رسالة

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علمًا نافعًا



الاثنين، 5 أبريل 2010

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

المـقـدمـة
 إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله تعالى فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي، ولن تجد له من دون الله وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وإليه المصير، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم بلغ الرسالة وأدى الأمانة وتركنا على المحاجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. ثم أما بعد.
سبب اختيار هذا الكتاب
إن سبب اختياري لهذا الكتاب هو محاولة ابن رشد تأسيس عقلية اجتهادية تزيد على مجرد الاطلاع أو الفكرة العامة عن فقه المذاهب وهي الإضافة النوعية التي ميزت الكتاب عن سواه،  ويشير لذلك قائلاً في نهاية باب (شروط الكتابة): "بيد أن في قوة هذا الكتاب أن يبلغ به الإنسان كما قلنا رتبة الاجتهاد وإذا تقدم فعلم من اللغة العربية وعلم من أصول الفقه ما يكفيه في ذلك، ولذلك رأينا أن أخص الأسماء بهذا الكتاب أن نسميه كتاب (بداية المجتهد وكفاية المقتصد)"[1] وكان قد سماه في بداية الكتاب ( المجتهد)[2].
أهمية هذا الكتاب وميزته
     من مميزات هذا الكتاب أيضًا أن المصنف عند تعرضه للمسائل الفقهية يذكر أقوال فقهاء الصحابة فيها وأقوال الفقهاء المسلمين الأعلام كأبي حنيفة والشافعي ومالك، الذي يبدأ المسألة برأيه، وكثيرًا ما يتوسع فيذكر أقوالاً لأصحاب المذاهب المذكورة، بل ويتجاوز ذلك إلى آراء المذاهب الفقهية المنقرضة، كمذهب الثوري وداود الظاهري وابن حزم  والأوزاعي والطبري.
    كما يعتمد ابن رشد كثيرًا- كما يصرح في آخر كتاب الطهارة – فيما نقله من أقوال المذاهب ونسبتها إلى أربابها على كتاب ( الاستذكار بمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار) لأبي عمر يوسف بن عبد البر المالكي المذهب أيضًا.
    ويضع ابن رشد توطئة في كل باب تقريبًا يبين فيها أوجه المسائل المثيرة للنقاش، ثم يناقش مسائل المنطوق من جميع وجوهها بالمتفق عليه والمختلف فيه بين الفقهاء، ثم يذكر وجه الخلاف ويذكر حجج كل واحد من المذاهب الرئيسية وسبب الجنوح لهذه الحجة، فإن كانت عقلية فيذكر طريقة الاستثمار من دلالة الألفاظ من حيث مقتضى الصيغ اللغوية أو من حيث إشارة الألفاظ أو معقولها، ليفتح بذلك عقلية المجتهد على هذه التطبيقات بالتنبيه والتكرار، كما يتطرق لمصطلحات أصولية في السياق لم يتطرق إليها في المقدمة "كالبراءة الأصلية والاستحسان وسد الذريعة"، ويضع تعريف كل مصطلح قد يشكل على طالب الاجتهاد، كما ينبه كثيرًا على القواعد الأصولية المعمول بها وغير المعمول بها عند مختلف الفقهاء.
    وكثيرًا ما يتعرض المصنف لمداخلات يضع فيها رأيه أو ينتقد ويرجح بقوله: قال القاضي - يعني نفسه- أو الذي يعتقده،  والحق أن كذا ... ، وبالمقابل يقف عند مسائل لا يرى فيها رأيًا له أو لغيره كقوله، لا أدري له مذهبًا، لا أعلم له دليلاً، لم أقف عليه، وهذا صدق علمي وأدب رفيع ينم عن شخصية مؤمنة تحترز للآخرة في إبداء ما لم تعلم، وهو بذلك يستأنس بشخصية شيخه الإمام مالك الذي تمذهب بمذهبه .
لقد مارس ابن رشد القضاء يوميًا لمدة 27 سنة، واجتهد واستخرج الأحكام الشرعية في المعاملات واستنبط من النصوص الشرعية مقاييسه القضائية، وكان صاحب باع طويل في الفقه وكتب فيه أهم مؤلفاته معتمدًا المنهج المقارن.
مع ذلك لا يعطى عمله في حقله الوظيفي الأهمية المطلوبة ولا يشار إلا قليلاً إلى مفاهيمه النظرية أو أسلوبه التطبيقي في عرض المسائل واستخراج أحكامها من طريق المقارنة والقياس.
وعلى رغم أهمية تنظيره للأحكام الشرعية بقيت أعماله مهملة أو مغيبة عن المناظرات والمجادلات التي غاصت كثيرًا في انشغالاته الأخرى.
 وتبقى محاولة ابن رشد محاولة استثنائية في هذا السياق، فكتاب "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، لم يعرف في وقته أفضل ولا أنفع ولا أحسن سياقاً منه، كما أن الناس ما زالوا عيالاً عليه في هذا العلم حتى اليوم، وهو ثمرة جهود عقلية جبارة برعت في الكثير من فنون العلوم، والفقه المقارن واحد منها، وعقلية ابن رشد - الحفيد - تميزاً له عن جده أبي الوليد المتوفى سنة 520 هـ، عقلية باحثة لا تقف عند حدود، فمنذ نشأته في قرطبة الأندلسية التي ولد بها درس العربية والفقه وسمع الحديث – وكانت الدراية أغلب عليه من الرواية – وأتقن الطب والفلك وعلم الكلام والفلسفة هذا بالإضافة إلى توليه قضاء قرطبة واشبيلية.
المبحث الأول:
الهدف من الكتاب
      وكتاب "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" يعد أكثر كتب ابن رشد استقلالية وحيادية، فلم يتعصب فيه لمذهب ولم يمازجه بعلوم أخرى لا سيما الفلسفة التي برع فيها وكابد في تعلمها والرد بها على عادته في الكثير من كتبه ورسائله مثل: ( فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ) وغيرها .
     منهج الكتاب
     اتبع ابن رشد في كتابة أسلوبًا ممتعًا ومنهجًا تعليميًّا مشوقًا، فيتبدر الكتاب بتوطئة أصولية عامة ومقتضبة كمدخل للكتاب، ثم يعرض الأدلة الشرعية على الأحكام الفقهية في أبواب تفصيلة لمباحث الكتاب، ثم يبين الأحكام المتفق عليها والمختلف فيها، ثم يذكر أسباب الاختلاف وعللها، ثم يرجح الأقيسة ويبيّن الصحيح منها أو الأصح، وكل ذلك ما يجري مجرى الأصول والقواعد.
   فالمصنف إذًا يريد أن يضع حصيلة اجتهادية للأبواب الفقهية بين يدي القارئ تمازجها تطبيقات أصولية كمستند فقهي لآراء الفقهاء، فيعطيه الفكرة العامة لآراء الفقهاء ويهيئ له أجواء الاجتهاد، إذ ليس من غرضه الاسترسال بقدر تبيان الآراء الفقهية ووضع التطبيقات الأصولية على الأحكام الشرعية، فكثيرًا ما يشير في نهاية الكتب الفقهية للكتاب لهذا كقوله: "وفروع هذا الباب كثيرة، ومما ذكرناه كفاية في غرضنا، وهذا القدر كافٍ في قواعد الكتاب".
منهج (المؤلف) ابن رشد
لا يعتبر ابن رشد مؤسسًا لمنهج «الفقه المقارن»، إذ سبقه العشرات إلى هذا الحقل، وكتب الكثير من العلماء في تأويل مختلف الحديث واختلاف الأئمة في مذاهبهم وغيرها من المقالات الخلافية، إلا أن عمله جاء شاملاً لمختلف آراء المذاهب السنية الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية)، إضافة إلى مذهب الظاهرية الذي كان له بعض الأنصار في الأندلس.
وعزز ابن رشد دراسته الشاملة بالكثير من الاستشهادات وحشد عشرات الأسماء للدلالة على هذا الرأي أو نقض ذاك الأمر الذي يدل على سعة معرفته في حقل اختصاصه واحترامه لمسئوليات وظيفته، فهو صاحب منهجية بحثية، استند فيها إلى معرفة واسعة وخبرة طويلة ودراسة متأنية لمختلف أئمة المذاهب وأصحابهم واتباعهم فجاء كتابه «بداية المجتهد» من أبرز المراجع في حقل الفقه عمومًا، وفي «الفقه المقارن» خصوصًا، حين استوعب مختلف الاجتهادات وأنواع الأدلة وأسباب خلاف علماء الأمة، ودرسها وقام بترجيح هذا الحكم على ذاك في أسلوب شديد التماسك وتنظيم عقلي يعرف كيف يرتب المسائل وينسقها، فأبان الأحكام الشرعية في مجالات العبادة والمعاملة ومختلف شئون الحياة وحاجات الناس ومتطلباتهم.
لذلك يمكن القول إن فلسفة ابن رشد الحقيقية هي في حقل إبداعه في «فلسفة الفقه» أكثر من المشهور عنه في «فقه الفلسفة».
المبحث الثاني:
التعريف بالمؤلف
شخصية عبقرية عظيمة، حيث إنه قد جمع بين العلم الشرعي والقضاء، والطب، والفلسفة، وغيرها من العلوم، وقلَّما تجتمع مثل هذه الفنون عند رجل مثل: العلامة فيلسوف الوقت، أبو الوليد، محمد بن أبي القاسم أحمد ابن شيخ المالكية أبي الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي.

مولده ووفاته:
 ولد قبل موت جده بشهر سنة عشرين وخمس مئة(520)هـ أدرك من حياة جده شهرًا سنة عشرين.
قال ابن الأبار: لم ينشأ بالأندلس مثله كمالاً وعلمًا وفضلاً، وكان متواضعًا، منخفض الجناح، يقال عنه: إنه ما ترك الاشتغال مذ عقل سوى ليلتين: ليلة موت أبيه، وليلة عرسه، وإنه سود في ما ألف وقيد نحوًا من عشرة آلاف ورقة، ومال إلى علوم الحكماء، فكانت له فيها الإمامة.
وكان يفزع إلى فتياه في الطب، كما يفزع إلى فتياه في الفقه، مع وفور العربية، وقيل: كان يحفظ ديوان أبي تمام والمتنبي.
قال ابن أبي أصيبعة في (تاريخ الحكماء[3]): كان أوحد في الفقه
والخلاف، وبرع في الطب، وكان بينه وبين أبي مروان بن زهر مودة، وقيل: كان رث البزة، قوي النفس، لازم في الطب أبا جعفر بن هارون مدة، ولما كان المنصور صاحب المغرب بقرطبة، استدعى ابن رشد، واحترمه كثيرًا، ثم نقم عليه بعد، يعني لأجل الفلسفة.
قال شيخ الشيوخ ابن حمويه: لما دخلت البلاد، سألت عن ابن رشد، فقيل: إنه مهجور في بيته من جهة الخليفة يعقوب، لا يدخل إليه أحد، لأنه رفعت عنه أقوال رديَّة، ونسبت إليه العلوم المهجورة، ومات محبوسًا بداره بمراكش في أواخر سنة أربع، وقال غيره: مات في صفر، وقيل: ربيع الأول سنة خمس أي خمس وتسعين وخمسمائة 595هـ ومات السلطان بعده بشهر[4]، ودفن في قرطبة[5]
قال العكري[6]: سعى فيه من يناوئه عند يعقوب، فأروه بخطه حاكيًا عن الفلاسفة أن الزهرة أحد الآلهة، فطلبه، فقال: أهذا خطك؟ فأنكر، فقال: لعن الله من كتبه،وأمر الحاضرين بلعنه، ثم أقامه مهانًا، وأحرق كتب الفلسفة سوى الطب والهندسة.
تصـانيفـه[7]:
1-              "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" في الفقه.
2-              "الكليات" في الطب.
3-              "مختصر المستصفى" في الأصول لأبي حامد الغزالي الشافعي ت505هـ.
4-              "منهاج الأدلة" أصول.
5-              "جوامع كتب أرسطوطاليس".
6-              "شرح كتاب النفس".
7-               "تلخيص الإلهيات" لنيقولاوس.
8-              "تلخيص ما بعد الطبيعة" لأرسطو.
9-              "تلخيص الاستقصات" لجالينوس.
10-         "تهافت التهافت" في الفلسفة.
11-          "فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال".
12-         "شرح القياس" لأرسطو.
13-         ثم كتب عدة مقالات ومسائل مثل: (مقالة في العقل)، (مقالة في القياس)، (الفحص عن مسائل في الشفاء)، (مسألة في الزمان)، (مقالة فيما يعتقده المشاءون وما يعتقده المتكلمون في كيفية وجود العالم)، (مقالة في نظر الفارابي في المنطق ونظر أرسطو)، (مقالة في اتصال العقل المفارق للإنسان)، (مقالة في وجود المادة الأولى)، (مقالة في الرد على ابن سينا)، (مقالة في المزاج)، (مسائل حكمية)، (مقالة في حركة الفلك)، كتاب (ما خالف فيه الفارابي أرسطو).
شيوخه
1-              عرض (المُوَطَّأ) عَلَى أَبِيْهِ.
2-              وَأَخَذَ عَنْ: أَبِي مَرْوَانَ بن مسرَّة.
3-               وَأَخَذَ الطِّبّ عَنْ أَبِي مَرْوَانَ بن حَزْبُول.
4-              ابْنُ بَاجَةَ مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى بنِ الصَّائِغِ السَّرَقُسْطِيُّ.
5-              أبو القاسم بن بشكوال.
6-              أبو بكر بن سحنون.
7-              أبو جعفر هارون.
تلاميذه
1-     مُحَمَّدٍ بنُ حَوْط الله.
2-     َسَهْل بن مَالِكٍ.
قال الذهبي في السير: "وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُرْوَى عَنْه"، لأن موقف الذهبي من الفلاسفة معروف، وهو صدى لتكوينه الفكري.
المبحث الثالث:
أهم قضايا ابن رشد[8]
التوفيق بين الشريعة والفلسفة
قضايا مهمة عمل عليها "ابن رشد" كان من ضمنها مسألة التوفيق بين الشريعة والفلسفة، وهي المسألة التي احتلت حيزًا كبيرًا في اهتماماته ودفعته للتوفيق بينهما (أي الشريعة والفلسفة) وذلك لأسباب كثيرة من ضمنها أنه فيلسوف متدين، وذلك ما دفعه إلى أن يحرص على إظهار التوافق بين الدين والفلسفة، كما أنه تميز عمن سبقوه؛ لأنه كان فقيهًا وقاضيًا، وكان عليه أن يبين للناس أن انشغاله بالفلسفة لا يتعارض مع هذه الوظيفة الدينية التي يتقلدها، والتي يجب عليه بمقتضاها أن يكون حارسا للشريعة عاملاً على تطبيق أحكامها، إضافة إلى مجيء ابن رشد بعد حملة الغزالي وهجومه الضاري على الفلسفة والفلاسفة في كتابه "تهافت الفلاسفة"، وذكر الغزالي أن الفلسفة أدت بكثير من الناس إلى الكفر والإلحاد؛ فكان لزاما على الفقيه الفيلسوف أن يرد على هذا الزعم مبينا خطأه من صوابه.
تضاعف ذلك في ظل الظروف التي عاشها ابن رشد، وهي ظروف اقتضت أن يتصدى لهذه القضية بالذات نظرا لأن المذهب المالكي كان سائدًا في الأندلس، وأن فقهاء المالكية لا يتحمسون للفلسفة، بل كثير منهم كانوا يعادونها، ويحرمون الاشتغال بها.
أما المبادئ التي اعتمد عليها ابن رشد في التوفيق بين الدين والفلسفة فكانت: أولاً أن الدين يوجب التفلسف، وثانيًا أن الشرع فيه ظاهر وباطن، وثالثًا أن التأويل ضروري للتوفيق بين الشريعة والفلسفة أو بين الدين والفلسفة.
أولا: الدين يوجب التفلسف
توصل ابن رشد إلى "أن الدين أو الشرع يوجب النظر العقلي أو الفلسفي، كما يوجب استعمال البرهان المنطقي لمعرفة الله تعالى وموجوداته".
ولقد ذكر ابن رشد آيات كثيرة من القرآن الكريم تدعو إلى التفكر والتدبر، منها على سبيل المثال: "فاعتبروا يا أولي الأبصار"، "أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء"، وصرح ابن رشد بأن الاعتبار ليس إلا استنباط المجهول من المعلوم، وهو القياس العقلي أو الشرعي والعقلي معًا.
ثم دعا ابن رشد إلى مبدأ القياس، وصرح بأنه لا استغناء عنه، وعده ضروريًّا، وقال بأنه لا مانع من الاستعانة بما قاله الفلاسفة السابقون حتى ولو كانوا على غير ملتنا، ورد على من قالوا بأن الفلسفة تؤدي إلى الكفر بأن السبب ليس هو الفلسفة، ولكن من يتناول الفلسفة، وضرب مثلاً على ذلك بمن يموت بسبب شرقة الماء، فليس الماء هو الذي سبب الوفاة، ولكن حدوث أمر عارض عند شربه هو الذي أدى إلى الوفاة.
ثانيا: الدين أو الشرع له ظاهر وباطن
يذهب ابن رشد إلى أن نصوص الشرع لها معنى جلي قريب وواضح، وأيضًا لها معنى خفي، أو بعبارة أخرى لها معنى ظاهر ومعنى باطن.
ويصرح ابن رشد بأن الله تعالى راعى اختلاف نظر الناس وتباين قرائحهم فجعل للشرع ظاهرًا وباطنًا، فعلى العامة أن يقبلوا ظاهر النصوص دون جدل أو تأويل؛ لأنهم ليسوا أهلاً لذلك، وإنما التأويل هو من شأن البرهانيين وحدهم لأنهم أهل لذلك، ولا ينبغي أن تذاع التأويلات على العامة، بل يجب أن تكون في وسط الخاصة فقط لمناسبتها عقولهم.
ثالثا: ضرورة التأويل
ذهب ابن رشد إلى أن التأويل ضروري لصالح الدين والفلسفة، فإذا كان الدين يوجب النظر العقلي أو الفلسفي، فإنه من الواجب أن نلتمس تأويل ما لا يتفق معه من النصوص.
ولقد صرح ابن رشد بأن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع فإن هذا الظاهر يقبل التأويل حتى لا يصطدم الشرع والعقل.
ولقد قسم "ابن رشد" المعاني من حيث التأويل وعدمه لأقسام أربعة هي: ما لا يجوز تأويله لموافقة ظاهره باطنه، وما لا يجوز أن يؤوله إلا الراسخون في العلم، وذلك عندما يكون المعنى الظاهر ليس مرادا من النص، وما لا بد من تأويله وإظهار هذا التأويل للجميع، وذلك إذا كان المعنى الظاهر رمزًا لمعنى خفي، وما يؤوله العلماء لأنفسهم، وذلك إذا كان ظاهر المعنى رمزًا ولا يُعرف مدلوله إلا بعلم بعيد، مثل الحديث الشريف "الحجر يمين الله في الأرض[9]" يؤوله العلماء لأنفسهم، ويقال للعامة إنه من المتشابه.

المبحث الرابع:
تعريف عام بالكتاب
هو كتاب "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" للإمام القاضي أبي الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد ابن شيخ المالكية أبي الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكي الأندلسي الشهير بـ ابن رشد الحفيد.
يتكون من جزءين عدد صفحات الجزء الأول 584 صفحة وعدد الجزء الثاني 608 بواقع 1192 صفحة للكتاب، 2 لون
قام بتحقيقه وتخريج أحاديثه الشيخ: أحمد أبو المجد، وكان من منهجه أنه إذا خرج الحديث في أول الأمر وذُكر بعد ذلك يشير بقوله: (سبق تخريجه)، وإذا أشار المؤلف إلى حديث في الباب ولم يذكره أشار إليه في الهامش وذكره، وهذا ينبئ عن حسن فهم وسعة اطلاع.
 وطبع الكتاب بدار العقيدة برقم إيداع: 8928/2004 بترقيم دولي:x -044-347-977
العنوان: الأسكندرية: 101ش الفتح باكوس ت:035747321-ف:002035765621
         القاهرة: 3درب الأتراك- خلف الجامع الأزهر- ت:002025143174
الجزء الأول: بدء بكتاب الطهارة وانتهى بكتاب الأطعمة والأشربة وفيه:( كتاب الطهارة من الحدث،كتاب الصلاة، كتاب أحكام الميت، كتاب الزكاة، كتاب زكاة الفطر، كتاب الصيام، كتاب الحج، كتاب الجهاد، كتاب الأيمان، كتاب النذور، كتاب الضحايا، كتاب الذبائح، كتاب الصيد، كتاب العقيقة، كتاب الأطعمة والأشربة).
الجزء الثاني: بدء بكتاب النكاح وانتهى بكتاب الأقضية وفيه:( كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب الإيلاء، كتاب الظهار، كتاب اللعان، كتاب الإحداد، كتاب البيوع، كتاب الصرف، كتاب السلم، كتاب بيع الخيار، كتاب بيع المرابحة، كتاب بيع العرية، كتاب الإجارات، كتاب الجعل،كتاب القراض، كتاب المساقاة، كتاب الشركة، كتاب الشفعة، كتاب القسمة، كتاب الرهون، كتاب الحجر، كتاب التفليس، كتاب الصلح، كتاب الكفالة، كتاب الحوالة، كتاب الوكالة، كتاب اللقطة، كتاب الوديعة، كتاب العارية، كتاب الغصب، كتاب الاستحقاق، كتاب الهبات، كتاب الوصايا، كتاب الفرائض، كتاب العتق، كتاب الكتابة، كتاب التدبير، كتاب أمهات الأولاد، كتاب الجنايات، كتاب القصاص، كتاب الجراح، كتاب الديات في النفوس، كتاب الديات فيما دون النفوس، كتاب القسامة، كتاب في أحكام الزنى، كتاب القذف، كتاب السرقة، كتاب الحرابة، كتاب الأقضية).
كما قامت بطباعة الكتاب دار المعرفة للطباعة والنشر في عدد 2 مجلد إصدار 2000.
كما قامت بطباعة الكتاب دار ابن حزم في مجلد واحد إصدار 1999.
كما قامت بطباعة الكتب مكتبة ابن تيمية في عدد 4 مجلدات إصدار 1994.
خـاتـمـة
إن العالم الفيلسوف والفقيه ابن رشد الحفيد كان كثير المعرفة والاطلاع في العلوم مثل الطب والفلسفة، وبحرا في العلوم الشرعية ومذاهبها المختلفة مما أَهَّلَه يبحث في أغوار النص وما وراءه من معاني فأدرك  بذلك ما الذي جعل الفقهاء يختلفون في فهم النص وهذا لا يتأتى إلا لفيلسوف مثل ابن رشد فقيه الفلاسفة وفيلسوف الفقهاء.
 أسأل الله أن يتقبل هذا الجهد البسيط، وأن يجعله في الميزان وأن ينفع به المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
                                               والله من وراء القصد،
                                                          وهو يهدي السبيل.
 







المصادر
1-              بداية المجتهدونهايةالمقتصد
2-              عيون لأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة
3-              سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي
4-              ملاحق أعلام الفقهاء الموسوعة الفقهية
5-              شذرات الذهب في أخبار من ذهب لعبد الحي العكري
6-              التوفيق بين الشريعة والفلسق مقال من النت للباحث جمال عبد الناصر


[1] "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" لابن رشد الحفيد الجزء الثاني باب شروط الكتابة ص461 طبعة دار العقيدة الطبعة الأولى سنة 2004 تحقيق أحمد أبو المجد.
[2] لم أقف على كلمة نهاية المقتصد، التي على الغلاف بدل كلمة "كفاية المقتصد" التي أشار إليها المصنف، ولعل سببها يرجع إلى المخطوطات وما فيها من اختلاف في النسخ ولكن المعنى قريب.
[3] عيون الأنباء في طبقات الأطباء(2 / 75).
[4] سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي (المتوفى : 748هـ).
[5] ملاحق تراجم الفقهاء الموسوعة الفقهية لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية(11/84).
[6] شذرات الذهب في أخبار من ذهب لعبد الحي بن أحمد العكري الدمشقي( 1032/
1089هـ) تحقيق عبد القادر الأرنؤوط، ومحمود الأرناؤوط، الناشر دار ابن كثير سنة النشر 1406هـ.
[7] سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي (المتوفى : 748هـ).

[8] مقال "التوفيق بين الشريعة والفلسفة" للباحث جمال عبد الناصر، ماجستير في الفلسفة الإسلامية،كلية دار العلوم، جامعة القاهرة من موقع إسلام أون لاين.

[9] أخرجه الحاكم وصححه من حديث عبد الله بن عمر‏ وقال الألباني:(‏ضعيف‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 2772 في ضعيف الجامع‏.‏‌

هناك 4 تعليقات:

  1. أسأل الله أن يجعل هذا العمل نافعًا للمسلمين ودافعًا إلى فهم الإسلام بأسلوب يسير

    ردحذف
  2. ربنا يباركلك في المدونة وينفعك بيها يا مولانا ويتقبل منك

    ردحذف
  3. بارك الله فيك، شكرا لكم، وأحسن الله إليكم.

    ردحذف