الحمد لله الذي أضحكَ وأبكى، وأماتَ وأحيا، وخلق الزوجين الذكرَ والأنثى، الحمد لله الذي جعل الجنةَ للمتقين لهم مأوى، وجعل جهنمَ للكافرين لهم مثوى، والزقومَ لهم حلوى، فجدير بمن الموتُ مصرعُه والترابُ مضجعُه والدودُ أنيسُه ومنكرٌ ونكيرُ جليسُه، والقبرُ مقرُّه وبطنُ الأرضِ مستقرُّه والقيامةُ موعدُه والجنةُ والنارُ موردُه ألا يكونَ له فكرٌ إلا فيه ولا استعدادٌ إلا له يقول تعالى: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ}[ص: 67].
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ يحي ويميتُ وهو على كل شيءٍ قدير، وأشهد أن محمدًا خاتمُ النبيين وسيدُ المرسلين وإمامُ الخلقِ إلى يومِ يقومُ الناسُ لربِّ العالمين خاطبه ربه بالموت فقال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}[الزمر : 30]، وبالتالي فإِنْ مات سيدُ الخلقِ وحبيبُ الحقِ، فلن يخلدَ أحدٌ فيها حيث قال الله: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (ثم قال سبحانه) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}[الأنبياء: 34 ، 35].
فكل من دبَّ على هذه الأرضِ لا بدَّ أن يذوقَ هذه الجَرْعَةَ فمن أحسن (الطَّهْيَ) أي العملَ الصالحَ تذوقَ حلاوةَ الموتِ، وخرجت روحُه عند الوفاةِ كما تسيلُ القطرةُ من فِيِّ(فَمِ) السِقاءِ، فالتذوقُ عند الموتِ يختلفُ باختلافِ العملِ الذي يقدمُه.
إذن فما العملُ وما الحيلةُ حتى نجعلَ خيرَ أيامِنا في الدنيا يومَ أن نلقاه سبحانه؟
هذا ما قاله الفضيل بن عياض لرجل عندما سأله: "كم أتت عليك"(أي الدنيا) قال: ستون سنةً، قال: فأنت منذ ستين سنةً تسير إلى ربِّك يُوشِكُ أن تبلغَ، فقال الرجل: "إنا لله وإنا إليه راجعون" فقال الفضيل: أتعرف تفسيره؟ ما تقول إنا لله وإنا إليه راجعون، قال الرجل: فسرها لنا يا أبا علي، قال: فمن عرف أنه لله عبدٌ، وأنه إليه راجعٌ، فليعلمْ أنه موقوف، ومن علمَ أنه موقوفٌ فليعلم أنه مسئولٌ، ومن علم أنه مسئولٌ فليعدَّ للسؤالِ جوابًا، فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال الفضيل: يسيرة، قال: ما هي؟ قال الفضيل: تُحسنَ فيما بَقِيَ يُغْفَرُ لك ما مَضِيَ، فإنك إنْ أسَأْتَ فيما بَقِيَ أُخِذْتَ بما مضي وما بقي.(جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي1 / 383).
إذن النجاة في الإحسان، وهو بمعنى الاتقان وقد أمر الله به حيث قال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90].
1- وهو أن تحسنَ إلى والدَيْكَ قال الله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23 ، 24].
2- الإحسان في التحية ورد السلام يقول تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [النساء: 86] فإذا ابتسم لك وهو يسلم عليك، فابتسم له ابتسامة أحسن منها.
3- الإحسان في الكلام مع الزوجة والأبناء والجيران وأصدقاء العمل، فلا تخرج من فَمِكَ إلا طيبًا لا غِيبةَ ولا نميمةَ يقول تعالى:{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [الإسراء: 53].
4- الإحسان إلى الجار قال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َفيما أورده البخاريُّ في صحيحهِ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنّه قَالَ" وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ" (أذاه) قال شراح الحديث: فإيذاء الجار ليس من الإيمان، وأذى الجار سبب في دخول النار، فعن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله إن فلانة تكثر من صلاتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها؟ قال : هي في النار" رواه أحمد.
فبعد هذا الإحسانِ يكونُ الجزاءُ عند اللقاءِ الإحسانَ، فالجزاءُ من جنسِ العملِ يقول تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}[الرحمن : 60] ويقول أيضًا: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56].
نسأل الله أن يتقبلنا في عباده الصالحين وأن يصلحنا ويصلح أحوالنا إنه ولي ذلك والقادر عليه
وإن شاء دعا للميت.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق