رسالة

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علمًا نافعًا



الاثنين، 12 أبريل 2010

دور الأمة في حماية مقدساتها


الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا.
ونشهد أن لا إله إلا الله، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، أتمَّ شرعه وأكمله، ورضيه لنا وحسنه، وجمَّله وفضَّله، وبيَّنه وأحكمه، وهو مصدر المصالح والنعمة، والخير والرفعة، وبدونه تنزل النقمة، وتحل الذلة.
وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، البشير النذير، مخرج قومه من الظلمات إلى النور، ومن ضلال الجاهلية وشقائها إلى هداية الإسلام وسعادته... أما بعد ...
إن الأماكن المقدسة رموز الإسلام والدين، وهي أطهر الأماكن على الإطلاق، فعندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خير البقاع وشرها "قال: لا أدري حتى نزل عليه جبريل عليه السلام فسأله فقال: لا أدري إلى أن أعلمه الله عز وجل أن خير البقاع المساجد وشرها الأسواق"[1]
بل وأحب البقاع إليه سبحانه وتعالى، فعن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أحب البقاع إلى الله المساجد، و أبغض البقاع إلى الله الأسواق"[2] .
والمؤمنون بل والأنبياء أُمِروا بأن يفدوا الإسلام ومقدساته بأنفسهم. وذاك إبراهيم الخليل يأمره الله أن يطهر بيته الحرام من الرجس والأوثان، ومن كل نجاسة مادية أو معنوية، ويصفه تعالى بأنه جعله أمنًا، من دخله أمن {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة : 125]، ولهذا حرّم تنجيس المساجد، وإذا حصلت في مسجد نجاسة يجب المبادرة في إزالتها وتطهير المسجد منها.
 بل إن الإسلام احترم دور العبادة لغير المسلمين من مسيحيين وغيرهم، فقد كان أبو بكر خليفة رسول الله يوصي المجاهدين بألا يعتدوا على دار عبادة، وأن لا يهدموا صومعة، ويقول لهم: "ستجدون أقوامًا قد حبسوا أنفسهم للصوامع فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له"[3]، ولهذا قرر الإمام الحسين الخروج من مكة المكرمة، عندما خرج على معاوية، لكي لا تستحل به حرمة البيت الحرام.
"وأما ما يروجه بعض المستسلمين للاحتلال وذُلِّه أن للبيت ربًّا يحميه، وهم إذ يستشهدون بهذه المقولة في الرد على أية دعوة تنطلق لحثهم على أخذ دورهم في الأنشطة والفعاليات الساعية لحماية المقدسات، إنما يستخدمونها للتهرب من واجباتهم تجاهها.
وهم يتناسون كليًّا، أن صاحب تلك الدعوة لم يكن موحدًا للّه سبحانه وتعالى، بل ولم يخاطب أصلاً بحماية البيت، وبالتالي فإن علاقته بإبله وحمايتها، كانت أقوى من علاقته بالبيت الحرام وحمايته، كمن كانت علاقته بمصالحه أقوى من علاقته بمقدساته.
ومن جانب آخر أرادوا تحويل المقدسات إلى مجرد أسماء وأحجار ومبان وأماكن مقدسة في الذهن دون ربط ذلك بالفعل اليومي لحياة جمهور المؤمنين أو حتى المنتسبين شكلاً لدينهم بسبب الهوية والمنشأ"[4].
"فالقدس أيها الأخوة المسلمين والمسجد الأقصى في الدين الإسلامي عقيدة من عقائد الإسلام، لأن الرباط الذي صنعه الله سبحانه وتعالى وليس البشر بين الحرم المكي الشريف وبين الحرم القدسي الشريف هو عقيدة من عقائد الإسلام {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا..}[الإسراء:1]
آية من آيات الله سبحانه وتعالى هذه العقيدة وهذا الرباط بين القبلة الخاتمة وبين قبلة النبوات والرسالات، كيف تكون عقيدة؟
لأن هذا الرباط هو رمز لوحدة الدين، دين الله الواحد، من آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، إذاً هذه عقيدة، عقيدة وحدة الدين ولهذا فالمسلمون انطلاقًا من وحدة الدين يؤمنون بكل النبوات والرسالات ويصلون ويسلمون على كل أنبياء الله والمرسلين.
أيضًا القدس رمز في العقيدة الإسلامية لمعجزة الإسراء والمعراج، نحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع التحدي بالإعجاز القرآني دون غيره، لكن هذا الإعجاز القرآني قد تضمن معجزة الإسراء والمعراج، الإسراء من الحرم المكي الشريف إلى الحرم القدسي الشريف والمعراج من الحرم القدسي الشريف.
إذاً القدس والمسجد الأقصى في العقيدة الإسلامية في الإسلام تمثل عقيدة دينية، وليست مجرد أرض يمكن أن تغني عنها أرض أخرى، لأنها لها هذا البعد الديني الذي تمثل وتجسد في الفكر الإسلامي، وفي الواقع الإسلامي، وفي التاريخ الإسلامي، وفي الحضارة الإسلامية على مر التاريخ منذ نزل القرآن منذ الإسراء والمعراج إلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولذلك يكون الدين محركًا للقضية ولتحرير الأرض ولإنقاذ المقدسات، بحيث لا يمكن أن يغني عنها مكان آخر أو أرض أخرى"[5].
وإذا كان المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية هي جزءّ لا يتجزأ من عقيدة المسلمين وتاريخهم وحضارتهم ، فلا يجوز الاعتداء عليها بحال من الأحوال، فالمسجد الأقصى هو أولى القبلتين وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، وهو مسرى نبينا ومهوى أفئدتنا، فالصلاة فيه بخمسمائة صلاة[6]، وهو أحد المساجد التي لا تشد الرحال إلاّ إليها فقد قال أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ تُشَدُّ الرًّحَالُ إًلاَّ إًلَى ثَلاَثَةً مَسَاجًدَ الْمَسْجًدً الْحَرَامً ، وَمَسْجًدً الرَّسُولً صلى الله عليه وسلم وَمَسْجًدً الأَقْصَى"[7]
فالأمة الإسلامية لو فرطت في المسجد الأقصى وصمتت على المحاولات الصهيونية لتهويد القدس، فإنها سوف تفرط في مكة والمدينة المنورة، اللتان تقعان علي رأس المقدسات الإسلامية يقول تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال : 27].
وأي خيانة أكبر من التفريط في مقدسات المسلمين، والتنازل عن بلاد المسلمين إلى أعداء الله ورسوله والمؤمنين، وهنا أمر يجب إيضاحه
وهو أن حماية المقدسات والدفاع عنها وتأمين من دخلها هو أمر واجب شرعًا على المسلمين.
فقد روى ابن كثير والذهبي قصة تشيب لها الأبدان ما يدلل على ذلك من ذكر دخول القرامطة
- وهم فرقة من غلاة الشيعة[8] - المسجد الحرام يوم التروية، فانتهبوا أموال المسلمين واستباحوا قتالهم، فقتل في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة من الحجاج خلقًا كثيرًا، نحو ألف وسبعمائة من الرجال والنساء.
فكان الناس يفرون منهم فيتعلقون بأستار الكعبة فلا يجدي ذلك عنهم شيئًا، وجلس أمير هم أبو طاهر الجناني لعنه الله على باب الكعبة، والرجال تصرع حوله، والسيوف تعمل في الناس في المسجد الحرام في الشهر الحرام في يوم التروية، الذي هو من أشرف الأيام، واستقبل الناس وهو يقول:
أنا الله وبالله أنا      أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا.
ويطوف المسلمون فيقتلون في الطواف، وقد كان بعض أهل الحديث يومئذ يطوف، فلما قضى طوافه أخذته السيوف، فلما قضى القرمطي لعنه الله أمره، وفعل ما فعل بالحجيج من الأفاعيل القبيحة، أمر أن تدفن القتلى في بئر زمزم، ودفن كثيرًا منهم في أماكنهم من الحرم، وفي المسجد الحرام ولم يغسلوا ولم يكفنوا ولم يصل عليهم لأنهم محرمون شهداء في نفس الأمر.
وهدم قبة زمزم وأمر بقلع باب الكعبة ونزع كسوتها عنها، وشققها بين أصحابه، وأمر رجلاً أن يصعد إلى ميزاب الكعبة فيقتلعه، فسقط على أم رأسه فمات إلى النار.
فعند ذلك انكف الخبيث عن الميزاب، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود فقلعه رجل فضربه بمثقل في يده وقال: أين الطير الأبابيل، أين الحجارة من سجيل ؟
ودخل رجل من القرامطة وهو سكران فصفر لفرسه، فبال عند البيت، وروي عن بعضهم أنه قال: كنت في المسجد الحرام يوم التروية في مكان الطواف، فحمل على رجل كان إلى جانبي فقتله القرمطي، ثم قال: يا حمير - ورفع صوته بذلك - أليس قلتم في بيتكم هذا {ومن دخله كان آمنا}[ آل عمران: 97 ] فأين الأمن؟ قال: فقلت له: اسمع جوابك.
قال: نعم.
قلت: إنما أراد الله: "فأمنوه".
قال فثنى رأسه فرسه وانصرف، وقتل في سكة مكة وشعابها زهاء ثلاثين ألفًا، وسبى من النساء والصبيان مثل ذلك.
ثم قلع الحجر الأسود وأخذوه حين راحوا معهم إلى بلادهم، فمكث عندهم ثنتين وعشرين سنة حتى ردوه، سنة تسع وثلاثين وثلثمائة فإنا لله وإنا إليه راجعون[9].
قال الأمام علي بن حزم في قوله :{ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا }:
"الأوامر الواجبة ترد على وجهين أحدهما بلفظ افعل أو افعلوا، والثاني بلفظ الخبر
 فأما الذي يرد بلفظ افعل أو افعلوا فكثير واضح مثل: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين}، {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم } وما أشبه ذلك
 وأما الذي يرد بلفظ الخبر فكقوله تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران : 97] ومثل هذا كثير
فبضرورة العقل علمنا أن ذلك من مقدوراتنا، ومما لا يفعله الله عز و جل دون توسط فاعل منا، فبهذا يتميز ما كان الخبر معناه الأمر، وما كان منه مجردًا للخبر في معناه ولفظه.
 وقد اعترض قوم من الملحدين علينا في قوله: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} وأرادوا أن يحملوا ذلك على أنه خبر في معناه ولفظه.
 قال علي بن حزم: وهذا خطأ بنص القرآن وبضرورة المشاهدة
أما نص القرآن فقوله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [البقرة : 191] فارتفع ظن من ظن أن قول الله عز وجل خبر، وكيف يكون ذلك، وقد أمر تعالى بقتل من قاتلنا فيه وعنده.
 وأما ضرورة المشاهدة فما قد تيقناه مما وقع فيه من القتل مرة بعد مرة على يدي الحصين بن نمير، والحجاج بن يوسف، وإخوانهم القرامطة والله تعالى لا يقول إلا حقًا"[10].
"وهنا يجب أن نفهم أن هناك فارقًا بين أن يكون « الخبر » تاريخًا للواقع ، وبين أن يكون « الخبر » خبرًا تكليفيًا فلو كان { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً } تاريخًا للواقع لتم نقض ذلك بأشياء كثيرة، فقد وجد فيه قوم ولم يأّمَنوا
إن هناك فرقًا بين إخبار الحق بواقع قد حدث، وبين إخبار بتكليف.
إن الإخبار بالواقع كان معناه ألا يدخل أحد البيت الحرام ويهيجه أو يهاجمه أحد أبدًا، ولكن الإخبار التكليفي معناه: أن يخبر الله بخبر ويقصد به تكليف خلقه به، والتكليف كما نعرف عرضة لأن يطاع، وعرضة لأن يعصى، فإذا قال الله سبحانه: { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً } فهذا معناه: يأيها المؤمنون، من دخل البيت الحرام فأمنوه.
وقيل: هو خبر بمعنى الأمر تقديره: ومن دخله فأمنُّوه، كقوله تعالى: {فلا رفثَ ولا فسوقَ ولا جدال في الحج}  (البقرة -197 ) أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا[11]
ونضرب المثل - ولله المثل الأعلى - تقول أنت لولدك: يا بني هذا بيت يفتح للضيوف من دخله يكرم.
أهذا يدل على إنجاز الإكرام لكل من دخل هذا البيت وحصوله له بالفعل، وأن هذا لا يتخلف أبدًا أم أنك قلت الخبر وتريد لولدك أن ينفذه؟
إن هذا خبر يحمل أمرًا لابنك هو ضرورة إكرام من يدخل هذا البيت، وتلك الوصية عرضة لتطاع، وعرضة لأن تخالف، لذلك فنحن نفهم من قول الحق: { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً } على أساس أنها أمر تكليفي، عرضة للطاعة وللعصيان.
ومثال آخر على ذلك هو قول الله تعالى: { الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ والخبيثون لِلْخَبِيثَاتِ والطيبات لِلطَّيِّبِينَ والطيبون لِلْطَّيِّبَاتِ أولئك مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } [ النور : 26 ]
بعض الناس يقول: نجد واقع الحياة غير ذلك، حيث نجد امرأة طيبة تقع في عصمة رجل غير طيب وتتزوجه. ونجد رجلاً طيبًا يقع مع امرأة غير طيبة ويتزوجها، فكيف يقول الله ذلك؟
ونحن نرد على أصحاب هذا القول: إن الله لم يقل ذلك تأريخًا للواقع، ولكنه أمر تكليفي، أَيْ افعلوا ذلك، وحكمي وتكليفي أن يكون الطيبات للطيبين والطيبون يكونون للطيبات، فإذا امتثل الخلق أمر الحق فعليهم أن يفعلوا ذلك، وإن لم يمتثل بعض الخلق لأمر الحق فإن الواقع ينبئ بوجود طيبين لغير طيبات أو العكس .
إذن فقول الحق : { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً } هو خبر يراد به أمر تكليفي، فمن أراد أن يكون صادقًا فيما كلفه الله به فليُؤَمن مَن دخل البيت الحرام" [12].
والسؤال الذي يطرح نفسه بعد هذا إن تخلى المسلمون عن مقدساتهم فهل يمكن أن يهدموا؟
والإجابة الصادمة للكثيرين كما يقول الدكتور راغب السرجاني وأنا أوافقه الرأي: إنه يمكن أن يُهدم فعلاً، بل إن هذا أمر وارد جدًّا! وليس هذا من قبيل التشاؤم والإحباط، ولكن من قبيل قراءة الأحداث واستقراء المستقبل، وكذلك لدراسة الوسائل التي تمنع من حدوث هذه الكارثة المهولة..
إننا لسنا في زمان أَبْرَهَةَ.. لقد هاجم الكعبة بجيشه؛ فأرسل الله U الطير الأبابيل لتحمي البيت الحرام، أما وضعنا بعد بعثة رسول الله r فمختلف؛ فالطير الأبابيل أو الجنود التي يُرسلها رب العالمين - أيًّا كانت هذه الجنود- لن تأتي إلا إذا قَدَّم المسلمون جهدًا وجهادًا، وبذلاً وعطاءً، ومالاً ونفسًا، وغاليًا ونفيسًا..
إن السُّنَّة الماضية الآن هي: {إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]، وبغير هذا الشرط لن تتحقق النتائج، وإن تقاعسنا عن نصرة دين الله {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد : 38] وهي سنة الاستبدال، وليس ذلك فحسب، بل فإن الكوارث ستحلُّ علينا من كل جانب، وعندها يمكن
1- أن يُهدم الأقصى.
2- ويمكن أن يُطْرَد المسلمون من القدس بكاملها.
3- ويمكن أن تُصبح القدس عاصمة للكيان الصهيوني.
4- ويمكن أن يطول الاحتلال ويستمر لمئات السنين حتى اللقاء الموعود قبل قيام الساعة[13]
إن تَقَاعُسَ المسلمين أدَّى إلى إصابتهم في سويداء قلوبهم، فدُمرت الكعبة، وسُرق الحجر الأسود، وعُطلت شريعة الحج عدة سنوات، وبعدها في أواخر القرن الخامس الهجري سقط الأقصى في براثن الصليبيين، وتحول إلى إسطبل للخيول، ثم إلى مخزن للغلال، وظل في هذا الأسر البغيض أكثر من تسعين سنة متصلة حتى حرره القائد صلاح الدين الأيوبي..
إذًا وارد جدًّا أن يُهدم الأقصى..
ولولا الجُبن الذي اشتهر به اليهود لكان هدمه قد حدث منذ عدة سنوات..
لذلك فليس الفلسطينيون وحدهم هم المعنيون بقضية الأقصى؛ فالأقصى، بل والقدس، بل وفلسطين بكاملها، إنما هي قيمة إسلامية عالية جدًّا، ولا بُدَّ أن يعلم المسلمون جميعًا أن المساس بهذه المقدسات هو مساس بكرامة الأمة الإسلامية كلها، وأن الله U سيسأل الأمة بكاملها رجالاً ونساءً، حكامًا ومحكومين، فلسطينيين وغير فلسطينيين، عربًا وعجمًا.. سيسألهم جميعًا عن هذه القضية المحورية في حياة الأمة سيسألهم عن...
1-  الدعم المالي حتى لا تهدم البيوت الحامية للأقصى من سكان المقدسيين المرابطبين.
2-  العمل على أسلمة المعركة مع الصهيونية وإحياء دور المسجد لتوحيد كلمة وصفوف المسلمين.
3-  نشر القضية وتبنيها والعمل على إزالة الشبهات والافتراءات والأكاذيب التي يختلقها العملاء والخونة ضد المقاومة المشروعة، وسرعة الرد عليها قبل أن تتحول إلى رأي عام كاذب.
4-  محاربة الترف والفساد والرذيلة وإحباط محاولة إغراق الأمة فيها.
5-  مقاطعة منتجات كل من يساند اليهود ويساعدهم.
6-  إحياء وتفعيل ثقافة المقاومة الإلكترونية، لبيان الوجه القبيح للكيان الصهيوني، وحق الأمة في مقدساتها الإسلامية خاصة الأقصى.
7-  عدم الانشغال بالتفاهات إذا اشتدت الأزمات أو تقديم النوافل على حساب الفرائض؛ فإن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة.
8-  دوام التضرع والابتهال إلى الواحد القهار، والدعاء والقنوت أن يعز الله الإسلام والمسلمين، وأن يحمي الأقصى من عدوان الظالمين، وأن يحفظ الأمة من كيد الخائنين، وأن يشفي فيهم صدور قوم مؤمنين.
9-  تثقيف الأجيال بالقضية وبيان الحق العربي والإسلامي والتزييف الصهيوني، ومثلنا اليوم كمثل المسلمين أيام الزنكيين والأيوبيين في القرن الثاني عشر الميلادي، حيث تم تحرير القدس بالتخطيط من خلال ثلاثة أجيال: جيل عماد الدين زنكي كان للتثقيف، وجيل نور الدين زنكي كان للإعداد، وجيل صلاح الدين الأيوبي كان للتحرير الذي أنجز عام 1187م.
10-الإيمان بسنة التغيير في الكون، وقانون الدفع الإلهي، والأخذ بأسباب النصر، استنادًا إلى قول الله تعالى:{ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}، {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض }،{فـلا تهـنوا وتدعـوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم}،{وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}.
                                      والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.


[1]أخرجه أحمد وأبو يعلى والبزار والحاكم وصححه من حديث ابن عمر وقال الألباني: ‏(‏حسن‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 3271 في صحيح الجامع
[2] قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " : إسناده حسن 4 / 339 : وصححه الحاكم.
[3]جامع الأحاديث لجلال الدين السيوطي ت:911، وكنز العمال في سنن الأقوال والأفعال
لعلاء الدين علي بن حسام الدين المتقي الهندي البرهان فوري ت: 975هـ
[4]دور المجتمع المدني الفلسطيني في حماية المقدسات، عدنان الصبّاح، رئيس مركز جنين للإعلام، دولة فلسطين بتصرف.

[5] د. محمد عمارة برنامج الشريعة والحياة بتصرف.
[6] عن أبى الدرداء مرفوعًا:" الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، (والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة) ". رواه الطبراني في الكبير وابن خزيمة في صحيحه ( ص 268 ) .
قال الألباني في "إرواء الغليل" 4/342 : لم أقف على سنده، لنرى رأينا فيه، و قد حسنه بعضهم، وقال البزار: " إسناده حسن " صحيح الجامع وما بين قوسين ضعيف عند الألباني انظر ضعيف الجامع رقم‏:‏ 3966‏.

[7] متفق عليه من حديث أبي هريرة وقال الألباني صحيح متواتر في الإرواء.
[8] "يلقب أمير هم بالمهدي، وهو أبو محمد عبيد الله بن ميمون القداح، وقد كان صباغًا بسلمية "إفريقية من أرض المغرب"، وكان يهوديًّا فادعى أنه أسلم ثم سافر من سلمية فدخل بلاد إفريقية، فادعى أنه شريف فاطمي، فصدقه على ذلك طائفة كثيرة من البربر وغيرهم من الجهلة، وصارت له دولة، فملك" ابن كثير البداية والنهاية
[9] البداية والنهاية لابن كثير: (11 / 183)، وتاريخ الإسلام للإمام الذهبي: (23 / 380)

[10] الإحكام لابن حزم فصل في كيفية ورود الأمر (3 / 297)
[11] تفسير البغوي (2 / 71).
[12] الكلمات النيرات في شرح الورقات الشيخ مشهور حسن حفظه الله  (2 / 15).
[13] عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (( لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ المُسْلِمُونَ اليَهُودَ ، حَتَّى يَخْتَبِئَ اليَهُودِيُّ مِنْ وَرَاء الحَجَرِ وَالشَّجَرِ . فَيَقُولُ الحَجَرُ وَالشَّجَرُ : يَا مُسْلِمُ هذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي تَعَالَ فَاقْتُلْهُ ؛ إلاَّ الغَرْقَدَ فإنَّهُ مِنْ شَجَرِ اليَهُودِ )) متفق عليه.
تأمل كلمة ( المسلمين ) يقتتل المسلمون واليهود فينتصر المسلمون عليهم نصرًا عزيزًا ، حتى إنَّ اليهودي يختبئ خلف الحجر والشجر، فينطق الحجر والشجر بأمر الله فيقولان: يا مسلم هذا يهودي تحتي فاقتله، أما إذا لم يكونوا مسلمين بحق، تحت راية الإسلام، فإنهم يوكلون إلى أنفسهم والغلبة إذًا لمن معه القوة والعتاد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق