رسالة

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علمًا نافعًا



الاثنين، 12 أبريل 2010

أدب الحوار


نعمة البيان
إن من أجل النعم التي أسبغها الله على الإنسان وكرمه به على سائر الخلق هي: نعمة البيان، قال الله تعالى: {الرحمن، علم القرآن، خلق  الإنسان، علمه البيان}[1].
 وعلى قدر جلال النعمة يعظم حقها ويستوجب شكرها ويستنكر كنودها.[2]
وإذا كانت للدعاية مجموعة من الأدوات ووسائل يسعى من خلالها إلى نشر دعوته بين الناس، فإن عليه أن يتذكر دائمًا أن أداته الأولى المتقدمة على ما سواها هي: حسن الحوار.
ذلك؛ لأن الكلمة المؤمنة الطيبة هي سلاحه الأول في أداء رسالته النبيلة، سواء في عرضها على الآخرين ابتداء، أو الدفاع عنها حيال شبهة أو فرية، كما أنها سبيله الأول في التعامل مع الآخرين من الدعاة أمثاله، خاصة إذا تباينت بينه وبينهم وجهات النظر في قضية، أو أسلوب، أو أولوية.
لذلك يمكن أن يقال: إنه بالمقدار الذي يكون الداعية فيه متمكنًا من فن الحوار يكون أقدر على النجاح، ففي العصر الحديث شاع تخصص يتصل بشكل أو بآخر بموضوعنا هذا، وهو فن العلاقات العامة، وحسن الاتصال بالآخرين للإقناع بالرأي.
ومن ينظر في تراث الأمة المسلمة يجد نتائج كثيرة تتصل بهذا الجانب، وينبغي ألا نستهين بأن صحة الفكرة تستدعي بالضرورة نجاح المحامي في عرضها، وكم من أفكار ثمينة خسرت بسبب محاميها العاجز، وكم من أفكار منحرفة كتب لها الفوز بسبب محاميها القدير.
من أجل ذلك نريد أن نقترح مجموعة من الآداب والتوجيهات التي يحتاج إليها الجميع في مناقشتهم، وحواراتهم، وأحاديثهم تساعد على الوصول إلى الحق، وجمع القلوب، وتضييق مساحة الخلاف، وتوسيع الاتفاق.

ولعل من المفيد أن يشار إلى المقصود من الحوار و المحاور.

الحوار:
هو نوع من الحديث بين شخصين أو فريقين يتم فيه تداول الكلام بينهم بطرق متكافئة، فلا يستأثر به أحدهما دون الآخر، ويغلب عليه الهدوء، والبعد عن الخصومة  والتعصب، ومثال ذلك ما يكون بين صديقين في دراسة، أو في عمل، أو في مجلس، أو ناد[3].
ومعنى ذلك أن المحاور غير الخطيب الذي جاء جمهور الناس ليسمعوه وهم سكوت، وغير المدرس، والمحاضر.

الفرق بين الحوار والجدال

والحوار والجدال يلتقيان في أنهما حديث أو مناقشة بين طرفين، ولكن الجدال يغلب عليه الخصومة بالكلام، فالجدال والمجادلة والجدل كل ينحو منحنى الخصومة، ولو بمعنى العناد والتمسك بالرأي والتعصب له، أما الحوار فهو مراجعة الكلام والحديث[4].
ولقد عني القرآن عناية بالغة بالحوار؛ لأنه الطريق الأمثل للإقناع، والإقناع هو أساس الإيمان الذي لا يمكن أن يفرض إنما ينبع من داخل الإنسان.
والنماذج في القرآن كثيرة نذكر منها على سبيل المثال: الحوار بين الله وملائكته في موضوع خلق آدم، ومنها ما دار بين الله وبين إبراهيم عليه السلام عندما طلب من ربه أن يريه كيف يحي الموتى، وإنما تستعمل كلمة (قال) في الحوار، وقد وردت (527)  مرة في القرآن[5].
أما ما ورد في السنة فكثيرًا أيضًا نذكر منه كما أورده ابن هشام حين جهر النبي بالدعوة حارت قريش وارتبكت وفكرت ودبرت، وكان مما صنعته أنها أرسلت عتبة بن ربيعة إليه يحادثه ويفاوضه، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ ، قَالَ: حُدّثْت أَنّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَكَانَ سَيّدًا ، قَالَ يَوْمًا وَهُوَ جَالِسٌ فِي نَادِي قُرَيْشٍ ، وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَلَا أَقُومُ إلَى مُحَمّدٍ فَأُكَلّمَهُ وَأَعْرِضَ عَلَيْهِ أُمُورًا لَعَلّهُ يَقْبَلُ بَعْضَهَا، فَنُعْطِيهِ أَيّهَا شَاءَ وَيَكُفّ عَنّا؟ وَذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ حَمْزَةُ وَرَأَوْا أَصْحَابَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَزِيدُونَ وَيَكْثُرُونَ فَقَالُوا: بَلَى يَا أَبَا الْوَلِيدِ قُمْ إلَيْهِ فَكَلّمْهُ.
فَقَامَ إلَيْهِ عُتْبَةُ حَتّى جَلَسَ إلَى رَسُولِ اللّه صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي ، إنّك مِنّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ مِنْ السّطَةِ فِي الْعَشِيرَةِ وَالْمَكَانِ فِي النّسَبِ، وَإِنّك قَدْ أَتَيْت قَوْمَك بِأَمْرِ عَظِيمٍ فَرّقْت بِهِ جَمَاعَتَهُمْ وَسَفّهْت بِهِ أَحْلَامَهُمْ وَعِبْت بِهِ آلِهَتَهُمْ وَدِينَهُمْ وَكَفّرْت بِهِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ فَاسْمَعْ مِنّي أَعْرِضْ عَلَيْك أُمُورًا تَنْظُرُ فِيهَا لَعَلّك تَقْبَلُ مِنْهَا بَعْضَهَا.

قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ: قُلْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ أَسْمَعْ.
قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي ، إنْ كُنْت إنّمَا تُرِيدُ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَالًا جَمَعْنَا لَك مِنْ أَمْوَالِنَا حَتّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ شَرَفًا سَوّدْنَاك عَلَيْنَا، حَتّى لَا نَقْطَعَ أَمْرًا دُونَك، وَإِنْ كُنْت تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلّكْنَاك عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الّذِي يَأْتِيك رِئْيًا تَرَاهُ لَا تَسْتَطِيعُ رَدّهُ عَنْ نَفْسِك، طَلَبْنَا لَك الطّبّ، وَبَذَلْنَا فِيهِ، غَلَبَ التّابِعُ عَلَى الرّجُلِ حَتّى يُدَاوَى مِنْهُ أَوْ كَمَا قَالَ لَهُ.
حَتّى إذَا فَرَغَ عُتْبَةُ وَرَسُولُ اللّه صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَسْتَمِعُ مِنْهُ قَالَ: أَقَدْ فَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ ؟
قَالَ نَعَمْ، قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: فَاسْمَعْ مِنّي ؛ قَالَ: أَفْعَلُ.
فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ { حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ كِتَابٌ فُصّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنّةٍ مِمّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ }
ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللّه صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيهَا يَقْرَؤُهَا عَلَيْهِ، فَلَمّا سَمِعَهَا مِنْهُ عُتْبَةُ أَنْصَتَ لَهَا، وَأَلْقَى يَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا يَسْمَعُ مِنْهُ، ثُمّ انْتَهَى رَسُولُ اللّه صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى السّجْدَةِ مِنْهَا، فَسَجَدَ ثُمّ قَالَ: قَدْ سَمِعْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ مَا سَمِعْتَ فَأَنْت وَذَاكَ.

ففي القصة أكثر من درس

1)    إعطاء الفرصة: حيث إن النبي لما قال عتبة ما عنده أعطاه الفرصة لأضافه شيء قد يود أن يقوله، ربما نسيه أو غفل عنه، وسأله أفرغت يا أبا الوليد دون أن يعاجله، وهذه قمة الأدب والذوق مما يجعل الطرف الآخر تتفتح نفسه للسماع.
2)    عرض خير ما عندك: وذلك حينما تلا عليه النبي آيات من الذكر الحكيم تنتهي بسجدة، ثم قال لعتبة: فأنت وذلك، أيهما تختار، وهذا يجعل المستمع مستعدًا للتلقي دون إلزام، لذلك لا غرابة أن قال له قومه بعد أن عاد إليهم: سحرك يا أبا الوليد وقالوا: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بوجه غير الوجه الذي ذهب به.
3)    عدم تسفيه رأي الآخر حتى وإن لم يكن مقنعًا: وذلك نراه في حوار النبي مع عتبة في أنه لم يسفه رأيه رغم أنه لا يمكن أن يساوي بين كلام عتبة وبين كلام الله الذي تلاه عليه.
وأما ما ورد في سيرة أصحابه الكرام الذين تربوا على الأدب والذوق الرفيع ما جاء عن مصعب بن عمير حين خرج إلى المدينة سفيرًا لها يدعو إلى الإسلام
قالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُعَيْقِبٍ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ خَرَجَ بِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ يُرِيدُ بِهِ دَارَ بَنِي
عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَدَارَ بَنِي ظَفَرٍ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ النّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ
بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ ابْنَ خَالَةِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ ، فَدَخَلَ بِهِ حَائِطًا مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظَفَرٍ.
فَجَلَسَا فِي الْحَائِطِ ، وَاجْتَمَعَ إلَيْهِمَا رِجَالٌ مِمّنْ أَسْلَمَ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْر ٍ يَوْمَئِذٍ سَيّدَا قَوْمِهِمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَكِلَاهُمَا مُشْرِكٌ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، فَلَمّا سَمِعَا بِهِ قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لِأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ لَا أَبَا لَك، انْطَلِقْ إلَى هَذَيْنِ الرّجُلَيْنِ اللّذَيْنِ قَدْ أَتَيَا دَارَيْنَا لِيُسَفّهَا ضُعَفَاءَنَا، فَازْجُرْهُمَا وَانْهَهُمَا عَنْ أَنْ يَأْتِيَا دَارَيْنَا، فَإِنّهُ لَوْلَا أَنّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنّي حَيْثُ قَدْ عَلِمْت كَفَيْتُك ذَلِكَ هُوَ ابْنُ خَالَتِي، وَلَا أَجِدُ عَلَيْهِ مُقَدّمًا.
قَالَ: فَأَخَذَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ حَرْبَتَهُ، ثُمّ أَقْبَلَ إلَيْهِمَا، فَلَمّا رَآهُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ قَالَ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: هَذَا سَيّدُ قَوْمِهِ قَدْ جَاءَك، فَاصْدُقْ اللّهَ فِيهِ.
قَالَ مُصْعَبٌ: إنْ يَجْلِسْ أُكَلّمْهُ.
قَالَ: فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا  مُتَشَتّمًا.
فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمَا إلَيْنَا تُسَفّهَانِ ضُعَفَاءَنَا ؟ اعْتَزِلَانَا إنْ كَانَتْ لَكُمَا بِأَنْفُسِكُمَا حَاجَةٌ.
فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَتَجْلِسُ فَتَسْمَعَ فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ وَإِنْ كَرِهْته كُفّ عَنْك مَا تَكْرَهُ قَالَ: أَنْصَفْتَ، ثُمّ رَكَزَ حَرْبَتَهُ وَجَلَسَ إلَيْهِمَا، فَكَلّمَهُ مُصْعَبٌ بِالْإِسْلَامِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فَقَالَا: فِيمَا يُذْكَرُ عَنْهُمَا: وَاَللّهِ لَعَرَفْنَا فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلّمَ فِي إشْرَاقِهِ وَتَسَهّلِهِ. ثُمّ قَالَ مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَجْمَلَهُ كَيْفَ تَصْنَعُونَ إذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا فِي هَذَا الدّينِ ؟
قَالَا لَهُ: تَغْتَسِلُ فَتَطّهّرُ وَتُطَهّرُ ثَوْبَيْك، ثُمّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقّ ثُمّ تُصَلّي.
فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهّرَ ثَوْبَيْهِ وَتَشَهّدَ شَهَادَةَ الْحَقّ، ثُمّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ.
ثُمّ قَالَ لَهُمَا: إنّ وَرَائِي رَجُلًا إنْ اتّبَعَكُمَا لَمْ يَتَخَلّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ وَسَأُرْسِلُهُ إلَيْكُمَا الْآنَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، ثُمّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ وَانْصَرَفَ إلَى سَعْدٍ وَقَوْمِهِ وَهُمْ جُلُوسٌ فِي نَادِيهِمْ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُقْبِلًا قَالَ: أَحْلِفُ بِاَللّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أُسَيْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمّا وَقَفَ عَلَى النّادِي قَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا فَعَلْت ؟
قَالَ: كَلّمْت الرّجُلَيْنِ فَوَاَللّهِ مَا رَأَيْت بِهِمَا بَأْسًا، وَقَدْ نَهَيْتُهُمَا، فَقَالَا: نَفْعَلُ مَا أَحْبَبْتَ وَقَدْ حُدّثْت أَنّ بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجُوا إلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ لِيَقْتُلُوهُ، وَذَلِكَ أَنّهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَنّهُ ابْنُ خَالَتِك، لِيُخْفِرُوكَ.
قَالَ: فَقَامَ سَعْدٌ مُغْضَبًا مُبَادِرًا، تَخَوّفًا لِلّذِي ذُكِرَ لَهُ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ فَأَخَذَ الْحَرْبَةَ، ثُمّ قَالَ: وَاَللّهِ مَا أَرَاك أَغْنَيْت شَيْئًا، ثُمّ خَرَجَ إلَيْهَِا، فَلَمّا رَآهُمَا سَعْدٌ مُطْمَئِنّيْنِ عَرَفَ سَعْدٌ أَنّ أُسَيْدًا إنّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتّمًا ، ثُمّ قَالَ لِأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ ( أَمَا وَاَللّهِ ) لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَك مِنْ الْقَرَابَةِ مَا رُمْت هَذَا مِنّي، أَتَغْشَانَا فِي دَارَيْنَا بِمَا نَكْرَهُ وَقَدْ قَالَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَيْ مُصْعَبُ جَاءَك وَاَللّهِ سَيّدُ مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ قَوْمِهِ إنْ يَتّبِعْك لَا يَتَخَلّفُ عَنْك مِنْهُمْ اثْنَانِ.
قَالَ: فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَتَقْعُدُ فَتَسْمَعَ، فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا وَرَغِبْت فِيهِ قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْته عَزَلْنَا عَنْك مَا تَكْرَهُ ؟
قَالَ سَعْدٌ: أَنْصَفْت.
ثُمّ رَكَزَ الْحَرْبَةَ وَجَلَسَ فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ
قَالَا: فَعَرَفْنَا وَاَللّهِ فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْل أَنْ يَتَكَلّمَ لِإِشْرَاقِهِ وَتَسَهّلِهِ ثُمّ قَالَ لَهُمَا: كَيْفَ تَصْنَعُونَ إذَا أَنْتُمْ أَسْلَمْتُمْ وَدَخَلْتُمْ فِي هَذَا الدّينِ ؟
قَالَا: تَغْتَسِلُ فَتَطّهّرُ وَتُطَهّرُ ثَوْبَيْك، ثُمّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقّ، ثُمّ تُصَلّي رَكْعَتَيْنِ
قَالَ: فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهّرَ ثَوْبَيْهِ وَتَشَهّدَ شَهَادَةَ الْحَقّ، ثُمّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ فَأَقْبَلَ عَامِدًا إلَى نَادِي قَوْمِهِ وَمَعَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ.
قَالَ: فَلَمّا رَآهُ قَوْمُهُ مُقْبِلًا، قَالُوا : نَحْلِفُ بِاَللّهِ لَقَدْ رَجَعَ إلَيْكُمْ سَعْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ ؟
قَالُوا : سَيّدُنَا ( وَأَوْصَلُنَا ) وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا، وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً.
قَالَ: فَإِنّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيّ حَرَامٌ حَتّى تُؤْمِنُوا بِاَللّهِ وَبِرَسُولِهِ
قَالَا: فَوَاَللّهِ مَا أَمْسَى فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إلّا مُسْلِمًا وَمُسْلِمَةً.
وَرَجَعَ أَسْعَدُ وَمُصْعَبٌ إلَى مَنْزِلِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ فَأَقَامَ عِنْدَهُ يَدْعُو النّاسَ إلَى الْإِسْلَامِ حَتّى لَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلّا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُسْلِمُونَ[6].
ومن هذا يتبين أن مصعب استطاع بحكمته وذكائه السياسي وحصافته الحوارية أن يحقق انتصارات كبيرة للإسلام، واستطاع في عام واحد أن يفعل ما لم يفعله رسل كرام في عشرات الأعوام.
فعلى ولاة الأمر أن يختاروا السفير المؤمن الملتزم الموهوب، الذي يستطيع أن يمثل بلادة ودينه قولًا وعملًا

الإقرار بالخلاف

اقتضت حكمه الله أن تختلف أراء الناس في صغير الأمور وكبيرها سواء في أمور الدنيا أو الدين.
وسبب ذلك أنهم خلقوا مختلفين في الفهم والعلم، كما أنهم خلقوا مختلفين في الأمزجة والميول والرغبات والضعف والقوة يقول الله:}وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (119) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ[7]{.
لو شاء الله لخلق الناس كلهم على نسق واحد ، وباستعداد واحد . . نسخاً مكرورة لا تفاوت بينها ولا تنويه فيها. وهذه ليست طبيعة هذه الحياة المقدرة على هذه الأرض. وليست طبيعة هذا المخلوق البشري الذي استخلفه الله في الأرض[8]
أي لو شاء ربك لجعل الناس على طريقة واحدة في الإيمان مفطورين على الطاعة كالملائكة، ولا يزالون مختلفين يختار كل منهم الطريق التي يريدها تبعًا لشهواته وتفكيره.[9]
ولكن اختلاف الآراء ينبغي ألا يؤدى إلى اختلاف القلوب، لأن اختلاف القلوب حرام.
ومن ثم أنه لا ضير من الاختلاف، ولابد أن نتقبله بصدر رحب نتسامح مع المخالفين، ونجعل شعارنا ما قرره الإمام مالك: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظر في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه".
وما أرشد قول الإمام الشافعي: "رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب".
فما بين الاحتمالات لا تكون هناك قطعيات يحلف عليها أحدهم، ويقسم عليها الآخر، فإن المساحة تسع الجميع دون خلاف وفرقة.

ليس الناس طرازًا واحدًا

تتفاوت عقول الناس وإفهامهم، والأدلة التي تصلح لزيد قد لا تصلح لعمرو، وطريق المحاورة التي يتقبلها هذا ربما لا يتقبلها ذلك، والمحاور الفطن من يعرف مَنْ يحاور، والطريقة التي ينبغي له أن يحاور بها.
لذا يجب على المحاور أن يعرف مستوى الطرف الآخر في العلم والفهم، لا يخاطب العالم كالطالب، والكبير كالنظير، وعليه ألا يفترض مسبقًا في محاوره الذكاء، فيكلمه بحيث لا يفهم، ولا الغباء فيشرح مالا يحتاج إلى شرح، كما عليه أن يعتقد أنه ربما يكون هو مخطئًا، والطرف الآخر على صواب، والله تعالى لم يختصه من دون خلقه بالعقل، والعلم، والفهم[10].
لا تستأثر بالكلام
يجب على المحاور أو المتحدث ألا يستأثر بالكلام، ويحرم الطرف الآخر من الكلام بالإطالة التي تخرج به عن حدود الذوق، واللياقة، فالاستئثار بالكلام كالاستئثار بالطعام كلاهما من شهوة، وكلاهما منقصة لصالحها.
ومن هنا كان على المحاور أن يراعي الوقت أثناء كلامه، فإذا كان في مؤتمر وأعطي دقائق معينة التزم بها وساوى بين المحاورين، وهذا من العدل الذي أوجبه الله على خلقه } إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ......}.[11]
ومن قديمٍ توارث الناس الحكمة التي تقول:
إن الله خلق للإنسان لسانًا واحدًا وأذنين، ليكون ما يسمعه أكثر مما يقوله.

ولعل أسباب الإطالة واستئثار الكلام ترجع إلى:

1)    إعجاب المرء بنفسه، وتصوره أن علمه جديد على الناس.
2)    الغفلة عن تقدير الطرف الآخر من حيث العلم والموقف.
3)    غلبة الشهوة عليه فيما يقول.

حسن الاستماع

إن المتحدث البارع مستمع بارع، فكن حسن الاستماع ولا تقاطع من تحاور، بل استمع إليه كما تحب أن يستمع إليك.
إن كثيرًا من الناس يخفقون في ترك أثر طيب في نفوس من يقابلونهم لأول مرة، لأنهم لا يصغون إليهم باهتمام، إنهم يحصرون همَّهم فيما سيقولونه لمستمعهم، فإذا تكلم المستمع لم يلقوا إليه بالًا، علمًا بأن أكثر الناس يفضلون المستمع الجيد على المتكلم الجيد يقول ديل كارنيجي في كتابه[12]:
"إذا كنت تريد أن ينفض الناس من حولك ويسخروا منك عندما توليهم ظهرك فهناك الوصفة: لا تعطي أحدًا فرصة في الحديث تكلم بغير انقطاع، وإذا خطرت لك فكرة بينما غيرك يتحدث فلا تنتظر حتى يتم حديثه، فهو ليس ذكيًا مثلك، فلماذا تضيع وقتك في الاستماع إلى حديثه السخيف اقتحم عليه الحديث، واعترض في منتصف كلامه.
يقول ابن المقفع:
" تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام، ومن حسن الاستماع إمهال المتكلم حتى ينقضي حديثه، وقه التلفت إلى الجوار، والإقبال بالوجه والنظر إلى المتكلم والوعي لما يقول".
وهنا من المفيد أن يكون بين يديك قلم وورقة تسجل عليها ما تود تسجيله، حتى إذا ما جاء دورك أفضيت بما لديك.

راقب نفسك

انتبه لنفسك وأنت تحاور هل ترفع صوتك؟
تذكر نصيحة لقمان: }وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير{ِ [13].
انتبه هل أنت مستعد لذلك؟
على المحاور الحكيم أن يراقب نفسه بنفس الدرجة من اليقظة والانتباه التي يراقب فيها الآخرين، وحاول أن تجعل لك محطات في الحديث تراجع فيها نفسك وتسائلها.
هل أنت ملتزم بما سبق أن هيئته من أفكار؟
وهل الأفضل أن تستمر بهذا النسق أم أن تعدل عن انفعالاتك؟
وراقب نفسك هل أنت تسمع الآخر بلسانك لتدحض حجته قبل أن تسمعه بأذنك، فترد عليه قبل أن يكمل كلامه ؟
يقول الله تعالى: }إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيم{ٌ  [14].
فلا بد أن تسمعه بعقلك وقلبك؛ لتفهم ما يريد أن يبينه من كلامه، وتسير معه في طريق مشترك لتلتقيا قال أبوعمرو بن العلاء:
"ليس من الأدب أن تجيب من لا يسألك أو تسأل من لا يجيبك، وتحدث من لا ينصت إليك".
وراقب نفسك هل أنت عامل مساعد لسخونة الحوار وإيقاع المتحاورين في بعضهما ؟ أم أنت صاحب التعقيبات والعناوين التي تغير صدر إخوانك؟
لذلك على الداعية أن يقوم بمراجعةٍ لنيته قبل أن يدخل في حوار، فيسأل نفسه:
هل نيتي خالصة لله في هذا الحوار؟
أم أنه قد يسبب آثارًا هي خلاف ما أحب؟ كأن يثير فتنة نائمة يقول الله تعالى:
}لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}[15]

النقاط المشتركة

إن المحاور الذي يبدأ بتقديم نقاط الاتفاق بينه وبين الطرف الآخر إنما يبدأ في الحقيقة بكسب ثقته، ويبني معه جسرًا من التفاهم في الأمر محل الخلاف يقول ديل كارنيجي[16]:
"دع الطرف الآخر يوافق في البداية على الأمثلة التي تطرحها عليه ويجيب بنعم، وحُلْ ما استطعت بينه وبين لا لأن كلمة لا عقبة كئود يصعب التغلب عليها، فمتى قال أحد: لا أوجَبَتْ عليه كبرياؤه أن يظل مناصرًا لنفسه، وإن قول: لا هو أكثر من مجرد التفوه بكلمة مكونة من حرفين، إن كيانه بغدده وأعصابه وعضلاته يتحفز ليناصره في اتجاهه إلى الرفض، بينما لا يكلف قول: نعم أي نشاط جسماني".
 ويقال: إن سقراط حكيم اليونان كان يتبع هذا الأسلوب، كان يبدأ مع الطرف الآخر بنقاط الاتفاق بينهما، ويسأله أسئلة لا يملك الإجابة عنها بغير نعم ويظل سقراط يكسب الجواب تلو الجواب، حتى يرى مناظره نفسه أنه مقر بفكرة كان ينكرها قبل قليل[17].

لا تتعصب وسلم بالخطأ

التعصب هو عدم قبول الحق عند الدليل، وإن الموضوعية والأمانة تجعلك تسلم بالأخطاء، ثم تنتقل برفق إلى صوابك.
إن مثل هذا اللون من ألوان الحوار يجعلك مشاهد حق، ويبعدك عن التعصب، ويجعلك أقدر على أداء فكرتك وإيصال رأيك للآخرين بدون التفاف، حتى تظهر أمام الآخرين أنك لم تخطئ، وتدور وتحلل كلام هذا وذاك؛ لتظهر بمظهر المصيب دائمًا.
أنصحك:
 إن التسليم بالخطإ صعب على الذي لم يتعود عليه خاصة إذا كان مسئولًا أو أمام الجمع، فإنه يشعر بالحرج، ولكن متى اعتاده وجد له حلاوة قد تقارب أحيانًا حلاوة الفوز والنصر.
وفي هذا روي عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك قالوا: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا ونحن نتمارى في شيء من أمر الدين فغضب غضبًا شديدًا لم يغضب مثله، ثم انتهرنا فقال:
 "مهلًا يا أمة محمد إنما هلك من كان قبلكم بهذا،
ذروا المراء، لقلة خيره،
 ذروا المراء، فإن المؤمن لا يماري،
ذروا المراء، فإن المماري قد تمت خسارته،
ذروا المراء، فكفى إثمًا أن لا تزال مماريًا،
ذروا المراء، فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة،
ذروا المراء، فأنا زعيم بثلاثة أبيات في الجنة في رباضها[18]، وأوسطها، وأعلاها لمن ترك المراء وهو صادق،
ذروا المراء، فإن أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان المراء، فإن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على ثنتين وسبعين فرقة كلهم على الضلالة إلا السواد الأعظم
قالوا: يا رسول الله ما السواد الأعظم ؟
قال:  من كان على ما أنا عليه وأصحابي، من لم يمار في دين الله ولم يكفر أحدًا من أهل التوحيد بذنب غفر له "[19].
 إن الحوار عبادة من العبادات، فتمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيه واعلم إنك بشر تصيب وتخطئ، ولم يعصم الله من الناس إلا أنبياءه ورسله، فمن الطبيعي أن تخطئ كما أخبر النبي عن أنس بن مالك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون"[20].
لذلك يجب أن تكون أمينًا في العرض، ولا تقطع عبارة عن سياقها، أو تعزلها عن مناسبتها؛ لتفسرها على خدمة رأيك، فهذا منقصة في دينك؛ لأنه أخو الكذب.
وهذا مما يعرضك للهزءة والسخرية الداخلية إذا وجد من يكشف تلاعبك بالنصوص، وتحايلك في الاستشهاد.
لا تنس التي هي أحسن
                           يقول الله تبارك وتعالى أمرًا معلمًا نبيه كيف يدع الناس:
}ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ{[21]
فهذا محمد صلى الله عليه وسلم أمره ربه أن يجادل بالحسنى، فهل نحن أكرم على الله من أنبيائه، والتي هي أحسن تقتضي ألَّا تسفه أراء صاحبك، وأن تظهر له الاحترام ولو كان على غير رأيك؛ لأن أسلوب التحدي في المناقشة والإفحام ولو كان بالحجة الدامغة والدليل المبين، يبغض صاحبك، فلا تلجأ إليه؛ لأن كسب القلوب أهم من كسب المواقف، ثم إنك قد تفحم الآخر عن الجواب، ولكنك لا تقنعه.

الوصول إلى النتيجة

إذا كان الحديث ذا شجون وكثيرًا ما يتشعب الموضوع، ويمضي في أمور فرعية، بعيدة عن الأصل، لذا فإذا رأيت المناقشة قد انحرفت عن مسارها حاول أن تقطف ثمرة المناقشة، سواء كانت الثمرة قناعةً أو عملًا، وضع حدًا للجدل العقيم، فإنه مضيعة للوقت، فبعد أن نتعب في زرع الشجرة في حرثها وسقايتها نُحْرَم من ثمرتها، لذلك على المحاور أن يحرص على التركيز والنجاة من الاستطراد للوصول إلى نتيجة واحدة محددة.

حين لا يجدي المنطق

في بعض الأحيان لا ينفع المنطق والبرهان إنما يجدي التودد والإحسان حينذاك ألق عصا المنطق، واحمل راية الحنان لتفوز في الميدان فعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
"الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ"[22].
 فادفع بالحسنى تنقلب العداوةُ مودةً، والبغضُ محبةً بصوت حنون، ولا تصرخ في وجه أخيك، فإن البحر تجد الصخب والضجيج على الشاطئ عند الصخور حيث الماء الضحل لا جواهر فيه، وتجد الهدوء لدى الماء العميق حيث نفائس البحر وكنوزه.
                                             والله أسأل أن يتقبل منا
                                                 العبد الفقيرإلى الله
                                                   الشيخ| محمد الباشا
                                          عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


الرحمن (4:1).[1]
 خلق المسلم للغزالي(أدب الحديث).[2]
 في أصول الحوار إعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي. [3]
[4]في أصول الحوار إعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي
[5]المسلم المعاصر من مقال للأستاذ عمر بهاء الدين الأميري.
1 سيرة ابن هشام ج1 ص435
[7] هود(118).
في ظلال القرآن تفسير سورة هود.  [8]  
[9] تفسير وبيان مع أسباب النزول للسيوطي للدكتور محمد حسن الحمصي.
[10] في أصول الحوار إعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي.
[11] النحل(90).
[12] كيف تكسب الأصدقاء ديل كارنيجي.
[13] سورة لقمان(19).
[14] سورة النور(15).
[15] النساء(114).
[16] كيف تكسب الأصدقاء ديل كارنيجي.
[17] في أصول الحوار إعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي.
[18]  الرباض : أساس البناء .
[19] الطبراني في الكبير بسند ضعيف.
[20] رواه ابن ماجه وقال الألباني حسن.
[21] النحل (125).
[22] صحيح مسلم باب فضل الرفق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق