقديره: يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مُسنة، فإن عجزتم فجذعة ضأن، وليس فيه تصريح بمنع جذعة الضأن، أنها لاتجزئ بحال، وقد أجمعت الأمة أنه ليس على ظاهره)،
وقوَّى هذا الكلام الحافظ ابن حجر رحمه الله وساق الأدلة على جوازه. انظر فتح الباري ( 10/15 )

أفضل الأضاحي:
ذهب الجمهور خلافًا لمالك إلى أن أفضل الضحايا: الإبل ثم البقر ثم الغنم
واستدلوا بجملة أدلة منها:
1- ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي ذر قال: سألت رسول الله: أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله وجهادُ في سبيله قلت: وأي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تدع الناس من الشر فإنها صدقة تتصدق بها على نفسك".
فقال الجمهور: الإبل أغلى ثمنًا من البقر، والبقر أغلى ثمنًا من الغنم.
2- ومما استدلوا به أيضًا ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر".
وعلى هذا ذهب الجمهور إلى أن أفضل الضحايا الإبل ثم البقر ثم الغنم، ثم سُبع بدنة ثم سُبع بقرة
• وأما الإمام مالك: فوافق الجمهور في الهدي وقال بعكس ذلك في الأضحية
ففضل الكباش ثم البقر ثم الإبل ...وحجته

1- ( أن النبي r ضحى بكبشين أملحين ) رواه البخاري ومسلم.
2- واستدل أيضًا بقوله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ }( الصافات:107)
قال ابن كثير رحمه الله: الصحيح الذي عليه الأكثرون: أي فدي بكبش
وقال ابن دقيق العيد: [ وقد يستدل للمالكية باختيار النبي  في الأضاحي للغنم، وباختيار الله تعالى في فداء الذبيح ](6).
الراجح: هو قول الجمهور
إن التضحية بالكبش أفضل من المشاركة في بدنة، وإن التضحية بالبدنة أفضل إذا كان يُضحي بها منفردًا دون أن يشترك فيها مع أحد.
يقول ابن قدامة رحمه الله:
"ولأنه ذبْح يتقرب به إلى الله، فكانت البدنة فيه أفضل كالهدى؛ ولأنها أكثر ثمنًا ولحمًا وأنفع للفقراء؛ ولأن النبي r سُئل أي الرقاب أفضل؟ فقال: أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها، والإبل أغلاها ثمنًا وأنفس من الغنم، فأما التضحية بالكبش فلأنه أفضل أجناس الغنم، وكذلك حصول الفداء به أفضل، والشاة أفضل من شرك فى بدنة؛ لأن إراقة الدم مقصود في الأضحية، والمتفرد يتقرب بإراقته كله" .أهـ.



فـائــد ة:
لا بأس الأضحية بالخصيّ
أخرج الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ضحَّى رسول الله r بكبشين سمينين عظيمين أملحين أقرنين مَوْجُوءين" صححه الألباني في صحيح ابن ماجة(2/199)
والخصاء يفيد اللحم طيبًا وينفي عنه الزهومة وسوء الرائحة.
و موْجُوءين: الموجوء منزوع الأنثيين يعني الخصيتين.
العيوب التى تكون فى الأضاحي تنقسم إلى ثلاثة أقسام ( ):
القسم الأول: عيوب تردُّ بها الأضحية، ولا تجزئ معها:
وهى أربعة، نصت السنة على عدم إجزائها:
1ـ العوراء البيِّن عورها: فإن غطى البياض أكثر ناظرها، بحيث بقى أقله لم تجزئ، ولا تجزئ العمياء من باب أولى.
2ـ المريضة البيِّن مرضها: فإن كان مرضها خفيفًا أجزأت.
3ـ العرجاء البيِّن عرجها: ومقطوعة ومكسورة الأرجل من باب أولى.
4ـ الهزيلة التي لا تنقي: أي التي لا مخ لها لضعفها وهزالها ( المخ الذي في الطعام ).
والدليل على ذلك:
ما أخرجه أهل السنن، وعند مالك من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله r سُئل: ماذا يتقى من الضحايا؟ فأشار بيده وقال أربعًا، وكان البراء يشير بيده ويقول: يدي أقصر من رسول الله r: العرجاء البيِّن ظَلْعُهَا، والعوراء البيِّن عورها، والمريضة البيِّن مرضها، والعجفاء التي تُنْقِي( ).
قال النووي رحمه الله كما في شرح مسلم (13/120):
وأجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة فى حديث البراء لا تجزئ بها، وكذا ما كان في معناها أو أقبح كالعمى وقطع الرجل وشبهه. أ هـ
وإذا كان المرض أو العور أو العرج يسيرًا غير واضح جازت الأضحية؛ لأن النبي وضع قيد في الحديث " يكون المرض بيِّنًا " يعنى واضحًا، قال البغوي رحمه الله: كما في شرح السنة (4/340) فيه دليل على أن العيب الخفيف في الضحايا معفو عنه، ألا تراه يقول: " البين عورها والبين ضلعها " ، وكذا قال الخطابي رحمه الله في معالم السنن (2/199).
أضف إلى ذلك أنه يمنع من أكل الجلالة، وهي التي تتغذى على العذرة ولا تأكل غيرها لحديث ابن عمر: " نهى النبي r عن أكل الجلالة وألبانها"
رواه أحمد و أبو داود قال الألباني في "إرواء الغليل" 8/149: صحيح.


القسم الثاني: عيوب تكره في الأضحية لكنها تجزئ:
1ـ مقطوعة الأذن أو جزء منه: والجمهور على أنها لا تجزئ، وفيه نظر لأن النبي r قد حصر عدم الإجزاء في العيوب الأربعة المتقدمة وفقد أخرج النسائي وأحمد عن علي رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله rأن نتشرف العين والأذن( والحديث صححه الشيخ أحمد شاكر، الألباني في الإرواء ( 4/364).
فهذا الأثر يدل على أنه يجتنب ما فيه ثقب أو شق أو قطع وليس فيه عدم الإجزاء.
واختلف العلماء في السَّكَّاء ( وهي التي خلقت بلا أذنين ) فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى أنها إذا لم تكن أذن خلقة لم تجز، وإن كانت صغيرة الأذنين جازت.
2ـ مكسورة القرن أو أكثره ( العضباء ) ( ):
وجمهور العلماء على جواز الأضحية بمكسورة القرن إن كان لا يدمي، فإن كان يدمي فقد كرهه مالك، وكأنه جعله مرضًا بيِّنًا.
والأحاديث التي وردت عن علي في النهي عن مكسورة القرن ضعيفة.
القسم الثالث : عيوب لا أثر لها:
فهذه لم يصح النهى عنها، لكنها تنافي كمال السلامة، فتجزئ في التضحية ولا تحرم، وإن كان من أهل العلم من لم يجزها.
والراجح: أنها تجزئ كمكسورة الأسنان أو كالهتماء ( التي لا أسنان لها )، والبتراء ( مقطوعة الذنب أو الإلية )، والجدعاء (مقطوعة الأنف)، والعرجاء إن كان يسيرًا لا يخلفها عن الماشية، وكذلك العمش وضعف البصر القليل، وغير ذلك فهذا أجازه الجمهور.
قال النووي رحمه الله:
أجمع العلماء على جواز التضحية بالأجم: وهو الذي لم يخلق الله له قرنين.
وقت الأضحية:
الذبح يكون بعد الصلاة لا قبلها ويستوي في هذا أهل الأمصار أو القرى أوالبوادي، وهذا قول الإمام أحمد، وقال الشافعي وداود وابن المنذر يدخل وقتها إذا طلعت الشمس ومضى قدر صلاة العيد وخطبتين فإن ذبح بعد هذا الوقت أجزأه سواء صلى الإمام أم لا. وهذا هو الراجح الذي عليه الدليل .
أ- فقد أخرج البخاري ومسلم: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي:
" من ذبح قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نٌسكه، وأصاب سنة المسلمين"
آخـر وقـت الـذبـح:
أيام التشريق كلها وقت للذبح:
وهذا قول الشافعي وابن تيمية وابن القيم ودليلهم: ما أخرجه الإمام أحمد وابن حبان والدارقطني والبيهقي وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 2476) أن النبي  قال:" كل أيام التشريق ذبح".


توزيع الأضحية
أخرج البخاري ومسلم من حديث سلمة بن الأكوع قال: قال النبي :" في الأضحية: " كلوا وأطعموا وادخروا" لكن ليس للمضحي أن يأكل أضحيته كلها دون أن يتصدق منها بشيء قال الشوكاني رحمه الله كما في نيل الأوطار (5/220) عند قول النبي : " كلوا وأطعموا " فيه دليل على عدم تقرير الأكل بمقدار، وأن للرجل أن يأكل من أضحيته ما شاء وإن أكثر، ما لم يستغرق (أي يأتي على كل الأضحية ) وذلك بقرينة قوله : "وأطعموا " أهـ
وعلى هذا لم يحدد الشرع تقدير القسمة في الأكل أو التصدق، بل يصح بكل ما يطلق عليه إتيان المأمور به من الأكل والتصدق ولو كان بعضها قليلاً جدًا والآخر كثيرا جدًا".
لا يعطي الجازر أجرته من الأضحية:
فإذا ذبحت الضحية لا يعطي الجازر منها شيئًا لأجل الأجرة لا من جلودها ولا من غيره وهذا قول الجمهورفقد أخرج البخاري ومسلم من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله أمره أن يقوم على بُدنه وأن يقسم بُدنه كلها لحومها وجلودها وجلالها، ولا يعطي في جزارتها شيئًا ونحن نعطيه من عندنا.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح ( 3/650) نقلا عن بعض أهل العلم: إعطاء الجزار على سبيل الأجرة ممنوع لكونه معاوضة فأما إن دفع إليه صدقة أو هبة، فلا بأس؛ لأنه مستحق للأخذ ، فهو كغيره بل هو أولى؛ لأنه باشرها وتاقت نفسه إليها.
نسأل الله التوفيق والسداد وإليه المرجع والمآب
الفقير إلى عفو الله محمد الباشا
ر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق