استجيبوا لربكم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تبارك اسمه، وتعالى جدُّه، وجل ثناؤه، وعظم سلطانه، ولا إله غيره،
أول لا أول يثانيه، وآخر لا آخر يدانيه، وظاهر لا ظاهر يضاهيه، وأحد لا أحد يحاذيه، تعرف على عباده فاحتارت العقول فيه، واحدٌ أحدٌ، فردٌ صمدٌ، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. أوصانا بالتقوى فقال:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، فجزاه الله عنا خير ما جزى به نبيًّا عن أمته، ورسولاً عن رسالته، تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
أما بعد،،،
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار.
روى الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُونَهُ، قَالَ: فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ فَسَمِعَ حَدِيثَهُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَجَبًا إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلًا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَقَالَ آخَرُ: مَاذَا بِأَعْجَبَ مِنْ كَلَامِ مُوسَى كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا، وَقَالَ آخَرُ: فَعِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ، وَقَالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ وَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوسَى نَجِيُّ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَعِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حِلَقَ الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُ اللَّهُ لِي فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَلَا فَخْرَ"
هو أفضل من بعث بالرسالة وسلمت عليه الغزالة
وآمن به الحجر وانشق له القمر ولبى دعوته الشجر
واشتكى إليه الجمل من شدة العمل
وسبحت في كفه الحصباء ونبع من بين يديه الماء
هو النبي الخاتم العدنان صلى الإله عليه في القرآن
{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب : 56]
صلى الله عليه وعلى الصحابة أجمعين، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وارض اللهم عنا معهم أجمعين، اللهم آمين.
الاستجابة لله هي موضوعنا اليوم وسوف نتناوله في النقاط التالية
1- تعريف الاستجابة 2- نماذج المستجيبين
3- أصناف الناس مع الاستجابة 4- أسباب عدم الاستجابة
العنصر الأول: تعريف الاستجابة
استجاب بمعنى طلب أن يفعل الإجابة، لأن أصل الاستفعال يكون لطلب الفعل
وجاء في المعجم الوجيز "استجاب له: أطاعه فيما دعاه إليه، ومنها {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [البقرة : 186] أي: فليطوعوني".
والاستجابة أيضًا تكون من الله لك فالله يستجيب ولكن بمعنى: قبل دعاءه، وقضى حاجته"كما في الوجيز، وفي القرآن: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي.....} [آل عمران : 195]
والاستجابة لله عمل وتطبيق وإلا كان ادعاءً بالإيمان، فعَنِ الْحَارِثِ بن مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ:"كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثُ ؟ " قَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا، فَقَالَ: "انْظُرْ مَا تَقُولُ ؟ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ ؟ " فَقَالَ: قَدْ عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، وَأَسْهَرْتُ لِذَلِكَ لِيَلِي، وَاطْمَأَنَّ نَهَارِي(وأظمأت)، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَضَاغَوْنَ فِيهَا، فَقَالَ: " يَا حَارِثُ عَرَفْتَ فَالْزَمْ ", ثَلاثًا .
أي عرفت فالزم التطبيق والعمل، وهذا ما تدلنا عليه لآيات الاستجابة في سورة الشورى
{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}[الشورى : 38]
قال صاحب الظلال: فأزالوا العوائق التي تقوم بينهم وبين ربهم....وحينئذ تستجيب بلا عائق، تستجيب بكلياتها، ولا تقف أمام كل تكليف بعائق من هوى يمنعها . . وهذه هي الاستجابة في عمومها . . ثم أخذ يفصل بعض هذه الاستجابة ثم قال: {وأقاموا الصلاة} وهي صورة الاستجابة الأولى لله، وهي الصلة بين العبد وربه، وهي مظهر المساواة بين العباد في الصف الواحد ركعًا سجدًا، لا يرتفع رأس على رأس، ولا تتقدم رجل على رجل!
ولعله من هذا الجانب أتبع إقامة الصلاة بصفة الشورى قبل أن يذكر الزكاة: { وأمرهم شورى بينهم }، والتعبير يجعل أمرهم كله شورى، ليصبغ الحياة كلها بهذه الصبغة وهو نص مكي، ليدل على أنه طابع في كل حالاتها، أما الشكل الذي تتم به الشورى فهو متروك للصورة الملائمة لكل بيئة وزمان، والنظم الإسلامية كلها ليست أشكالاً جامدة، وليست نصوصاً حرفية، إنما هي قبل كل شيء روح ينشأ عن استقرار حقيقة الإيمان في القلب،
{ومما رزقناهم ينفقون } وهو نص مبكر كذلك على تحديد فرائض الزكاة التي حددت في السنة الثانية من الهجرة، ولكن الإنفاق العام من رزق الله كان توجيها مبكرًا فلا بد للدعوة من الإنفاق، ولا بد منه تطهيرًا للقلب من الشح، واستعلاء على حب المال، وثقة بما عند الله، وكل هذه ضرورية لاستكمال معنى الإيمان".
والاستجابة تستلزم السرعة في الطاعة والتطبيق والالتزام بأمر الله فلا تتلكأ ولا تسوف، فعن أبي سعيد بن المعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به وهو يصلي فدعاه، قال: فصليت ثم أتيته، قال: فقال رسول الله: "ما منعك أن تجيبني"، قال: كنت أصلي، قال: ألم يقل الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}، لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد قال: قلت يا رسول الله قولك، قال: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني التي أوتيت والقرآن العظيم" .
فإذا كان تأخر الصحابي الجليل أبي سعد بن المعلى لحظات عن نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاه، وهو يصلي يعبد الله؛ سبَّبَ إنكار الرسول صلى الله عليه وسلم عليه، لعدم مبادرته واستجابته لأمره، فكيف بحال كثير من الناس اليوم، وقد آل الأمر بكثير منهم إلى نبذ أوامره، بل والإعراض عن دينه.
إذن الاستجابة هي التطبيق العملي، والسرعة في الامتثال، ولهذا فقد دعا الله المؤمنين في كتابه العزيز ترغيبًا وترهيبًا، فقال ترهيبًا: {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47} [الشورى : 47]
وقال ترغيبًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } [الأنفال : 24]
قال صاحب الظلال: " إن الله قادر على أن يقهركم على الهدى - لو كان يريد - وعلى الاستجابة التي يدعوكم إليها هذه الدعوة، ولكنه - سبحانه - يكرمكم؛ فيدعوكم لتستجيبوا عن طواعية تنالون عليها الأجر".
وقال ابن كثير:{ لِمَا يُحْيِيكُمْ } "ففي الإسلام إحياؤهم بعد موتهم بالكفر"
وقال الشعراوي: { وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }
"كل منا في يد الخالق، وسبحانه وتعالى لم يخلق الخلق ثم يترك النواميس لتعمل دون إرادته، بل كل النواميس في يده"
فكثير من الناس يحول الله بينه وبين قلبه فلا يستطع أن يطيع الله ولا أن يركع له ركعة، بل ولم يكن قلبه له طيعًا، لأنه أصر على العصيان واستهزأ بالطائعين، فختم الله على قلبه، وحال بينه وبين دخول الإيمان قلبه، أو خروج الغشاوة والغفلة منه، نسأل الله العافية.
وفي قصص خاتمة السوء ما تشيب منه الأبدان، فإن رجلاً في احتضاره ذَكَّره الطبيب بلا إله إلا الله، فأشاح بيده وقال:" هو كان عملِّي إيه"
من أجل هذه اللحظات الفارقات قال رسول الله في حديث أم سلمة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه يقول:
"اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك". قالت: فقلت يا رسول الله، أو إن القلوب لتتقلب ؟ قال: "نعم، ما خلق الله من بشر من بني آدم إلا أن قلبه بين إصبعين من أصابع الله، عز وجل، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه. ثم تلا {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [آل عمران : 8].
قالت: قلت: يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: "بلى، قولي: اللهم رب النبي محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني"
العنصر الثاني: نماذج المستجيبين
إن المستجيب لله لا يتردد، بل يكفيه داعٍ واحد فقط، وهذا شأن الصحابة عندما سمعوا داعي الله، فهم أفضل من فهم عن رسول الله، بل كانت استجابتهم سلوكًا يحتذى به، حتى كان الرجل يدخل في الإسلام فيتغير كل شيء في حياته من نفس اللحظة التي دخل فيها للإسلام.
ففي تحويل القبلة، عندما أمر الله بتحويلها من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام قال الحافظ أبو بكر بن مردويه كما في تفسير ابن كثير أن عمارة بن أوس قال: "بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس، ونحن ركوع، إذ أتى مناد بالباب: أن القبلة قد حُوِّلت إلى الكعبة. قال: فأشهد على إمامنا أنه انحرف فتحوَّل هو والرِّجال والصبيان، وهم ركوع، نحو الكعبة.
وذكر ابن مردويه من حديث نُوَيلة بنت مسلم قالت: حدثني رجل من بني حارثة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أولئك رجال يؤمنون بالغيب" .
وعندما نزل تحريم الخمر قال أنس فيما أورده ابن كثير كنت ساقي القوم يوم حُرّمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفَضيخ البسرُ والتمرُ، فإذا مناد ينادي، قال: اخرج فانظر. فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حُرّمت، فَجرت في سِكَكِ المدينة، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فَأهْرقها، فهرقتها.
ولابن كثير أيضًا من رواية ابن جرير عن أبي بريدة، عن أبيه قال: بينا نحن قُعُود على شراب لنا، وعندنا باطية لنا، ونحن نشرب الخمر حلا إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، إذ نزل تحريم الخمر: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ } إلى آخر الآيتين {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } ؟ فجئت إلى أصحابي فقرأتها إلى قوله: { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون } ؟ قال: وبعض القوم شَربته في يده، قد شرب بعضها وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا، كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا ربنا.
وانظر إلى هذه الاستجابة التي رواها الأصمعي وذكرها الزمخشري في الكشاف قال: " أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود له فقال: ممن الرجل ؟ قلت: من بني أصمع، قال: من أين أقبلت ؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن، فقال: اتل عليّ ، فتلوت {وَالذرِيَاتِ} فلما بلغت قوله تعالى: { وَفِى السَّمَاء رِزْقُكُمْ} قال: حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى، فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف، فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت دقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر، فسلم عليّ واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، ثم قال: وهل غير هذا ؟ فقرأت: {فورب السماء والأرض إنه لحق}، فصاح وقال: يا سبحان الله، من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف، لم يصدقوه بقوله حتى ألجئوه إلى اليمين؛ قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه".
وانظر إلى استجابة يكابد أم موسى عليه السلام عندما قال الله لها: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ } [طه: 38 ، 39].
حركات كلها عنف وخشونة، قذف الطفل في التابوت، ثم قذفه بالتابوت في اليم، ثم إلقاء اليم للتابوت على الساحل، ثم من يتسلمه بعد الرمي والطرح، عدو لي وعدو له، خافت كأي أم حتى أنها {كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص : 10].
كادت تقول اقتلوه بيدكم بدلًا أن يقتل بيدي غرقًا وأكون أنا الذي قتلته، وفي زحمة هذه المخاوف كلها وبعد تلك الصدمات كانت الحماية والعناية الإلهية {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه : 39].
قدرة تجعل المحبة الهينة درعًا تتكسر عليه الضربات، وتتحطم عليه الأمواج وتعجز قوى البشر والطغيان أن تمس حاملها بسوء، ولتصنع على عيني تحت عين فرعون عدو لي وعدوك بلا حارس ولا مانع، فرددناه إلى أمه كي تقر عينها، بأن حرمنا عليه المراضع، فتأتي أخته فتقول هل أدلكم على من يكفله، حتى ترضع يكابد ولدها وتأخذ أجرها، ولم تفطن لها الدايات بحملها.
الخـطـبـة الـثانـيـة
الحمد لله ربِ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد ألا إله إلا الله، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا، خاتمُ النبيين، وسيدُ المجاهدين، وإمامُ الخلق إلى يومِ يقومُ الناسُ لربِ العالمين، أما بعد ...
العنصر الثالث: أصناف الناس مع الاستجابة
اعلموا أن الناس ينقسمون فريقين تجاه أوامر الله، فمنهم من استجاب وأطاع، ومنهم من أعرض وأبى، يقول الله عز وجل مبينًا نتيجة الفريقين: { لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ } [الرعد:18].
فهذا مآل السعداء والأشقياء {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ } أي: أطاعوا الله ورسوله، وانقادوا لأوامره، فلهم { الحسنى } والحُسْنى: أفعل التفضيل المؤنث لحسن، وهو الجزاء الحسن، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْحُسْنى هِيَ الْجَنَّةُ،كما قال ابن كثير والطاهر ابن عاشور، كما بين الله حال الفريقين في إخباره عن ذي القرنين أنه قال: { قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا } [الكهف: 87، 88].
"وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ جَزاءً الْحُسْنى بِإِضَافَةِ جَزاءً إِلَى الْحُسْنى عَلَى الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ، وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفَصٌ عَنْ عَاصِمٍ، وَيَعْقُوبُ، وَخَلَفٌ جَزاءً الْحُسْنى بِنَصْبِ جَزاءً مُنَوَّنًا عَلَى أَنَّهُ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ اسْتِحْقَاقِهِ الْحُسْنَى، أَوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ.
وَالْقَوْلُ الْيُسْرُ: هُوَ الْكَلَامُ الْحَسَنُ، وُصِفَ بِالْيُسْرِ الْمَعْنَوِيِّ لِكَوْنِهِ لَا يُثْقِلُ سَمَاعَهُ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} [الْإِسْرَاء: 28] أَيْ جَمِيلًا "، أو هو قول المعروف كما قال ابن كثير.
وقوله: { وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ } أي لم: يطيعوا الله، ولم يمتثلوا أمره { لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا } أي: في الدار الآخرة، لو أمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبًا ومثله معه لافتدوا به، ولكن لا يتقبل منهم؛ لأنه تعالى لا يقبل منهم يوم القيامة صرفًا ولا عدلاً { أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ }
أي: في الدار الآخرة، أي: يناقشون على النقير والقطمير، والجليل والحقير، ومن نوقش الحساب عذب؛ وسُوءُ الْحِسابِ مَا يَحُفُّ بِالْحِسَابِ مِنْ إغلاظ وإهانة للمحاسب.
ولهذا قال: { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ }.
بل لقد بين الله أن المعرضين عن أن أمر الله سبب إعراضهم أنهم يتبعون أهواءهم قال تعالى: { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } [القصص:50].
إذاً الأمر مقسوم إلى طريقين: إما الاستجابة لله ولرسوله، وهؤلاء لهم البشرى، لأن الجزاء من جنس العمل، قال تعالى:{ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى } [آل عمران:195].
وإما اتباع الهوى لا محالة: { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } [القصص:50].
وقد رتب الله الوعيد الشديد، والانتقام الأكيد على المخالفين لها بقوله: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النور:63].
قال الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآية:
أي: فليحذر وليخش من مخالفة شريعة الرسول باطنًا وظاهرًا، {أن تصيبهم فتنة} أي: في قلوبهم من كفر، أو نفاق، أو بدعة، {أو يصيبهم عذاب أليم} في الدنيا بقتل، أو حد، أو حبس، أو نحو ذلك.
والفرق ما بين المؤمنين والمنافقين سرعة الاستجابة لله ورسوله، والمبادرة إلى امتثال أوامر الله ورسوله، والسمع والطاعة، والانقياد للحق إذا ظهر، يقول تعالى مبينًا صفات الفريقين في ذلك: { وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } [النور:47-52].
العنصر الرابع: أسباب عدم الاستجابة
إن كثيرًا من الناس في هذا الزمان ما استجاب رغم أنه يدعى منذ زمن، كم سمع من المواعظ والخطب وقرأ القرآن وهو يُمني نفسه ويسوف به الشيطان؟ يحضر كل جمعة الخطبة، ويسمع بصريح العبارة بيانًا من الله، فلا شك أن هناك أسبابًا تحول بينه بين طاعة الله منها.
1- ليس الكل يأتي إلى الدرس أو الخطبة بنفسية التطبيق والتنفيذ والامتثال، ولكن يأتي ليسمع ويحفظ ويبلغ أو ليستمتع بالكلام فقط ولكن صحابة رسول الله كانوا يتعلمون العلم والعمل معًا وكانوا يسألون النبي عن الأعمال فعن ابن مسعود رضي الله عنه، قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله، أيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى ؟ قَالَ: (( الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا )) قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قَالَ: (( بِرُّ الوَالِدَيْنِ )) قلتُ : ثُمَّ أيُّ ؟ قَالَ : ((الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ )) متفقٌ عَلَيْهِ .
وحديث حذيفة في الصحيحين:"كان الناس يسألون عن الخير وكنت أسأل عن الشر مخافة أن يدركني".
وعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه: أنَّ رجلاً قَالَ: يَا رسولَ الله، إنَّ شَرَائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَليَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيءٍ أَتَشَبثُ بِهِ قَالَ: (( لا يَزالُ لِسَانُكَ رَطباً مِنْ ذِكْرِ الله )) .
بل ودائمًا تجد الذين آمنوا مرتبطة بعملوا الصالحات يقول الله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } [النساء : 66 - 69]
2- عدم معرفة الأجر يؤدي إلى ضعف التطبيق، فقد ذكر الأجر لترغيب الناس في التطبيق حتى في الطعام فعن معاذِ بن أنسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ أكَلَ طَعَامًَا، فَقال: الحَمْدُ للهِ الَّذِي أطْعَمَنِي هَذَا، وَرَزَقنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )).
وروى الترمذي والحاكم من حديث عمر بن الخطاب أن النبي قال: "من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد يحيي و يميت و هو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبنى له بيتًا في الجنة" ، فمن لا يعرف ثواب الأعمال ثقلت عليه في جميع الأحوال.
3- مستوى التصديق بالجنة والنار أصبح ضعيفًا جدًا، ومستوى الإيمان بالحساب، لذلك كثيرًا ما نستغرب من فعل أبي بكر بإنفاق ماله كله، وعمر بنصف ماله، وعثمان في تجهز جيش العسرة، وعلي بشجاعنه في غزوة الأحزاب عندما قتل عمرو بن ود، لأنهم كانوا يسمعون عن الآخرة، كأنهم يرونها رأي عين.
مثال: ذلك رجل متعب لا يستطيع الحركة، وأراد النوم ولا يسمع لأحد، ولكنه عندما احترق بيته تحرك وهرول وأطفأ النار طلوعًا ونزولاً بالماء، السر في ذلك، لأن النار اقتربت، ومثل موت أحد الأقارب تجد البيت كله في الأيام الأولى يبحثون عن القربات، لماذا لأن الموت قد اقترب.
4- الرضا بالحياة الدنيا والتهافت والصراع عليها (قصة عيسى والمال)
يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يونس : 7 ، 8]
ركنوا إليها وجعلوها غاية أمرهم، كأنهم خلقوا للبقاء فيها.
نسأل الله أن يهدينا للامتثال لأمره والاستجابة لطاعته
فهو ولي ذلك والقادر عليه
الشيخ محمد الباشا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الخميس، 9 يونيو 2011
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)