خطبة عيد الأضحى 2010
بدائل الحج
الحمد لله رعيت من استرعاك، وحميت من لجا بحماك، لا معين غيرك، ولا ناصر سواك،
أنت البارئ والطبيب، وأنت المعاقب والمثيب، وأنت الحارس والرقيب، وأنت على كل شيء حسيب.
سبحانك لا قوة على طاعتك إلا بإعانتك، ولا تحول عن معصيتك إلا بمشيئتك،
تهدي من تشاء وتعصم وتعافي فضلا، وتضل من تشاء وتخذل وتبتلي عدلا، وكلنا يتقلب في مشيئته بين فضله وعدله،
الوجود وجوده، والملوك عبيده، نستعينه ونستهديه ونستغفره، نؤمن به، ونتوب إليه، ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله،
هو المتعالي عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره
خالق بلا حاجة، رازق بلا مـؤنة، مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة
قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد،
لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفـهام، ولا يُشبه الأنام، حي لا يموت، قيوم لا ينام،
آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلا من عنده
ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )
وأن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وأنه خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وحبيب المتقين، و إمام الخلق إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين
إنَّ من فضل الله على عباده أنْ جعَلَ لهم فُرَصًا ,ونفحات حتى يتقرَّبوا إليه بالطاعات، ومن مَزِيدِ فضله أنْ أعلَمَهم بهذه الفُرَص، مثل الحج، فقد أعدَّ الثواب العظيم لِمَن حجَّ بيتَه الحرام، ومن رحمته لم يُكلِّف بهذه الفريضةِ غيرَ المُستَطِيع، ومن مزيد رحمته لم يحرم غيرَ المستطيع الذي حبَسَه العذرُ أو أحصر عن أداء النسك.
فقد شرَع الله عزَّ وجلَّ لنا بدائل للحج من أعمالِ خيرٍ وبِرٍّ، وطاعةٍ وعبادة، بل جعل لنا وسائل تجعَلُنا نَعِيشُ نفسَ مَشاعِر الحجَّاج، ففي نفس الوقت الذي يكون فيه الحاجُّ في مكَّة يؤدِّي المناسك تكون أنت في بلدك، وتُحصِّل من الأجرِ الكثيرَ والكثيرَ، فمدار الأمر المغفرة والثواب، لدرجةٍ تعلو فيها على المجاهد، إلاَّ أنْ تبذل النفس بكاملها والمال بكامله في سبيل الله، فهذه أعظَمُ عشرة أيَّام في العام كله، وهذه الأيَّام ليست للحجَّاج فقط، بل إنها لعموم الأمَّة؛ حتى يعيش المسلِمون مع إخوانهم الحجاج الجوَّ الإيماني الذي يَعِيشونه فإنَّنا مأمورون بالتشبُّه بالحجَّاج في أعمالهم الظاهرة ومن باب أولي في مقاصد أعمالهم؛ عن أمِّ سلمة أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((إذا رأيتُم هلالَ ذي الحجَّة وأراد أحدُكم أنْ يُضحِّي، فليُمسِك عن شَعرِه وأظفاره)) رواه مسلم.
1- النية الصادقة
فمَن حبَسَه العذرُ عن الذَّهاب إلى مكَّة لحجِّ بيت الله الحرام وهو صادِقٌ في نيَّته فليَعِش كما يَعِيش الحاجُّ، وليتمثَّل أخلاقَ الحجَّاج ومَشاعِرهم، ويَنال بنيَّته مالم ينَلْه بعمله، وعلى الله الأجرُ الثَّواب، فعن أنس بن مالكٍ رضِي الله عنه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رجَع من غزوة تبوك فدَنَا من المدينة فقال: ((إنَّ بالمدينة أقوامًا ما سِرتُم مَسِيرًا ولا قطعتُم واديًا إلاَّ كانوا معكم))، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: ((وهم بالمدينة، حبَسَهم العُذْرُ). رواه البخاري واللفظ له،
يقول الشاعر: يَا سَائِرِينَ إِلَى البَيـْتِ العَتِيـقِ لَقَدْ سِرْتُمْ جُسُومًا وَسِرْنَا نَحْنُ أَرْوَاحَا
إِنَّا أَقَمْنَا عَلَى عُذْرٍ وَقَدْ رَحَـلُوا وَمَنْ أَقَامَ عَلَى عُذْرٍ فَقَـدْ رَاحَـا
وروى حميد بن زنجويه بإسناده عن زيد بن أسلم قال:" يؤتى يوم القيامة بفقير وغني اصطحبا في الله، فيوجد للغني فضل عمل فيما كان يصنع في ماله، فيرفع على صاحبه، فيقول الفقير: يا رب لما رفعته وإنما اصطحبنا فيك وعملنا لك، فيقول الله تعالى: له فضل عمل بما صنع في ماله، فيقول: يا رب لقد علمت لو أعطيتني مالاً لصنعت مثل ما صنع فيقول الله: صدق فارفعوه إلى منزلة صاحبه، ويؤتى بمريض وصحيح اصطحبا في الله فيرفع الصحيح بفضل عمله فيقول المريض: يا رب لم رفعته علي فيقول: بما كان يعمل في صحته فيقول: يا رب لقد علمت لو أصححتني لعملت كما عمل، فيقول الله: صدق فارفعوه إلى درجة صاحبه، ويؤتى بحر ومملوك اصطحبا في الله فيقول مثل ذلك، ويؤتى بحسن الخلق وسيء الخلق فيقول: يا رب لم رفعته علي وإنما اصطحبنا فيك وعملنا فيقول: بحسن خلقه، فلا يجد له جوابًا".
2- صوم يوم عرفة
إذا كان الحجَّ يَغفِر الذنوب، فلك هذا وأنت في بيتك، فغَيْر الحاج يَغفِر الله له الذُّنوب بصَوْمِ يومٍ واحد في سبيل الله، فعن أبي قتادة عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم "أنه سئل عن صِيامُ يوم عرفة أحتَسِب على الله أنْ يُكفِّر السَّنة التي قبلَه والسنةَ التي بعدَه"واه مسلم.
والحديث يدلنا على أن الله يتعامل معنا في هذا اليوم بالدقيقة فلو كان الصوم في12 ساعة كانت الكفارة في 24 شهرًا أي أن اليوم بسنتين والساعة بشهرين والدقيقة بيوم.
إنَّ من أعظم درجات الحجِّ أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - يَغفِر ذنوب الحجاج جميعًا، وأكثَرُ ما يعتق من الرِّقاب يوم عرفة، وإلى هذا أشارَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث الشريف؛ قالت عائشةُ رضِي الله عنها: إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((ما من يومٍ أكثر من أنْ يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنَّه لَيَدنُو ثم يُباهِى بهم الملائكةَ فيقول: ما أرادَ هؤلاء؟))؛ رواه مسلم وغيرُه.
فالحُجَّاج يُكفِّر الله عزَّ وجلَّ عنهم ذنوبهم يوم عرفه، وغير الحُجَّاج من الصائمين الطائعين يُكفِّر الله عزَّ وجلَّ ذنوبهم وهم في بلادهم، وهذا من نعمة الله عزَّ وجلَّ على المسلمين جميعًا، فينبَغِي ألاَّ نغفل عن صِيام يوم عرفة خاصَّة.
3- الدعاء
كلُّنا نلتَمِس ممَّن نُودِّعهم من الحجَّاج الدُّعاء عن الكعبة أو عند زمزم أو غيرها من النُّسُك؛ لأنَّ الدُّعاء عند الكعبة مُستجابٌ، وكذا عند الشُّرب من ماء زمزم، وعند السعي، وعند الوقوف بعرفة، وكذا عند كلِّ نسك، ولك هذا وأنت في بيتك، بل إنَّ الله هو الذي يَسأَلُك: ما حاجتك؟ ماذا تريد؟ بِمَ تدعو؟ ما الذي ينقصك؟ عن أبى هُرَيرة عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((يَنزِل الله إلى السَّماء الدُّنيا كلَّ ليلةٍ حين يمضى ثلث الليل الأوَّل فيقول: أنا الملك، أنا الملك، مَن ذا الذي يَدعُوني فأستَجِيب له؟ مَن ذا الذي يسألني فأُعطِيَه؟ مَن ذا الذي يستَغفِرني فأغفِرَ له؟ فلا يَزال كذلك حتى يُضيء الفجرُ)).متفق عليه.
روى مسلم عن أبى هُرَيرة رضِي الله عنه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((أقرَبُ ما يَكون العبدُ من ربِّه وهو ساجدٌ، فأكثِرُوا الدُّعاء))
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يغفر الله للحاج ولمن استغفر له الحاج ".أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، والبزار، والطبراني
4- الذِّكر:
فمن مقاصد الحجِّ الذِّكر، ويتَّضح ذلك من قول الله - تبارَك وتعالى -: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ [الحج: 28].
وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾ [البقرة: 198].
﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾ [البقرة: 200].
﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [البقرة: 203].
وفي صحيح مسلم للحاج ولغيره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سبح في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت له خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر".
قال شيخ الإسلام ونقل ذلك ابن القيم في الوابل الصيب:"بلغنا أن من حافظ على هذه الكلمات لم يأخذه إعياء فيما يعانيه من شغل وغيره".
5- الجلوس في المصلي بعد صلاة الفجر جماعة حتي تطلع الشمس.
أخرج الترمذي بسند حسنه الألباني في المشكاة وصححه في صحيح الجامع الصغير عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين"أي الضحى" كانت له كأجر حجة وعمرة " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تامة تامة تامة".
وأخرج أبو داود عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة، فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه، فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين" قال الشيخ الألباني حسن.
6- إطعام الطعام وإفشاء السلام.....
روى الطبراني في المعجم الأوسط وحسنه الألباني في الجامع عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، قال وما بره قال: إطعام الطعام وطيب الكلام".
ويرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البدائل العملية التي نستطيع من خلالها الوصول إلى الجنة ودخولها بسلام فعن عبد الله بن سلام قال لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس قبله وقيل: قد قدم رسول الله، قد قدم رسول الله، قد قدم رسول الله ثلاثًا فجئت في الناس لأنظر، فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: "يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" قال الترمذى: حديث حسن صحيح وقال الألباني صحيح كما في الإرواء.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأن محمدًا خاتم النبيين وسيد المجاهدين وإمام الحق إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين.
إن الله عضم وقت الحج شيئين
تعظيم المكان والزمان:
فمع تَعظِيم أماكن الحج عظَّم الله زمانَ الحجِّ؛ ففضَّل أيَّام الحج على غيرها من الأيَّام حتى تتنزَّل الرحمةُ على الحاجِّ المستَطِيع، وكذلك على مَن حبَسَه العذرُ وصدَق في نيَّته فحجَّ بقلبِه.
فكما نهى عن الظُّلم بارتِكاب المحرَّم في المكان فقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾[الحج: 25].
كذلك نهى عن الظُّلم بارتِكاب المحرَّم في زَمان الحجِّ؛ فقال تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 36].
وكما كان مكان الحج مقدَّسًا وهو بلدٌ حَرام؛ أي: حَرام فيه القتال، والذَّنب فيه أشد عقوبَة، كذلك زمان الحج فهو شهر حَرام؛ أي: حَرام فيه القتال، والذَّنب فيه أشد عقوبة، ففي الشهور الحرم تُغلَّظ فيها الآثام كما تُغلَّظ فيها الدِّية عند الإمام الشافعي وغيره.
ومعني (حَرم)؛ أي: إنَّ المعصية فيها أشد عقوبة والطاعة فيها أكثر ثَوابًا،﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [التوبة: 36] بفعل المعاصي وترك الطاعات؛ فتركُ الطاعات وفعلُ المعاصِي في هذه الأيَّام ظلمٌ للنَّفس.
فاذكروا ذلك جيدًا، واعلموا أنَّ الأمَّة التي تعمل بالمعاصي، وتحيد عن أمر الله، تسقط وتنهار، ولستمْ والله أفضل من سعد بن أبي وقاص، بطل القادسية، المُبَشَّر بالجنة، السابق إلى الإسلام، ومع كل ذلك هذه وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه له، وهو متأهِّب للمسير إلى القادسية، حيث قال له: "يا سعد، لا يغرنَّك منَ الله أن قيل: خالُ رسول الله، وصاحب رسول الله، فإنَّ الله عز وجل لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكنه يمحو السيئة بالحسنة، يا سعد، إن الله ليس بينه وبين أحد نسبٌ إلا طاعته، فالناس جميعًا؛ شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالتَّقوى، ويُدركون ما عنده بالطاعة".
ولا تغفل عن يوم النحر فإنه أفضل أيام الدنيا على الاطلاق يومُ الذِّكر والشكر، وهو يوم الذبح والنحر؛ يوم الحج الأكبر قبله الأيام العشر وبعده أيام التشريق فهو الواسطة والتاج، فعن عبدالله بن قُرْطٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمُ النَّحْرِ ثم يوم القَرِّ" أي ثاني يوم النحر، لأنهم يقرّون فيه ويستجمعون مما تعبوا في الأيام الثلاثة"التروية وعرفة والنحر" رواه أبو داود وصححه الألباني في الجامع.
ففيه وبعده الذكر والشكر والطاعة كما فيه الأكل ففي حديث نُبَيْشَةَ الهُذَلِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ، وَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ لله"رواه مسلم.
وكما أنَّ الحجَّاج لا يُضيِّعون وقتًا ولا يَصرِفونه إلاَّ في طاعةٍ، فكن مثلَهم في طاعةٍ دائمًا، وإذا كانوا يَخافُون من الله أنْ يعصوه في بلده الحرام فخَفْ من الله أنْ تعصيه في الشهر الحرام.
فاتقوا الله تعالى وعظِّموا شعائره، وقفوا عند حدوده، واجتنبوا حرماته؛ {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ}
وإذا سعَوْا بين الصفا والمروة فاسعَ أنتَ هنا لقَضاء حَوائِج النَّاس؛ عن ابن عمر عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((أحَبُّ الناس إلى الله أنفَعُهم، وأحَبُّ الأعمال إلى الله عزَّ وجلَّ سرُورٌ تُدخِلُه على مُسلِم أو تَكشِف عنه كُربةً، أو تَقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُد عنه جُوعًا، ولَأَنْ أَمشِي مع أخي المُسلِم في حاجةٍ أحبُّ إلَيَّ من أنْ أعتَكِفَ في هذا المسجد شهرًا، ومَن كفَّ غضَبَه ستَرَ الله عَوْرتَه، ومَن كظَم غيظًا ولو شاءَ أنْ يُمضِيه أمضاه مَلَأَ الله قلبَه رضًا يوم القيامة، ومَن مشَى مع أخيه المسلم في حاجَتِه حتى يُثبتها له أثبَت الله تعالىقدَمَه يوم تزلُّ الأقدام، وإنَّ سوء الخلق ليُفسِد العملَ كما يُفسِد الخل العسل))؛ أخرجه الطبراني وابن عساكر وابن أبي الدنيا، وحسَّنه الألباني.
وإذا كانوا يُقبِّلونَ الحجرَ الأسودَ فقَبِّل يدَيْ والدَيْك وبرَّهما؛ فهما باب الجنَّة، وإذا كانُوا يشرَبُون ويغتَسِلون من زمزم فاغسِل وجهَك وطهِّر قلبك بدموع التوبة.
وحين يَقِفُ الحجيج على عرفات رافِعِين أكفَّ الضَّراعة إلى الله عزَّ وجلَّ فليَصعَد قلبُك على أبواب السَّماء، ويخر ساجدًّا لله سجدةَ انكسارٍ وفقرٍ وتذلُّلٍ لا يرفَع منها إلى يوم القِيامة، وقِفْ أنت هنا على حُدودِ الله، واجعَل بينك وبين المعصية حِجابًا.
وحين يتَزاحَم الحجيج لرَمْي الجمرات، فليَرْمِ قلبُك كلَّ ما علق به من شَهوات الدُّنيا وملذَّاتها، وتطرد روحك كلَّ ما يُطارِدها من وَساوِس الشيطان.
وإذا قدَّمُوا الهديَ فقَدِّم الأُضحِيَة طيِّبةً بها نفسُك وبِعْ نفسَك لله؛ ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 111].
الخميس، 18 نوفمبر 2010
الأربعاء، 3 نوفمبر 2010
[1] فضل أيام عشر ذي الحجة:
1- أن الله تعالى أقسم بها: قول الله تعالى: { وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ } [الفجر:2،1]. قال ابن كثير رحمه الله: المراد بها عشر ذي الحجة.
2- أنها الأيام المعلومات التي شرع فيها ذكره: وقال عز وجل: { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ } [الحج: 28]. قال ابن عباس : "أيام العشر".
3- أن رسول الله شهد لها بأنها افضل أيام الدنيا: فعن جابر عن النبي قال :( أفضل أيام الدنيا أيام العشر ـ يعني عشر ذي الحجة ـ قيل: ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال : ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عفر وجهه بالتراب). [ رواه البزار وابن حبان وصححه الألباني].
4- أن فيها ليلة مزدلفة. والمبيت بها واجب من واجبات الحج ، وتسمى جَمْع والمشعر الحرام ، فإذا وصل الحاج إليها بدأ بالصلاة قبل أن يضع رحله فيصلي المغرب والعشاء جمعاً وقصراً بأذان واحد وإقامتين.
ويسن الوقوف في أي مكان منها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " وقفت هاهنا وجمع كلها موقف " [ رواه مسلم ].
4- أن فيها يوم عرفة :
فقال : الحج عرفة.
ويوم عرفة يوم الحج الأكبر، ويوم مغفرة الذنوب، ويوم العتق من النيران، ولو لم يكن في عشر ذي الحجة إلا يوم عرفة لكفاها ذلك فضلاً.
5- أن فيها يوم النحر وهو أفضل أيام السنة عند بعض العلماء، قال (أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر)[رواه أبو داود وصححه الألباني] ( ). .
6- اجتماع أمهات العبادة فيها : قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره).
[2] فضل العمل في عشر ذي الحجة
1- العمل فيها أفضل من الجهاد إلا من جهاد ولم يرجع بشيء. 1- عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال: "ما العمل في أيام أفضل من هذه العشر" قالوا: ولا الجهاد؟ قال: "ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء". [رواه البخاري].
2- فضيلة الإكثار من الذكر. لقوله تبارك و تعالى : { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ } ( سورة الحج : الآية 28).
2- وعن ابن عمر رضي الله عنهما: قال: قال رسول الله : "ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر. فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد" رواه الطبراني في المعجم الكبير.
3- الاجتهاد فيها. 3- وكان سعيد بن جبير- رحمه الله- وهو الذي روى حديث ابن عباس السابق: "إذا دخلت العشر اجتهد اجتهادا حتى ما يكاد يقدر عليه " رواه الدارمي بإسناد حسن . ( ).
4- تأكد القراءة والقيام فيها. 4- وروي عنه أنه قال: "لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر" كناية عن القراءة والقيام.
5- أن فيها صيام يوم عرفة. 5- فقد سن النبي صيامه:
أ- لغير الحاج ، أما الحاج فعليه أن لا يصوم ذلك اليوم ليتفرغ للدعاء ويتقوى على العبادة هناك .
ب- وأما غير الحاج فالمستحب له ألا يترك صيام ذلك اليوم العظيم ، لقوله : " صوم يوم عرفة يكفر سنتين ، ماضية ومستقبلة . . . " [ رواه مسلم وأحمد والترمذي ] .
6- أداء الحج والعمرة. وهو أفضل ما يعمل ، ويدل على فضله عدة أحاديث منها
5- قوله : ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) .
7- الصيام . قد صح عند رسول الله أنه قال : " من صام يوماً في سبيل الله باعد الله منه جهنم مسيرة مائة عام " .
وفي الحديث عند البخاري وغيره : قال النبي ( قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزى به " .
[3] بعض الأعمال الواردة في هذه الأيام :
1- التوبة النصوح: وهي الرجوع إلى الله (تعالى)، مما يكرهه ظاهراً وباطناً إلى ما يحبه ظاهراً وباطناً، ندماً على ما مضى، وتركاً في الحال، وعزماً على ألا يعود. وما يتاب منه يشمل: ترك الواجبات، وفعل المحرمات( ).
2- أداء الحج والعمرة: 1- قوله : ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) .
3- المحافظة على الواجبات: والمقصود: أداؤها في أوقاتها وإحسانها بإتمامها على الصفة الشرعية الثابتة عن رسول الله ، ومراعاة سننها وآدابها. وهي أول ما ينشغل به العبد في حياته كلها؛
روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : (إن الله قال: من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته).
4- الإكثار من الأعمال الصالحة:
إن العمل الصالح محبوب لله (تعالى) في كل زمان ومكان، ويتأكد في هذه الأيام المباركة، وهذا يعني فضل العمل فيها، وعظم ثوابه، فمن لم يمكنه الحج فعليه أن يعمر وقته في هذه العشر بطاعة الله (تعالى)، من:
الصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والصدقة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وغير ذلك من طرق الخير، وهذا من أعظم الأسباب لجلب محبة الله (تعالى).
5- الذكر:
وله مزية على غيره من الأعمال؛
1- للنص عليه في قوله (تعالى): ((وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ)) [الحج: 28].
قال ابن عباس: أيام العشر، أي: يحمدونه ويشكرونه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام،
ويدخل فيه: التكبير والتسمية على الأضحية والهدي: 2- ولقوله: (فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد).
6- الصدقة . قال (ما نقصت صدقة من مال) [رواه مسلم].
7: التكبير: التكبير : ويسن الجهر به ، أما المرأة فلا تجهر وهو نوعان :
الأول : التكبير المطلق:
( أي غير مقيد بأدبار الصلوات الخمس ) : النوع الثاني : التكبير المقيد :
( أي المقيد بأدبار الصلوات الخمس )
فله أن يكبر في أي وقت وفي أي مكان ، في أيام العشر وأيام التشريق . ومن الأدلة عليه :
1- حديث ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ : " مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَ التَّحْمِيدِ " أخرجه أحمد (2/75،131) وأبو عوانة وهو حسن بمجموع طرقه وشواهده .
2- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما : " أن رسول الله كان يخرج في العيدين .. رافعاً صوته بالتهليل والتكبير .. " . صحيح بشواهده .
3- وعن نافع : " أن ابن عمر كان إذا غدا يوم الفطر ويوم الأضحى يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى ، ثم يكبر حتى يأتي الإمام ، فيكبر بتكبيره " أخرجه الدارقطني بسند صحيح .
4- وعن نافع أن ابن عمر : " كان يكبر بمنى تلك الأيام خلف الصلوات ، وعلى فراشه ، وفي فسطاطه ، وفي ممشائه تلك الأيام جميعاً " أخرجه ابن المنذر في الأوسط بسند جيد ، و البخاري تعليقاً بصيغة الجزم. ويبدأ من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق ، وهو الثالث عشر من ذي الحجة.
1- فعن شقيق بن سلمة رحمه الله قال : " كان علي يكبر بعد صلاة الفجر غداة عرفة ثم لا يقطع حتى يصلي الإمام من آخر أيام التشريق ثم يكبر بعد العصر " أخرجه ابن المنذر والبيهقي .
وصححه النووي وابن حجر .
2- وثبت مثله عن ابن عباس رضي الله عنهما.
قال ابن تيمية : " أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة : أن يكبر من فجر عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة .. " ( مجموع الفتاوى 24/20) .
وقال ابن حجر : " و أصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود : إنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى . أخرجه ابن المنذر وغيره والله أعلم " ( الفتح 2/536) .
أما صفة التكبير : فقد قد ثبت عن الصحابة أكثر من صيغة منها أثر ابن مسعود : " أنه كان يكبر أيام التشريق : الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، و الله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد ". أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح .
8- أحكام الأضحية :
1- وهي سنة مؤكدة في حق الموسر، وقال بعضهم كابن تيمية بوجوبها). وقد أمر الله بها نبيه ، فقال: ((فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)) [الكوثر: 2]
فيدخل في الآية : 1- صلاة العيد. 2- ونحر الأضاحي :
فقد كان النبي يحافظ عليها، قال ابن عمر(رضي الله عنهما):أقام النبي بالمدينة عشر سنين يضحي.
فعَنْ أَنَسٍ قَالَ : " ضَحَّى النَّبِيُّ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا " متفق عليه . ( الصفحة هي جانب العنق ) .
2- والسنة أن يشهد المضحي أضحيته... وأن يباشرها بنفسه ، وأن يأكل منها شيئاً كما فعل النبي .
وإن وكَّل غيره كالجمعيات والهيئات الخيرية جاز ، ولو كانت خارج البلاد ، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر أن النبي نحر بيده ثلاثاً وستين من هديه في الحج ، ووكَّل علياً في البقية ، ولأن الأصل هو الجواز و لا دليل على منعه.
3- وتجزئ الشاة عن الواحد وأهل بيته. لقول أبي أيوب لما سئل: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله ؟ فقال: " كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته " أخرجه مالك والترمذي و ابن ماجة وسنده صحيح .
4- تجزئ البدنة أو البقرة عن سبعةٍ وأهلِ بيوتهم: لحديث جابر قال: "حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحرنا البعير عن سبعة والبقرة عن سبعة " أخرجه مسلم .
5- و أقل ما يجزئ من الضأن ما له نصف سنة: وهو الجذع ؛ لقول عقبة بن عامر قال : " ضحينا مع رسول الله بجذع من الضأن " أخرجه النسائي بسند جيد ..
6- وأقل ما يجزئ من الإبل والبقر والمعز مُسنَّة: ( وهي من المعز ما له سنة، ومن البقر ما له سنتان، ومن الإبل ما له خمس سنوات ) ؛
لحديث جابر قال: قال رسول الله :" لا تذبحوا إلا مُسِنَّة ، إلا أن يَعْسر عليكم، فتذبحوا جَذَعة من الضأن " أخرجه مسلم.
7- أربع لا تجوز في الأضاحي: كما في حديث البراء بن عازب قال : قال رسول الله : "
أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البيّن ظَلْعُها ( أي: عرجها ) ، والكسير( أي: المنكسرة ) .
وفي لفظ: والعجفاء (أي: المهزولة) التي لا تنقي.(أي: لا مخ لها لضعفها وهزالها) " أخرجه أحمد وأصحاب السنن بسند صحيح.
8- النهي على من أراد أن يضحي : أخذَ شيء من شعره أو أظفاره أو بشرته حتى يذبح أضحيته ؛ لحديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي قال : " إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا " أخرجه مسلم .
وفي رواية أخرى لمسلم : " إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ".
وهذا النهي مختص بصاحب الأضحية ، أما المضحى عنهم من الزوجة و الأولاد فلا يعمهم النهي؛ لأن النبي ذكر المضحي، ولم يذكر المضحى عنهم .
9- جزاء فعل ما حرم عليه: ومن أخذ شيئاً من شعره أو أظفاره في العشر متعمداً من غير عذر وهو يريد أن يضحي فإن ذلك لا يمنعه من الأضحية ، ولا كفارة عليه ، و لكن عليه التوبة إلى الله .
10- مسائل متفرقة. 1- ومن ضحى عن غيره بوصية أو وكالة فلا يحرم عليه أخذ شيء من شعره أو ظفره أو بشرته ، لأن الأضحية ليست له .
2- ومن أخذ من شعره المباح أَخْذُهُ ، أو ظفره أول العشر لعدم إرادته الأضحية ثم أرادها في أثناء العشر أمسك من حين الإرادة .
3- ومن احتاج إلى أخذ شيء من ذلك لتضرره ببقائه كانكسار ظفر أو جرح عليه شعر يتعين أخذه فلا بأس ، لأن المضحي ليس بأعظم من المحرم الذي أبيح له الحلق إذا كان مريضاً أو به أذى من رأسه ، لكن المحرم عليه الفدية ، والمضحي لا فدية عليه .
4- ولا يجوز للمرأة أن توكل أحداً على أضحيتها لتأخذ من شعرها - كما قد تفهمه بعض النساء - لأن الحكم متعلق بالمضحي نفسه سواء وَكَّلَ غيره أم لا ، وأما الوكيل فلا يتعلق به نهي .
5- ولا حرج في غسل الرأس للرجل والمرأة أيام العشر ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما نهى عن الأخذ ، ولأن المحرم أُذِنَ له أن يغسل رأسه .
11- والأضحية عن الميت لها أحوال :
الحال الأولى : إذا كانت إنفاذاً للوصية فهي صحيحة ، ويصل أجرها إلى الميت إن شاء الله تعالى .
الحال الثانية : أن يفرد الميت بأضحية تبرعاً ، فهذا ليس من السنة ؛ لظاهر قوله تعالى : " و أن ليس للإنسان إلا ما سعى " ( النجم 39 ) وقد مات عم النبي حمزة وزوجته خديجة، وثلاث بنات متزوجات، وثلاثة أبناء صغار، ولم يرد عنه أنه أفردهم أو أحداً منهم بأضحية، ولم يثبت أيضاً إفراد الميت بأضحية عن أحد الصحابه رضي الله عنهم ، ولو كان فيه فضل لسبقنا إليه النبي وأصحابه . والخير كل الخير في هدي النبي وأصحابه .
الحال الثالثة : إن ضحى الرجل عنه وعن أهل بيته ونوى بهم الأحياء والأموات فيرجى أن يشملهم الأجر إن شاء الله.
[4] بعض الدروس التربوية المستفادة من أحاديث فضل الأيام العشر :
1- الاهتمام بالمناسبات السنوية. التنبيه النبوي التربوي إلى أن العمل الصالح في هذه الأيام العشرة من شهر ذي الحجة أفضل وأحب إلى الله تعالى منه في غيرها ، وفي ذلك تربيةٌ للنفس الإنسانية المُسلمة على الاهتمام بهذه المناسبة السنوية التي لا تحصل في العام إلا مرةً واحدةً ، وضرورة اغتنامها في عمل الطاعات القولية والفعلية ، لما فيها من فرص التقرب إلى الله تعالى ، وتزويد النفس البشرية بالغذاء الروحي الذي يرفع من الجوانب المعنوية عند الإنسان ، فتُعينه بذلك على مواجهة الحياة .
2- يمكن تغيير نمط الحياة فيها. التوجيه النبوي التربوي إلى أن في حياة الإنسان المسلم بعض المناسبات التي عليه أن يتفاعل معها تفاعلاً إيجابياً يمكن تحقيقه بتُغيير نمط حياته ، وكسر روتينها المعتاد بما صلُح من القول والعمل ، ومن هذه المناسبات السنوية هذه الأيام المُباركات التي تتنوع فيها أنماط العبادة لتشمل مختلف الجوانب والأبعاد الإنسانية .
3- حياة المسلم كلها طاعة لله. استمرارية تواصل الإنسان المسلم طيلة حياته مع خالقه العظيم من خلال أنواع العبادة المختلفة لتحقيق معناها الحق من خلال الطاعة الصادقة ، والامتثال الخالص . وفي هذا تأكيدٌ على أن حياة الإنسان المسلم كلها طاعةٌ لله تعالى من المهد إلى اللحد ، وفي هذا الشأن يقول أحد الباحثين : " فالعبادة بمعناها النفسي التربوي في التربية الإسلامية فترة رجوعٍ سريعةٍ من حينٍ لآخر إلى المصدر الروحي ليظل الفرد الإنساني على صلةٍ دائمةٍ بخالقه ، فهي خلوةٌ نفسيةٌ قصيرةٌ يتفقد فيها المرء نفسيته صفاءً وسلامةً " ( عبد الحميد الهاشمي ، 1405هـ ، ص 466 ) .
4- شمولية العمل الصالح. شمولية العمل الصالح المتقرب به إلى الله عز وجل لكل ما يُقصد به وجه الله تعالى وابتغاء مرضاته ، سواءً أكان ذلك قولاً أم فعلاً ، وهو ما يُشير إليه قوله " العمل الصالح " ؛ ففي التعريف بأل الجنسية عموميةٌ وعدم تخصيص ؛ وفي هذا تربيةٌ على الإكثار من الأعمال الصالحة ، كما أن فيه بُعداً تربوياً لا ينبغي إغفاله يتمثل في أن تعدد العبادات وتنوعها يُغذي جميع جوانب النمو الرئيسة ( الجسمية والروحية والعقلية ) وما يتبعها من جوانب أُخرى عند الإنسان المسلم .
5- فتح باب التنافس في الطاعات. حرص التربية الإسلامية على فتح باب التنافس في الطاعات حتى يُقبِل كل إنسان على ما يستطيعه من عمل الخير كالعبادات المفروضة ، والطاعات المطلوبة من حجٍ وعمرةٍ ، وصلاةٍ وصيامٍ ، وصدقةٍ وذكرٍ ودعاءٍ ...الخ .
وفي ذلك توجيهٌ تربويُ لإطلاق استعدادات الفرد وطاقاته لبلوغ غاية ما يصبو إليه من الفوائد والمنافع والغايات الأُخروية المُتمثلة في الفوز بالجنة ، والنجاة من النار .
6- هذه الأعمال هي تهيئة للحج. تكريم الإسلام وتعظيمه لأحد أركان الإسلام العظيمة وهو الحج كنسكٍ عظيمٍ ذي مضامين تربوية عديدة تبرزُ في تجرد الفرد المسلم من أهوائه ودوافعه المادية ، وتخلصه من المظاهر الدنيوية ، وإشباعه للجانب الروحي الذي يتطلب تهيئةً عامةً ، وإعدادًا خاصاً تنهض به الأعمال الصالحات التي أشاد بها المصطفى في أحاديث مختلفة ، لما فيها من حُسن التمهيد لاستقبال أعمال الحج ، والدافع القوي لأدائها بشكلٍ يتلاءم ومنزلة الحج التي -لا شك -أنها منزلةٌ ساميةٌ عظيمة القدر .
7- إحياء السنن والشعائر الدينية المختلفة طيلة حياة المسلم. تربية الإنسان المسلم على أهمية إحياء مختلف السُنن والشعائر الدينية المختلفة طيلة حياته ؛ لاسيما وأن باب العمل الصالح مفتوحٌ لا يُغلق منذ أن يولد الإنسان وحتى يموت انطلاقاً من توجيهات النبوة التي حثت على ذلك ودعت إليه .
بعد ما مر بنا ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يستغل هذه الأيام بطاعة الله وذكره وشكره والقيام بالواجبات والابتعاد عن المنهيات واستغلال هذه المواسم والتعرض لنفحات الله ليحوز على رضا مولاه والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
[5] من أخطائنا في عشر ذي الحجة:
أولاً: أخطاء عامة:
1- عدم الاهتمام بأيام العشر: مرور عشر ذي الحجة عند بعض العامة دون أن يعيرها أي اهتمام، وهذا خطأ بيِّن؛ لما لها من الفضل العظيم عند الله (سبحانه وتعالى) عن غيرها من الأيام، فقد صح عنه أنه قال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيام العشر).
2- عدم ذكر الله فيها : عدم الاكتراث بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد فيها:
وهذا الخطأ يقع فيه العامة والخاصة إلا من رحم الله (تعالى)، فالواجب على المسلم أن يبدأ بالتكبير حال دخول عشر ذي الحجة، وينتهي بنهاية أيام التشريق، لقوله (تعالى): ((وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ....)) [الحج: 28]. والأيام المعلومات: العشر، والمعدودات: أيام التشريق، قاله ابن عباس م .
قال الإمام البخاري: (وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما) ،
وذلك بشرط ألا تمايل فيه ولا رقص، ولا مصحوباً بموسيقى أو بزيادة أذكار لم ترد في السنة أو بها شركيات، أو يكون به صفات لم ترد عن الرسول.
3- عدم جهر النساء بالذكر. جهر النساء بالتكبير والتهليل، لأنه لم يرد عن أمهات المؤمنين أنهن كبّرن بأصوات ظاهرة ومسموعة للجميع، فالواجب الحذر من مثل هذا الخطأ وغيره.
4- أصح صيغ التكبير هما:
1- الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد. 2- الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً.
5- صيام أيام التشريق وهذا منهي عنه، كما ورد عن الرسول ؛ لأنها أيام عيد، وهي أيام أكل وشرب، لقوله: (يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق: عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب) .
6- صيام التطوع قبل الفرض مثلا عليه قضاء رمضان، فالراجح : أنه يجوز قبل القضاء .
ثانياً: أخطاء في يوم عرفة:
1- عدم صيام يوم عرفة. علماً بأنه من أفضل الأيام في هذه العشر، وهذا خطأ يقع فيه كثير ممن لم يوفق لعمل الخير، فقد ورد عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله سئل عن صوم يوم عرفة فقال: (يكفر السنة الماضية والسنة القابلة) ، وهذا لمن لم يحج؛ لنهيه عن صوم يوم عرفة بعرفات.
2- قلة الدعاء في يوم عرفة عند أغلب الناس والغفلة عنه عند بعضهم، وهذا خطأ عظيم؛ حيث يُفوِّتُ الشخص على نفسه مزية الدعاء يوم عرفة، فإن الرسول الله قال: (خَيْرُ الدّعَاء دعاء يَوْم عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلتُ أنا والنّبِيّونَ مِنْ قَبْلي: لا إلَه إلا الله وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ الملْكُ، وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَديرٌ) ( ).[حسنه الألباني].
ثالثاً: أخطاء في يوم النحر:
1- عدم الخروج إلى مصلى العيد. بل تجد بعض الناس لا يخرج إلى المصلى، خاصة منهم الشباب، وهذا خطأ؛ لأن هذا اليوم هو من أعظم الأيام، لحديث عبد الله بن قرط عن النبي قال: (إن أعظم الأيام عند الله (تعالى) يوم النحر، ثم يوم القر)، يعني: اليوم الذي بعده.
2- عدم التزين . وإذا ما خرج بعضهم خرج بثياب رثة، بحجة أنه سيحلق ويقص أظافره ويتطيب ويستحم بعد ذبح أضحيته، وهذا خطأ، فينبغي للمسلم أن يتأسى بالرسول الله بهيئة حسنة وبألبسة جديدة ذات رائحة زكية، لما ورد عن ابن عمر أنه كان يلبس أحسن ثيابه في العيدين، وقد صح الاغتسال قبل العيد عند بعض السلف من الصحابة والتابعين .
3- الأكل قبل صلاة العيد. وهذا مخالف للمشروع، حيث يسن في عيد الأضحى ألا يأكل إلا من أضحيته، لما ورد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: كان الرسول الله لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي.
قال ابن قيم الجوزية: (وأما في عيد الأضحى، فكان لا يَطْعَمُ حتى يَرجِعَ من المصلى فيأكل من أضحيته).
4- عدم تأدية صلاة العيد في المصلى. بحجة أنها سنة، وهذا حق، لكن لا ينبغي لمسلم تركها وهو قادر عليها، بل هي من شعائر الإسلام فلزم إظهارها من الجميع كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً، ومن تركها بدون عذر فقد أخطأ خطأً عظيماً.
5- عدم سماع الخطبة. ينبغي للمسلم أن يستمع للخطبة لما في هذا من الفضل العظيم، وفي عدم سماعها تشويش على الإمام والمصلين وعدم الاكتراث بشعائر الإسلام.
6- ترك مخالفة الطريق. التساهل في الذهاب والإياب. وهذا خطأ؛ فكان من سنته أن يذهب من طريق ويرجع من طريق آخر.
7- ترك تهنئة العيد. التساهل بترك تهنئة الناس في العيد، وهذا خطأ؛ فالزيارات وتجمع العوائل مع بعضها، والتهنئة فيما بينهم...من الأمور المستحبة شرعاً، كأن يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منّا ومنكم، ونحو ذلك من العبارات التي لا محذور فيها.
8- زيارة المقبرة للسلام. اعتقاد بعض الناس زيارة المقبرة للسلام على والد أو قريب متوفى، وهذا خطأ عظيم، فزيارة المقابر في هذا اليوم الفاضل ـ بزعمهم أنهم يعايدون الموتى ـ من البدع المحدثة في الإسلام؛ فإن هذا الصنيع لم يكن يفعله أصحاب رسول الله ، وهم أسبق الناس إلى كل خير، وقد قال الرسول الله : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)،أي: مردود عليه( )..
1- أن الله تعالى أقسم بها: قول الله تعالى: { وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ } [الفجر:2،1]. قال ابن كثير رحمه الله: المراد بها عشر ذي الحجة.
2- أنها الأيام المعلومات التي شرع فيها ذكره: وقال عز وجل: { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ } [الحج: 28]. قال ابن عباس : "أيام العشر".
3- أن رسول الله شهد لها بأنها افضل أيام الدنيا: فعن جابر عن النبي قال :( أفضل أيام الدنيا أيام العشر ـ يعني عشر ذي الحجة ـ قيل: ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال : ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عفر وجهه بالتراب). [ رواه البزار وابن حبان وصححه الألباني].
4- أن فيها ليلة مزدلفة. والمبيت بها واجب من واجبات الحج ، وتسمى جَمْع والمشعر الحرام ، فإذا وصل الحاج إليها بدأ بالصلاة قبل أن يضع رحله فيصلي المغرب والعشاء جمعاً وقصراً بأذان واحد وإقامتين.
ويسن الوقوف في أي مكان منها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " وقفت هاهنا وجمع كلها موقف " [ رواه مسلم ].
4- أن فيها يوم عرفة :
فقال : الحج عرفة.
ويوم عرفة يوم الحج الأكبر، ويوم مغفرة الذنوب، ويوم العتق من النيران، ولو لم يكن في عشر ذي الحجة إلا يوم عرفة لكفاها ذلك فضلاً.
5- أن فيها يوم النحر وهو أفضل أيام السنة عند بعض العلماء، قال (أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر)[رواه أبو داود وصححه الألباني] ( ). .
6- اجتماع أمهات العبادة فيها : قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره).
[2] فضل العمل في عشر ذي الحجة
1- العمل فيها أفضل من الجهاد إلا من جهاد ولم يرجع بشيء. 1- عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال: "ما العمل في أيام أفضل من هذه العشر" قالوا: ولا الجهاد؟ قال: "ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء". [رواه البخاري].
2- فضيلة الإكثار من الذكر. لقوله تبارك و تعالى : { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ } ( سورة الحج : الآية 28).
2- وعن ابن عمر رضي الله عنهما: قال: قال رسول الله : "ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر. فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد" رواه الطبراني في المعجم الكبير.
3- الاجتهاد فيها. 3- وكان سعيد بن جبير- رحمه الله- وهو الذي روى حديث ابن عباس السابق: "إذا دخلت العشر اجتهد اجتهادا حتى ما يكاد يقدر عليه " رواه الدارمي بإسناد حسن . ( ).
4- تأكد القراءة والقيام فيها. 4- وروي عنه أنه قال: "لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر" كناية عن القراءة والقيام.
5- أن فيها صيام يوم عرفة. 5- فقد سن النبي صيامه:
أ- لغير الحاج ، أما الحاج فعليه أن لا يصوم ذلك اليوم ليتفرغ للدعاء ويتقوى على العبادة هناك .
ب- وأما غير الحاج فالمستحب له ألا يترك صيام ذلك اليوم العظيم ، لقوله : " صوم يوم عرفة يكفر سنتين ، ماضية ومستقبلة . . . " [ رواه مسلم وأحمد والترمذي ] .
6- أداء الحج والعمرة. وهو أفضل ما يعمل ، ويدل على فضله عدة أحاديث منها
5- قوله : ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) .
7- الصيام . قد صح عند رسول الله أنه قال : " من صام يوماً في سبيل الله باعد الله منه جهنم مسيرة مائة عام " .
وفي الحديث عند البخاري وغيره : قال النبي ( قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزى به " .
[3] بعض الأعمال الواردة في هذه الأيام :
1- التوبة النصوح: وهي الرجوع إلى الله (تعالى)، مما يكرهه ظاهراً وباطناً إلى ما يحبه ظاهراً وباطناً، ندماً على ما مضى، وتركاً في الحال، وعزماً على ألا يعود. وما يتاب منه يشمل: ترك الواجبات، وفعل المحرمات( ).
2- أداء الحج والعمرة: 1- قوله : ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) .
3- المحافظة على الواجبات: والمقصود: أداؤها في أوقاتها وإحسانها بإتمامها على الصفة الشرعية الثابتة عن رسول الله ، ومراعاة سننها وآدابها. وهي أول ما ينشغل به العبد في حياته كلها؛
روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : (إن الله قال: من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته).
4- الإكثار من الأعمال الصالحة:
إن العمل الصالح محبوب لله (تعالى) في كل زمان ومكان، ويتأكد في هذه الأيام المباركة، وهذا يعني فضل العمل فيها، وعظم ثوابه، فمن لم يمكنه الحج فعليه أن يعمر وقته في هذه العشر بطاعة الله (تعالى)، من:
الصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والصدقة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وغير ذلك من طرق الخير، وهذا من أعظم الأسباب لجلب محبة الله (تعالى).
5- الذكر:
وله مزية على غيره من الأعمال؛
1- للنص عليه في قوله (تعالى): ((وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ)) [الحج: 28].
قال ابن عباس: أيام العشر، أي: يحمدونه ويشكرونه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام،
ويدخل فيه: التكبير والتسمية على الأضحية والهدي: 2- ولقوله: (فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد).
6- الصدقة . قال (ما نقصت صدقة من مال) [رواه مسلم].
7: التكبير: التكبير : ويسن الجهر به ، أما المرأة فلا تجهر وهو نوعان :
الأول : التكبير المطلق:
( أي غير مقيد بأدبار الصلوات الخمس ) : النوع الثاني : التكبير المقيد :
( أي المقيد بأدبار الصلوات الخمس )
فله أن يكبر في أي وقت وفي أي مكان ، في أيام العشر وأيام التشريق . ومن الأدلة عليه :
1- حديث ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ : " مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَ التَّحْمِيدِ " أخرجه أحمد (2/75،131) وأبو عوانة وهو حسن بمجموع طرقه وشواهده .
2- وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما : " أن رسول الله كان يخرج في العيدين .. رافعاً صوته بالتهليل والتكبير .. " . صحيح بشواهده .
3- وعن نافع : " أن ابن عمر كان إذا غدا يوم الفطر ويوم الأضحى يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى ، ثم يكبر حتى يأتي الإمام ، فيكبر بتكبيره " أخرجه الدارقطني بسند صحيح .
4- وعن نافع أن ابن عمر : " كان يكبر بمنى تلك الأيام خلف الصلوات ، وعلى فراشه ، وفي فسطاطه ، وفي ممشائه تلك الأيام جميعاً " أخرجه ابن المنذر في الأوسط بسند جيد ، و البخاري تعليقاً بصيغة الجزم. ويبدأ من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق ، وهو الثالث عشر من ذي الحجة.
1- فعن شقيق بن سلمة رحمه الله قال : " كان علي يكبر بعد صلاة الفجر غداة عرفة ثم لا يقطع حتى يصلي الإمام من آخر أيام التشريق ثم يكبر بعد العصر " أخرجه ابن المنذر والبيهقي .
وصححه النووي وابن حجر .
2- وثبت مثله عن ابن عباس رضي الله عنهما.
قال ابن تيمية : " أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة : أن يكبر من فجر عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة .. " ( مجموع الفتاوى 24/20) .
وقال ابن حجر : " و أصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود : إنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى . أخرجه ابن المنذر وغيره والله أعلم " ( الفتح 2/536) .
أما صفة التكبير : فقد قد ثبت عن الصحابة أكثر من صيغة منها أثر ابن مسعود : " أنه كان يكبر أيام التشريق : الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، و الله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد ". أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح .
8- أحكام الأضحية :
1- وهي سنة مؤكدة في حق الموسر، وقال بعضهم كابن تيمية بوجوبها). وقد أمر الله بها نبيه ، فقال: ((فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)) [الكوثر: 2]
فيدخل في الآية : 1- صلاة العيد. 2- ونحر الأضاحي :
فقد كان النبي يحافظ عليها، قال ابن عمر(رضي الله عنهما):أقام النبي بالمدينة عشر سنين يضحي.
فعَنْ أَنَسٍ قَالَ : " ضَحَّى النَّبِيُّ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا " متفق عليه . ( الصفحة هي جانب العنق ) .
2- والسنة أن يشهد المضحي أضحيته... وأن يباشرها بنفسه ، وأن يأكل منها شيئاً كما فعل النبي .
وإن وكَّل غيره كالجمعيات والهيئات الخيرية جاز ، ولو كانت خارج البلاد ، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر أن النبي نحر بيده ثلاثاً وستين من هديه في الحج ، ووكَّل علياً في البقية ، ولأن الأصل هو الجواز و لا دليل على منعه.
3- وتجزئ الشاة عن الواحد وأهل بيته. لقول أبي أيوب لما سئل: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله ؟ فقال: " كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته " أخرجه مالك والترمذي و ابن ماجة وسنده صحيح .
4- تجزئ البدنة أو البقرة عن سبعةٍ وأهلِ بيوتهم: لحديث جابر قال: "حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحرنا البعير عن سبعة والبقرة عن سبعة " أخرجه مسلم .
5- و أقل ما يجزئ من الضأن ما له نصف سنة: وهو الجذع ؛ لقول عقبة بن عامر قال : " ضحينا مع رسول الله بجذع من الضأن " أخرجه النسائي بسند جيد ..
6- وأقل ما يجزئ من الإبل والبقر والمعز مُسنَّة: ( وهي من المعز ما له سنة، ومن البقر ما له سنتان، ومن الإبل ما له خمس سنوات ) ؛
لحديث جابر قال: قال رسول الله :" لا تذبحوا إلا مُسِنَّة ، إلا أن يَعْسر عليكم، فتذبحوا جَذَعة من الضأن " أخرجه مسلم.
7- أربع لا تجوز في الأضاحي: كما في حديث البراء بن عازب قال : قال رسول الله : "
أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البيّن ظَلْعُها ( أي: عرجها ) ، والكسير( أي: المنكسرة ) .
وفي لفظ: والعجفاء (أي: المهزولة) التي لا تنقي.(أي: لا مخ لها لضعفها وهزالها) " أخرجه أحمد وأصحاب السنن بسند صحيح.
8- النهي على من أراد أن يضحي : أخذَ شيء من شعره أو أظفاره أو بشرته حتى يذبح أضحيته ؛ لحديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي قال : " إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا " أخرجه مسلم .
وفي رواية أخرى لمسلم : " إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ".
وهذا النهي مختص بصاحب الأضحية ، أما المضحى عنهم من الزوجة و الأولاد فلا يعمهم النهي؛ لأن النبي ذكر المضحي، ولم يذكر المضحى عنهم .
9- جزاء فعل ما حرم عليه: ومن أخذ شيئاً من شعره أو أظفاره في العشر متعمداً من غير عذر وهو يريد أن يضحي فإن ذلك لا يمنعه من الأضحية ، ولا كفارة عليه ، و لكن عليه التوبة إلى الله .
10- مسائل متفرقة. 1- ومن ضحى عن غيره بوصية أو وكالة فلا يحرم عليه أخذ شيء من شعره أو ظفره أو بشرته ، لأن الأضحية ليست له .
2- ومن أخذ من شعره المباح أَخْذُهُ ، أو ظفره أول العشر لعدم إرادته الأضحية ثم أرادها في أثناء العشر أمسك من حين الإرادة .
3- ومن احتاج إلى أخذ شيء من ذلك لتضرره ببقائه كانكسار ظفر أو جرح عليه شعر يتعين أخذه فلا بأس ، لأن المضحي ليس بأعظم من المحرم الذي أبيح له الحلق إذا كان مريضاً أو به أذى من رأسه ، لكن المحرم عليه الفدية ، والمضحي لا فدية عليه .
4- ولا يجوز للمرأة أن توكل أحداً على أضحيتها لتأخذ من شعرها - كما قد تفهمه بعض النساء - لأن الحكم متعلق بالمضحي نفسه سواء وَكَّلَ غيره أم لا ، وأما الوكيل فلا يتعلق به نهي .
5- ولا حرج في غسل الرأس للرجل والمرأة أيام العشر ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما نهى عن الأخذ ، ولأن المحرم أُذِنَ له أن يغسل رأسه .
11- والأضحية عن الميت لها أحوال :
الحال الأولى : إذا كانت إنفاذاً للوصية فهي صحيحة ، ويصل أجرها إلى الميت إن شاء الله تعالى .
الحال الثانية : أن يفرد الميت بأضحية تبرعاً ، فهذا ليس من السنة ؛ لظاهر قوله تعالى : " و أن ليس للإنسان إلا ما سعى " ( النجم 39 ) وقد مات عم النبي حمزة وزوجته خديجة، وثلاث بنات متزوجات، وثلاثة أبناء صغار، ولم يرد عنه أنه أفردهم أو أحداً منهم بأضحية، ولم يثبت أيضاً إفراد الميت بأضحية عن أحد الصحابه رضي الله عنهم ، ولو كان فيه فضل لسبقنا إليه النبي وأصحابه . والخير كل الخير في هدي النبي وأصحابه .
الحال الثالثة : إن ضحى الرجل عنه وعن أهل بيته ونوى بهم الأحياء والأموات فيرجى أن يشملهم الأجر إن شاء الله.
[4] بعض الدروس التربوية المستفادة من أحاديث فضل الأيام العشر :
1- الاهتمام بالمناسبات السنوية. التنبيه النبوي التربوي إلى أن العمل الصالح في هذه الأيام العشرة من شهر ذي الحجة أفضل وأحب إلى الله تعالى منه في غيرها ، وفي ذلك تربيةٌ للنفس الإنسانية المُسلمة على الاهتمام بهذه المناسبة السنوية التي لا تحصل في العام إلا مرةً واحدةً ، وضرورة اغتنامها في عمل الطاعات القولية والفعلية ، لما فيها من فرص التقرب إلى الله تعالى ، وتزويد النفس البشرية بالغذاء الروحي الذي يرفع من الجوانب المعنوية عند الإنسان ، فتُعينه بذلك على مواجهة الحياة .
2- يمكن تغيير نمط الحياة فيها. التوجيه النبوي التربوي إلى أن في حياة الإنسان المسلم بعض المناسبات التي عليه أن يتفاعل معها تفاعلاً إيجابياً يمكن تحقيقه بتُغيير نمط حياته ، وكسر روتينها المعتاد بما صلُح من القول والعمل ، ومن هذه المناسبات السنوية هذه الأيام المُباركات التي تتنوع فيها أنماط العبادة لتشمل مختلف الجوانب والأبعاد الإنسانية .
3- حياة المسلم كلها طاعة لله. استمرارية تواصل الإنسان المسلم طيلة حياته مع خالقه العظيم من خلال أنواع العبادة المختلفة لتحقيق معناها الحق من خلال الطاعة الصادقة ، والامتثال الخالص . وفي هذا تأكيدٌ على أن حياة الإنسان المسلم كلها طاعةٌ لله تعالى من المهد إلى اللحد ، وفي هذا الشأن يقول أحد الباحثين : " فالعبادة بمعناها النفسي التربوي في التربية الإسلامية فترة رجوعٍ سريعةٍ من حينٍ لآخر إلى المصدر الروحي ليظل الفرد الإنساني على صلةٍ دائمةٍ بخالقه ، فهي خلوةٌ نفسيةٌ قصيرةٌ يتفقد فيها المرء نفسيته صفاءً وسلامةً " ( عبد الحميد الهاشمي ، 1405هـ ، ص 466 ) .
4- شمولية العمل الصالح. شمولية العمل الصالح المتقرب به إلى الله عز وجل لكل ما يُقصد به وجه الله تعالى وابتغاء مرضاته ، سواءً أكان ذلك قولاً أم فعلاً ، وهو ما يُشير إليه قوله " العمل الصالح " ؛ ففي التعريف بأل الجنسية عموميةٌ وعدم تخصيص ؛ وفي هذا تربيةٌ على الإكثار من الأعمال الصالحة ، كما أن فيه بُعداً تربوياً لا ينبغي إغفاله يتمثل في أن تعدد العبادات وتنوعها يُغذي جميع جوانب النمو الرئيسة ( الجسمية والروحية والعقلية ) وما يتبعها من جوانب أُخرى عند الإنسان المسلم .
5- فتح باب التنافس في الطاعات. حرص التربية الإسلامية على فتح باب التنافس في الطاعات حتى يُقبِل كل إنسان على ما يستطيعه من عمل الخير كالعبادات المفروضة ، والطاعات المطلوبة من حجٍ وعمرةٍ ، وصلاةٍ وصيامٍ ، وصدقةٍ وذكرٍ ودعاءٍ ...الخ .
وفي ذلك توجيهٌ تربويُ لإطلاق استعدادات الفرد وطاقاته لبلوغ غاية ما يصبو إليه من الفوائد والمنافع والغايات الأُخروية المُتمثلة في الفوز بالجنة ، والنجاة من النار .
6- هذه الأعمال هي تهيئة للحج. تكريم الإسلام وتعظيمه لأحد أركان الإسلام العظيمة وهو الحج كنسكٍ عظيمٍ ذي مضامين تربوية عديدة تبرزُ في تجرد الفرد المسلم من أهوائه ودوافعه المادية ، وتخلصه من المظاهر الدنيوية ، وإشباعه للجانب الروحي الذي يتطلب تهيئةً عامةً ، وإعدادًا خاصاً تنهض به الأعمال الصالحات التي أشاد بها المصطفى في أحاديث مختلفة ، لما فيها من حُسن التمهيد لاستقبال أعمال الحج ، والدافع القوي لأدائها بشكلٍ يتلاءم ومنزلة الحج التي -لا شك -أنها منزلةٌ ساميةٌ عظيمة القدر .
7- إحياء السنن والشعائر الدينية المختلفة طيلة حياة المسلم. تربية الإنسان المسلم على أهمية إحياء مختلف السُنن والشعائر الدينية المختلفة طيلة حياته ؛ لاسيما وأن باب العمل الصالح مفتوحٌ لا يُغلق منذ أن يولد الإنسان وحتى يموت انطلاقاً من توجيهات النبوة التي حثت على ذلك ودعت إليه .
بعد ما مر بنا ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يستغل هذه الأيام بطاعة الله وذكره وشكره والقيام بالواجبات والابتعاد عن المنهيات واستغلال هذه المواسم والتعرض لنفحات الله ليحوز على رضا مولاه والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
[5] من أخطائنا في عشر ذي الحجة:
أولاً: أخطاء عامة:
1- عدم الاهتمام بأيام العشر: مرور عشر ذي الحجة عند بعض العامة دون أن يعيرها أي اهتمام، وهذا خطأ بيِّن؛ لما لها من الفضل العظيم عند الله (سبحانه وتعالى) عن غيرها من الأيام، فقد صح عنه أنه قال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيام العشر).
2- عدم ذكر الله فيها : عدم الاكتراث بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد فيها:
وهذا الخطأ يقع فيه العامة والخاصة إلا من رحم الله (تعالى)، فالواجب على المسلم أن يبدأ بالتكبير حال دخول عشر ذي الحجة، وينتهي بنهاية أيام التشريق، لقوله (تعالى): ((وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ....)) [الحج: 28]. والأيام المعلومات: العشر، والمعدودات: أيام التشريق، قاله ابن عباس م .
قال الإمام البخاري: (وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما) ،
وذلك بشرط ألا تمايل فيه ولا رقص، ولا مصحوباً بموسيقى أو بزيادة أذكار لم ترد في السنة أو بها شركيات، أو يكون به صفات لم ترد عن الرسول.
3- عدم جهر النساء بالذكر. جهر النساء بالتكبير والتهليل، لأنه لم يرد عن أمهات المؤمنين أنهن كبّرن بأصوات ظاهرة ومسموعة للجميع، فالواجب الحذر من مثل هذا الخطأ وغيره.
4- أصح صيغ التكبير هما:
1- الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد. 2- الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً.
5- صيام أيام التشريق وهذا منهي عنه، كما ورد عن الرسول ؛ لأنها أيام عيد، وهي أيام أكل وشرب، لقوله: (يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق: عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب) .
6- صيام التطوع قبل الفرض مثلا عليه قضاء رمضان، فالراجح : أنه يجوز قبل القضاء .
ثانياً: أخطاء في يوم عرفة:
1- عدم صيام يوم عرفة. علماً بأنه من أفضل الأيام في هذه العشر، وهذا خطأ يقع فيه كثير ممن لم يوفق لعمل الخير، فقد ورد عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله سئل عن صوم يوم عرفة فقال: (يكفر السنة الماضية والسنة القابلة) ، وهذا لمن لم يحج؛ لنهيه عن صوم يوم عرفة بعرفات.
2- قلة الدعاء في يوم عرفة عند أغلب الناس والغفلة عنه عند بعضهم، وهذا خطأ عظيم؛ حيث يُفوِّتُ الشخص على نفسه مزية الدعاء يوم عرفة، فإن الرسول الله قال: (خَيْرُ الدّعَاء دعاء يَوْم عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلتُ أنا والنّبِيّونَ مِنْ قَبْلي: لا إلَه إلا الله وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ الملْكُ، وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَديرٌ) ( ).[حسنه الألباني].
ثالثاً: أخطاء في يوم النحر:
1- عدم الخروج إلى مصلى العيد. بل تجد بعض الناس لا يخرج إلى المصلى، خاصة منهم الشباب، وهذا خطأ؛ لأن هذا اليوم هو من أعظم الأيام، لحديث عبد الله بن قرط عن النبي قال: (إن أعظم الأيام عند الله (تعالى) يوم النحر، ثم يوم القر)، يعني: اليوم الذي بعده.
2- عدم التزين . وإذا ما خرج بعضهم خرج بثياب رثة، بحجة أنه سيحلق ويقص أظافره ويتطيب ويستحم بعد ذبح أضحيته، وهذا خطأ، فينبغي للمسلم أن يتأسى بالرسول الله بهيئة حسنة وبألبسة جديدة ذات رائحة زكية، لما ورد عن ابن عمر أنه كان يلبس أحسن ثيابه في العيدين، وقد صح الاغتسال قبل العيد عند بعض السلف من الصحابة والتابعين .
3- الأكل قبل صلاة العيد. وهذا مخالف للمشروع، حيث يسن في عيد الأضحى ألا يأكل إلا من أضحيته، لما ورد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: كان الرسول الله لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي.
قال ابن قيم الجوزية: (وأما في عيد الأضحى، فكان لا يَطْعَمُ حتى يَرجِعَ من المصلى فيأكل من أضحيته).
4- عدم تأدية صلاة العيد في المصلى. بحجة أنها سنة، وهذا حق، لكن لا ينبغي لمسلم تركها وهو قادر عليها، بل هي من شعائر الإسلام فلزم إظهارها من الجميع كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً، ومن تركها بدون عذر فقد أخطأ خطأً عظيماً.
5- عدم سماع الخطبة. ينبغي للمسلم أن يستمع للخطبة لما في هذا من الفضل العظيم، وفي عدم سماعها تشويش على الإمام والمصلين وعدم الاكتراث بشعائر الإسلام.
6- ترك مخالفة الطريق. التساهل في الذهاب والإياب. وهذا خطأ؛ فكان من سنته أن يذهب من طريق ويرجع من طريق آخر.
7- ترك تهنئة العيد. التساهل بترك تهنئة الناس في العيد، وهذا خطأ؛ فالزيارات وتجمع العوائل مع بعضها، والتهنئة فيما بينهم...من الأمور المستحبة شرعاً، كأن يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منّا ومنكم، ونحو ذلك من العبارات التي لا محذور فيها.
8- زيارة المقبرة للسلام. اعتقاد بعض الناس زيارة المقبرة للسلام على والد أو قريب متوفى، وهذا خطأ عظيم، فزيارة المقابر في هذا اليوم الفاضل ـ بزعمهم أنهم يعايدون الموتى ـ من البدع المحدثة في الإسلام؛ فإن هذا الصنيع لم يكن يفعله أصحاب رسول الله ، وهم أسبق الناس إلى كل خير، وقد قال الرسول الله : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)،أي: مردود عليه( )..
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)