رسالة

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علمًا نافعًا



الاثنين، 5 أبريل 2010

أنت صاحب رسالة


توطئة
الحمد للهِ الكريم المنان، ذيِ الطول والفضل والإحسان، الذي هدانا للإيمان، وفضل ديننا على سائر الأديان، ومنَّ عَلينا بإرسالهِ إلينا خيرَ خَلقهِ، مُحمَّد صلى الله عليه وسلم، فمحا به عبادة الأوثان، وأكرمه بالقُرآنِ، المُعجِزة المُستَمرة عَلى تَعاقبُ الأَزمَان، التي يَتَحَدَّ بها والإنسُ والجانُّ، وَيسَّرهُ حتى استظهره صَغائرُ الولدان.
أَحْمَدُهُ أَبْلغَ الحمد على ذلك، وغيره من نِعمهِ التي أَسْبَغَها علينا في كُل حينٍ وأوان، وأسألهُ المِنَّة أصحاب الرسالة بالرّضوان.
وأَشهد أنْ لا إله إلاَّ الله، شَهادة مُحصّلة للغُفْران، مُنقِذة صاحبها مِنَ النِّيران، مُوصلةً لَه إلى سُكنى الجِنان.
أمَّا بعد.. فإن مهمة الدعوة اليوم أخطر بكثير من مهمتها في الظروف السابقة، فلم تعد مجرد التذكير، بل أوشكت أن تكون إعادة البناء، الذي تهاوت أسسه وأوشكت أن تنهار، في الوقت الذى تداعت فيه الأمم على الأمة الإسلامية من كل جانب، كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور أعدائكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت"[1].
وكلنا ثقة أن البناء سيعود بإذن الله، وسيعود شامخًا كما كان، والمبشرات كلها تشير إلى جولة جديدة للإسلام، مُمَكنة في الأرض، على الرغم من كل الحرب التي يشنها أعداء الله في الأرض كلها على الإسلام، ولكنها مهمة شاقة في الغربة الثانية للإسلام: "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ"[2].
مهمة تحتاج إلى مسلم صاحب هم بالدعوة، وبصيرة نافذة، حركة دائبة، "إلى صاحب رسالة وجد نفسه محصورًا بين جدران، واكتشف سَلبًا يلفّه، فانتفض، ولم يؤمن بمفتاح بطيء، بل كسر القفل القديم ورماه، ثم خطا خطوات العزم والتصميم، فكانت نقلته قوية، لمعت ببريق الإرادة، حتى إنها كسرت العتبة، وخرج إلى سعة وضياء، وأفق رحيب، معه العلم والكتاب، يدير دولاب الحضارة, ومضى يحدوه منهجه الإلهي، يؤكد ذاته المتميزة، ويصنع الحياة"[3].
إن صاحب الرسالة عرف يقينًا أنه سيموت، ولكنه اختار كيف يموت، فهو يعلم أن الدنيا والآخرة بالنسبة له وحدة واحدة؛ لأن كلاهما خلق واحد للديان الذي لا يموت، فتعلقت روحه بالملأ الأعلى، وارتبطت حياته بالرسالة التي يحملها، فجعل صمته فكرًا ونظره عبرة ونطقه ذكرًا وسعيه دعوة ونومه غفوة وراحته عدة، فجميع حركاته وسكناته لله.
إلى هؤلاء إلى أصحاب الرسالة السامقين، أعظم ثلة ظهرت في دنيا الناس، الذين استطالت رءوسهم إلى السماء فلامستها، واقتربت السماء من رءوسهم فتوجتها، إلى كتائب الحق القابضة على الجمر، التي ستغير العالم بإيمانها، زاحمة جو السماء برايتها وهممها وشمائلها الغالية، إليهم في سموهم وثباتهم ويقينهم، فوق منصة الأستاذية يُلقى على البشرية أبلغ الدروس الباهرة، التي تبدو من فرط إعجازها كأنها الأساطير.                                                                                                                            
                                                                       الراجي عفو ربه
                                                                          محمد الباشا
                                                                          مايو 2009                                                                                                                                                                                                                         
صاحب الرسالة محفوظ بحفظ الرسالة
     من البديهي في عقيدة الإسلام أن الله ختم الشرائع كلها بشريعة الإسلام، وأنها الشريعة الخالدة إلى يوم القيامة، محفوظة بحفظ الله لها "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"[4].
وحفظ الله لها بحفظ القرآن والسنة المطهرة، لكونها الشارحة والمبينة والمؤسسة لكثير من الأحكام الشرعية:
"أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ "[5].
ولم يقتصر الحفظ على ذلك، فإن حفظ النصوص وحدها لا يكفي حتى يتمثلها رجال، وحتى يكون لها واقع في حياة الناس، لذا شمل الحفظ النموذجَ الذي يحيا بهذه النصوص، ويحيا الناس بها بعد ذلك:
"لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِي أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ "[6].
وبقدر فهم النصوص مع الهمة العالية الصادقة تكون الحياة بها، وبقدر الحياة بها وتطبيقها وتنفيذها يكون الإحياء والإخراج من الظلمات إلى النور.
نعم، فلا نبي بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن توجد نبوته، فالمنفي هو شخص النبي، أما النبوة فإنها لا زالت قائمة موجودة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من قرأ القرآن؛ فقد استدرج النبوة بين جنبيه ؛ غير أنه لا يوحى إليه "[7].
 وقد نسب النبي صلى الله عليه وسلم معنى البعثة إلى أصحابه حيث قال لهم في حديث الأعرابي، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قَامَ أَعْرَابِي فِي الْمَسْجِد فَبَال، فتناوله النَّاس، فَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: دَعوه وهريقوا عَلَى بَوْله سَجْلًا من مَاء، أَو ذَنُوبًا من مَاء، فإنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرين، وَلم تُبعَثوا معسرين"[8].
ولما بعث سعد بن أبي وقاص ربعيَّ بن عامر إلى رستم، قائد الفرس، دخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة، والزينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب.
ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه.
فقالوا له: ضع سلاحك.
فقال: إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت.
فقال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟
فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله.
قالوا: وما موعود الله ؟
قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي.
فقال رستم: قد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا ؟
قال نعم ! كم أحب إليكم ؟ يومًا أو يومين ؟
قال: لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا.
فقال: ما سنَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل.
فقال: أسيدهم أنت؟
قال: لا، ولكن المسلمين كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم.
فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال: هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل ؟
فقالوا: معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك إلى هذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه ؟
فقال: ويلكم لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل، ويصونون الأحساب.
ثم بعثوا يطلبون في اليوم الثاني رجلاً، فبعث إليهم حذيفة بن محصن، فتكلم نحو ما قال ربعي،وفي اليوم الثالث المغيرة بن شعبة، فتكلم بكلام حسن طويل.
قال فيه رستم للمغيرة: إنما مثلكم في دخولكم أرضنا كمثل الذباب رأى العسل.[9]

المعنى اللغوي
    أنت: ضمير بمعنى المضمر، وهو اصطلاح بصري، والكوفيون يسمونه كناية، لأنه ليس باسم صريح[10].
فأنت ضمير هذه الأمة، لترفعها إلى مكانها، والروح التي تسري فيها، والمضمر قد لا يعرف ولا يشار إليه، ولكن لا يستغنى عنه.
    صاحب: يقول الخليل بن أحمد في قاموس العين: كل شيء لاءم شيئًا فقد استصحبه، وفي القاموس الفقهي: صاحب بمعنى رافق ولازم.
والصاحب: الملازم سواء كان إنسانًا أو حيوانًا أو زمانًا أو مكانًا، والقائم على الشيء، فمن تقلد مذهبًا أو رأيًا يقال له صاحب مثل: أصحاب أبي حنيفة والشافعي.
ومنها الصاحبي كما في المصطلح[11].
    رسالة: أرسلت فلانًا في رسالة فهو مرسل ورسول، وسمي الرسول رسولاً؛ لأنه ذو رسالة، ومنها جاءت الإبل أرسالاً، إذا جاء منها رسل بعد رسل.
 فأنت لست صاحب مصلحة تنقضي وتنقطع، ولكن صاحب مهمة خالدة لا يفتر صاحبها، ولا ينقطع عن دعوته.


الإعداد قبل الإرشاد
إن الله لم يبعث نبيه صلى الله عليه وسلم في قريش حتى لبث فيهم عمرًا[12]، واشتهر بينهم بكرم صفاته وعلو مكانته، حتى لقب فيهم بالصادق الأمين قولاً وفعلاً.
وعند أول إعلان للدعوة، وفي أول تصريح له استخدم تاريخه وأخلاقه وصفاته فيهم، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) صَعِدَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَلَى الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنَادِى « يَا بَنِى فِهْرٍ ، يَا بَنِى عَدِىٍّ »، لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولاً لِيَنْظُرَ مَا هُوَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ فَقَالَ: « أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً بِالْوَادِى تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِىَّ »، قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلاَّ صِدْقًا، قَالَ:« فَإِنِّى نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ»[13]، وفي رواية قَالُوا:" مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا"[14].
لذلك حفظه الله، وضرب على أذنه لما أراد أن يحضر حفلاً في قريش، ويسمر مع الشباب، فعندما تتحرك نوازع النفس لاستطلاع بعض متع الدنيا، وعندما يرضى باتباع بعض التقاليد غير المحمودة، تتدخل العناية الربانية للحيلولة بينه وبينها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
 "ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمني برسالته، قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي الغنم بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب، فقال: أفعل، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفًا.
فقلت: ما هذا؟ فقالوا: عرس فلان بفلانة، فجلست أسمع، فضرب الله على أذني فنمت، فما أيقظني إلا حر الشمس. فعدت إلى صاحبي فسألني، فأخبرته، ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت بمكة فأصابني مثل أول ليلة ... ثم ما هممت بسوء"[15].

فالأخلاق ثابتة منذ بدايتها حقيقة لا تتغير بتغير الزمان والمكان ولا حتى الأشخاص، لذلك عندما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده ودخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: "زملوني زملوني"، فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر: " لقد خشيت على نفسي".
فقالت خديجة: "كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"[16].
وكان على دربه الصديق رفيق الغار، الذي ارتشف من رحيق أخلاقه، فقيل له مثل ما قيل لصاحب الرسالة الأول محمد صلى الله عليه وسلم، فعن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:
لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَىَّ قَطُّ، إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلاَّ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَرَفي النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ الْحَبَشَةِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ - وَهْوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ – فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي، فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الأَرْضِ فَأَعْبُدَ رَبِّى.
قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: إِنَّ مِثْلَكَ لاَ يَخْرُجُ وَلاَ يُخْرَجُ، فَإِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ، وَتَقْرِى الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، وَأَنَا لَكَ جَارٌ فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلاَدِكَ[17].
يقول الراشد:
إن لعملنا طبيعة فذة يهبها الإيمان له تجعل مجهودنا يستمد قابلية تأثيره من ميزات ثلاثة:
1-       قدرة الصلاح الحاسمة: كلما شاعت الأخلاق الإيمانية الفاضلة فينا، زادت نسبة صفاء القلب وكثر الاستغفار وتوالت التوبة، وكانت خطتنا أقرب إلى النصر، وكان أبو الدرداء يقول: "أيها الناس عمل صالح قبل الغزو فإنما تقاتلون بأعمالكم"، وكان الفضيل يقول للمجاهدين: "عليكم بالتوبة فإنها ترد عنكم ما لا ترده السيوف".
2-       انعكاس الاختيار الذاتي: فإننا نستطيع توجيه غيرنا متى نجحنا في توجيه أنفسنا.
3-       حركة أصداء الورع: فإن الداعية إذا ألزم نفسه بالورع كان لورعه أصداء يحدث تكررها تحريكًا للناس، يقول يحي بن معاذ: "على قدر شغلك بالله يشتغل في أمرك الخلق".                                                                                                           
فهذه الميزات الثلاثة تقترن بطابع مهم: (صمت المليء) فإذا امتلأ الفرد، سكت ونطق عنه حاله، ولم تكن به حاجة إلى دعاية لنفسه، فكذلك جماعة المؤمنين.[18]

وهذا علي بن أبي طالب الذي تربى في مهد الدعوة على يد معلمها الأول محمد صلى الله عليه وسلم، لم ينس أخلاقه التي تربى عليها في وقت شدة وقتال، مع أعدى أعداء الله عمرو بن عبد ود
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ لما دعا عمرو بن عبد ود العامري إلى المبارزة يوم الخندق، وَكَانَ قَدْ قَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ فَلَمْ يَشْهَدْ يَوْمَ أُحُد، فَلَمّا كَانَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ خَرَجَ مُعْلِمًا لِيُرَى مَكَانُهُ، وَنَادَى عَمْرٌو أَلَا رَجُلٌ يُؤَنّبُهُمْ وَيَقُولُ أَيْنَ جَنّتُكُمْ الّتِي تَزْعُمُونَ أَنّهُ مَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ دَخَلَهَا، أَفَلَا تُبْرِزُونَ لِي رَجُلًا فلم يجبه أحد، فقال علي رضي الله عنه: جعلت فداك يا رسول الله! أتأذن لي؟ فَقَالَ النبي: " اجْلِسْ إنّهُ عَمْرٌو "، ثُمّ نَادَى الثّالِثَةَ فَقَامَ عَلِيّ،
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَنَا لَهُ فَقَالَ: "إنّهُ عَمْرٌو"، فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ عَمْرًا، فَأَذِنَ لَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم، فَمَشَى إلَيْهِ عَلِيّ، حَتّى أَتَاهُ وَهُوَ يَقُولُ:
لَا تَعْجَلَنّ فَقَدْ أَتَا ........ ك مُجِيبُ صَوْتِك غَيْرَ عَاجِزْ
ذُو نِيّةٍ وَبَصِيرَةٍ ........ وَالصّدْقُ مُنْجِي كُلّ فَائِزْ
إنّي لَأَرْجُو أَنْ أُقِ ...... يمَ عَلَيْك نَائِحَةَ الْجَنَائِزْ
مِنْ ضَرْبَةٍ نَجْلَاءَ يَبْ ... قَى ذِكْرُهَا عِنْدَ الْهَزَاهِزْ
فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَلِيّ، قَالَ: ابْنُ عَبْدِ مَنَافٍ؟ قَالَ: أَنَا ابْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: غَيْرَك يَا ابْنَ أَخِي مِنْ أَعْمَامِك مَنْ هُوَ أَسَنّ مِنْك، فَإِنّي أَكْرَهُ أَنْ أُهْرِيقَ دَمَك، فَقَالَ لَهُ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: وَلَكِنّي وَاَللّهِ لَا أَكْرَهُ أَنْ أُهْرِيقَ دَمَك، فَغَضِبَ وَنَزَلَ فَسَلّ سَيْفَهُ كَأَنّهُ شُعْلَةُ نَارٍ، ثُمّ أَقْبَلَ نَحْوَ عَلِيّ مُغْضَبًا.
 وَقَوْلُ عَمْرٍو لِعَلِيّ وَاَللّهِ مَا أُحِبّ أَنْ أَقْتُلَك، زَادَ فِيهِ غَيْرُهُ فَإِنّ أَبَاك كَانَ لِي صَدِيقًا، قَالَ الزّبَيْرُ: كَانَ أَبُو طَالِبٍ يُنَادِمُ مُسَافِرَ بْنَ أَبِي عَمْرٍو، فَلَمّا هَلَكَ اتّخَذَ عَمْرَو بْنَ وُدّ نَدِيمًا، فَلِذَلِكَ قَالَ لِعَلِيّ حِينَ بَارَزَهُ مَا قَالَ.
وَذَكَرَ أَنّهُ كَانَ عَلَى فَرَسِهِ فَقَالَ لَهُ عَلِيّ: كَيْفَ أُقَاتِلُك وَأَنْتَ عَلَى فَرَسِك، وَلَكِنْ انْزِلْ مَعِي، فَنَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ ثُمّ أَقْبَلَ نَحْوَ عَلِيّ وَاسْتَقْبَلَهُ عَلِيّ  رَضِيَ اللّهُ عَنْه بِدَرَقَتِهِ فَضَرَبَهُ عَمْرٌو فِيهَا فَقَدّهَا وَأَثْبَتَ فِيهَا السّيْفَ وَأَصَابَ رَأْسَهُ فَشَجّهُ، وَضَرَبَهُ عَلِيّ عَلَى حَبْلِ الْعَاتِقِ فَسَقَطَ، وَسَمِعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ التّكْبِيرَ فَعَرَفَ أَنّ عَلِيّا  رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَدْ قَتَلَهُ.
"لذلك قال الله للمؤمنين "ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون".
يقول الشهيد سيد قطب: الصبر: على الشهوات، المصابرة: مفاعلة فكأنما هو رهان وسباق بينهم وبين أعدائهم، مقابلة الصبر بالصبر، والدفع بالدفع، والجهد بالجهد، والإصرار بالإصرار.
والمرابطة: الإقامة أي لا تستسلم للرقاد، والتقوى: تصاحب هذا كله فهي الحارس يحرسه أن يعتدي، أو أن يحيد عن الطريق، ثم يعلق بها عاقبة الشوط الطويل بالفلاح"[19].
و"لما أقبل علي رضي الله عنه بعد قتله قال له عمر بن الخطاب: هلا سلبته درعه، فإنه ليس في العرب درع خير منها؟ قال: "إني حين ضربته استقبلني بسوءته فاستحييت يا ابن عمي أن أسلبه"[20].
وكان عمره تسعين سنة وذكر ابن اسحاق إن المشركين بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترون جيفة عمرو بعشرة آلاف فقال رسول الله صاحب الأخلاق الأول: "هو لكم ولا نأكل ثمن الموتى"[21].
وإنما كره هذا لئلا ينسب إلى المسلمين ما لا يليق بمكارم الأخلاق، فقد كان عليه السلام يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق[22]"

مقام الرسالة غير من مقام الكرامة
يقول الله تعالى: "كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ"[23].
ومريم لقبت بالبتول: "والبَتُول من النساء: المنقطعة عن الرجال لا أَرَبَ لها فيهم، وفي التهذيب: لتركها التزويج، ويقال: هي المنقطعة إِلى الله عز وجل عن الدنيا"[24].
 أي: هي العابدة، خادمة الرب، حتى إذا بلغت مبلغ النساء انزوت إلى محرابها تتعبد لله، وكلما دخل عليها زكريا محرابها وجد عندها فاكهة وطعامًا، قال مجاهد: فاكهة الصيف في الشتاء والعكس " قال يا مريم أنى لك هذا" أي: من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه، والأبواب مغلقة عليك؟ " قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب" أي: بغير تقدير، أو بغير استحقاق تفضلاً منه، وقوله: "كلما" يقتضي التكرار.
وفيه إشارة إلى أن زكريا لم يَذَرْ تَعهُّدهَا، ولم يعتمد على ما كان يجد عندها، بل كان يتفقد حالها كل وقت، لأن الكرامات للأولياء ليس مما يجب أن تدوم قطعًا، بل يجوز أن يظهر ذلك عليهم دائمًا وألا يظهر، فما كان زكريا معتمدًا على ذلك، فيترك تفقد حالها، ثم كان يجدد السؤال بقوله: "يا مريم أنى لك هذا"، لجواز أن يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمس، قاله القشيري [25].
أما عندما جاءها جبريل وحملت الرسالة في رحمها، أمرها بأن تأخذ بالأسباب، رغم تعبها وجهدها ومخاضها قال تعالى: " وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا "[26]
أي حركي جذع النخلة اليابسة يساقط عليك الرطب الشهي، وإن لم يكن السبب غير معقول، لكن لابد العمل به يقول الشيخ الشعراوي:
"وكأن الحق تبارك وتعالى يريد أنْ يُظهِر لمريم آية أخرى من آياته، فأمرها أنْ تهزَّ جذع النخلة اليابس الذي لا يستطيع هَزَّه الرجل القويّ، فما بالها وهي الضعيفة التي تعاني ألم الولادة ومشاقها؟
كما أن الحق سبحانه قادر على أنْ يُنزِل لها طعامها دون جَهْد منها ودون هَزِّها، إنما أراد سبحانه أن يجمع لها بين شيئين: طلب الأسباب والاعتماد على المسبب، والأخذ بالأسباب في هَزِّ النخلة، رغم أنها متعبة قد أرهقها الحمل والولادة.
وجاء بها إلى النخلة لتستند إليها، وتتشبث بها في وحدتها، لنعلم أن الإنسان في سعيه مُطَالب بالأخذ بالأسباب مهما كان ضعيفًا.
لذلك أبقى لمريم اتخاذ الأسباب مع ضَعْفها وعدم قدرتها، ثم تعتمد على المسبِّب سبحانه الذي أنزل لها الرُّطَب مُسْتويًا ناضجًا، وهل استطاعت مريم أنْ تهزَّ الجذع الكبير اليابس؟
إنها مجرد إشارة إليه تدلُّ على امتثال الأمر، والله تعالى يتولى إنزال الطعام لها، وقد صَوَّر الشاعر هذا الموقف بقوله:
أَلَمْ تَرَ أنَّ الله قَالَ لمرْيَم ............ وَهُزِّي إليك الجذْعَ يَسَّاقَط الرُّطبْ
وَإنْ شَاءَ أعطَاهَا ومِنْ غير هَزَّة ... ولكن كُلّ شَيءٍ لَهُ سَبَبْ[27]

وفي العصر الحديث قال الأستاذ محمود عبد الحليم: مؤلف كتاب "أحداث صنعت التاريخ"
دخل علي الشيخ طنطاوي جوهري، وكان يلقب بحكيم الإسلام، وكان أستاذًا في كلية دار العلوم، صوامًا قوامًا له كتاب "الجواهر" في التفسير يربوا على ثلاثين جزءًا وأنا أكتب أرجوزة التصوف من كتاب لابن عجيبة للإمام حسن البنا فقال لي: ماذا تفعل؟ فأجبته، فقال لي: إنها أرجوزة جميلة في التصوف اقرأها عليَّ، فأخذت أقرأها.
فقال لي: ما هكذا يقرأ الشعر يا بني، قلت: هل لحنت في شيء مما قرأت؟ قال: لا، إنك لم تلحن، ولكن ما هكذا يقرأ.
قلت: فكيف يقرأ، قال: هل كانوا يقرءونه في سوق عكاظ كما تقرأه، قلت: إذن فكيف كانوا يقرءونه، فتناول الكتاب، وأخذ يقرأه بنغمة حلوة كأنه يغنيه، ثم قال: لا معنى للشعر إذا لم يقرأ بهذه الطريقة، لذا فإنهم كانوا ينشدون الشعر لا يقرءونه أليس الشعر موسيقى ؟
ثم قال لي عندما وصل في الأرجوزة إلى أبيات تتحدث عن الكشف والحجب قال: أنصت إليَّ يا محمود فأنصت إليه، فقال: إن الرجل ليأخذ نفسه بأساليب الرياضة النفسية فيرتقي من درجة إلى أخرى حتى يدرك أسمى درجات السمو، فيصل إلى درجة الكشف، حيث ينكشف له الكون، ويرى بنور الله ما ستره الله عن خلقه من الغيب، فهل هناك منزلة أعلى من هذه المنزلة ؟
قلت: لا أعتقد أن هناك منزلة أعلى من تلك.
قال: بل هناك منزلة أعلى من تلك، قلت تعجبًا: وما عساها تكون تلك المنزلة.
قال: هي منزلة رجال يصنعهم ربهم، ويختارهم من بين خلقه، ويكل إليهم مقارعة الفساد ومنازلة الظلم، وإشعال جذوة الإيمان بالله في القلوب، وبث روح الأخوة بين المؤمنين؛ حتى تتكون لدعوة الله قوة ترفع صوت الله في الأرض، فتقف للظلمة والمفسدين بالمرصاد، ثم قال الشيخ:
واعلم يا بني أن هذه المهمة التي يختار لها الله تعالى هؤلاء الرجال تقتضي أن يحجبهم عن غيبه، فهم دائمًا محجوبون، لكنهم مع الحجب أعلى درجة من أهل الكشف، لأن أهل الكشف لا ينتفع بهم الناس، أما هؤلاء فينتفع بهم خلق كثيرون، بل تنتفع بهم أمم ينقلونها من حال إلى حال.
واعلم يا بني أن من هذا النوع من الرجال الرسل، فموسى أعلى درجة من الخضر، وسليمان أعلى درجة من الذي عنده علم الكتاب، ومنهم كبار الصحابة من أمثال: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومنهم كبار المصلحين، ومنهم حسن البنا[28].       

إياك أن تكون صادًا عن سبيل الله
يقول الإمام ابن القيم:
         "علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس: هلمّوا، قالت أفعالهم:لا تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقًّا؛ كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلاء وفي الحقيقة قطّاع طرق"[29].
فهم يقطعون الطريق على الناس بأفعالهم المخالفة لأقوالهم، فأصبحوا بذلك منفرين، بل صادين مَنْ أراد أن يسلك الطريق لرب العالمين؛ لأنهم اتخذوا الدعوة وظيفة وحرفة، لا عقيدة ورسالة.
قال الشهيد سيد قطب في قول الله تعلى " أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ "[30].
"إن آفة رجال الدين - حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة - أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم؛ يأمرون بالخير ولا يفعلونه؛ ويدعون إلى البر ويهملونه؛ ويحرفون الكلم عن مواضعه؛ ويأولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى، ويجدون فتاوى وتأويلات قد تتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص، ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين، لتبرير أغراض وأهواء لمن يملكون المال أو السلطان! كما كان يفعل أحبار يهود!
والدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه، هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك لا في الدعاة وحدهم ولكن في الدعوات ذاتها، وهي التي تبلبل قلوب الناس وأفكارهم، لأنهم يسمعون قولاً جميلاً، ويشهدون فعلاً قبيحًا؛ فتتملكهم الحيرة بين القول والفعل؛ وتخبو في أرواحهم الشعلة التي توقدها العقيدة؛ وينطفئ في قلوبهم النور الذي يشع الإيمان، ولا يعودون يثقون في الدين بعد ما فقدوا ثقتهم برجال الدين.
إن الكلمة لتنبعث ميتة، وتصل هامدة، مهما تكن طنانة رنانة متحمسة، إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها. ولن يؤمن إنسان بما يقول حقًًا إلا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول، وتجسيمًا واقعيًا لما ينطق .... عندئذ يؤمن الناس، ويثق الناس، ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق .... إنها حينئذ تستمد قوتها من واقعها لا من رنينها؛ وتستمد جمالها من صدقها لا من بريقها .... إنها تستحيل يومئذ دفعة حياة، لأنها منبثقة من حياة.
والمطابقة بين القول والفعل، وبين العقيدة والسلوك، ليست مع هذا أمرًا هينًا، ولا طريقًا معبدًا، إنها في حاجة إلى رياضة وجهد ومحاولة، وإلى صلة بالله، واستمداد منه، واستعانة بهديه؛ فملابسات الحياة وضروراتها واضطراراتها كثيرًا ما تنأى بالفرد في واقعه عما يعتقده في ضميره، أو عما يدعو إليه غيره.
والفرد الفاني ما لم يتصل بالقوة الخالدة ضعيف مهما كانت قوته، لأن قوى الشر والطغيان والإغواء أكبر منه؛ وقد يغالبها مرة ومرة ومرة؛ ولكن لحظة ضعف تنتابه فيتخاذل ويتهاوى، ويخسر ماضيه وحاضره ومستقبله؛ فأما وهو يركن إلى قوة الأزل والأبد فهو قوي قوي، أقوى من كل قوي. قوي على شهوته وضعفه، قوي على ضروراته واضطراراته، قوي على ذوي القوة الذين يواجهونه"[31].

وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم من يخالف أمره للناس ما يفعله بالحمار، لأنه لا يعي خطورة ما يفعله ولا نتيجته، فعن أسامة بن زيد قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ يَا فُلَانُ مَا لَكَ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ فَيَقُولُ: بَلَى قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ"[32].

صاحب الرسالة ليس كغيره
إن صاحب الرسالة طلبه للعلم ليس كغيره، وأسلوب تربيته مختلف عن غيره، وفهمه للدعوة أدق من غيره، وهذه مجموعة من الأحاديث كلها تبدأ بسؤال واحد، وكيف يجيب النبي على السؤال بإجابات مناسبة للسائل، ولكنها مختصرة، بيد أن صاحب الرسالة يكون الأمر معه مختلفًا.
1- عن سهل بن سعد الساعدي قال: " أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل, فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله و أحبني الناس, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ازهد في الدنيا يحبك الله و ازهد فيما عند الناس يحبك الناس "[33].

2- عن المقدام بن شريح عن جده قال: " قلت: يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة، فقال: " إن من موجبات المغفرة بذل السلام و حسن الكلام "[34].

3- عن أبي برزة الأسلمي قال: قلت يا رسول الله: دلني على عمل أنتفع به قال: " اعزل الأذى عن طريق المسلمين".[35]

4- عن أم رافع رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله دلني على عمل يأجرني الله عز وجل عليه قال:
 "يا أم رافع، إذا قمت إلى الصلاة؛ فسبحي الله عشرًا، وهلِّليه عشرًا، واحمديه عشرًا، وكبريه عشرًا، واستغفريه عشرًا، فإنك إذا سبحت عشرًا قال: هذا لي، وإذا هللت قال: هذا لي، وإذا حمدت قال: هذا لي، وإذا كبرت قال: هذا لي، وإذا استغفرت قال: قد غفرت لك"[36].

5-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيَّانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا مَنْ خَيْرُ الرِّجَالِ يَا مُحَمَّدُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ"، وَقَالَ الْآخَرُ: إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيْنَا، فَبَابٌ نَتَمَسَّكُ بِهِ جَامِعٌ، قَالَ: "لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"[37].

6- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصِنِي، قَالَ: "لَا تَغْضَبْ" فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ: لَا تَغْضَبْ"[38].
وغير هذا كثير جدًا، ولولا الإطالة لحصرتها جميعًا، أما إذا كان السؤال ممن يعدون لحمل الرسالة ونشرها يكون الأمر مختلفًا، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنْ النَّارِ(نفس صيغة السؤال) قَالَ: "لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ:
 أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ، الصَّوْمُ جُنَّةٌ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ قَالَ ثُمَّ تَلَا
{ تَتَجَافي جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ حَتَّى بَلَغَ.. يَعْمَلُونَ }
ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ
 قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ
قَالَ: رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ، ثُمَّ قَالَ:
 أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ.
 فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ"[39].
وبالنظر إلى الحديث تجد أن معاذًا سأل نفس السؤال، لكن إجابة النبي كانت مختلفة.
أولاً: عظم له قدر السؤال ولم يعظمه لغيره، فقال: "لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ".
ثانيًا: أفاض النبي صلى الله عليه وسلم له في الإجابة، بأن عرض عليه أسئلة أخرى بإجاباتها لم يسألها معاذ.
ثالثًا: تعليمه فقه الأولويات، الفرائض، ثم ملحقاتها من النوافل، لأنها من جنسها، لتزكو نفسه، ثم أخلاقه التي يحيا بها في الناس.   
رابعًا: زجره زجرة عنيفة عندما قال: "وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ"، لأن مثل معاذ ينبغي ألا يفهم مثل هذا الفهم، ولا يسأل مثل هذا السؤال، لأنه سيخص بعلم دون غيره، لتبليغه للخاصة دون العامة.
فعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ: "يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: يَا مُعَاذُ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا، قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا، قَالَ: إِذًا يَتَّكِلُوا، وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا"[40]
قال ابن حجر:
 "معنى التأثم: التحرج من الوقوع في الإثم، وهو كالتحنث، وإنما خشي معاذ من الإثم المرتب على كتمان العلم، وكأنه فهم من منع النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبر بها اخبارًا عامًا، لقوله "أفلا أبشر الناس"، فأخذ هو أولاً بعموم المنع، فلم يخبر بها أحدًا، ثم ظهر له أن المنع إنما هو من الأخبار عمومًا، فبادر قبل موته، فأخبر بها خاصة من الناس، فجمع بين الحكمين، ويقوى ذلك أن المنع لو كان على عمومه في الأشخاص لما أخبر هو بذلك، وأخذ منه أن من كان في مثل مقامه في الفهم أنه لم يمنع من إخباره "[41]
صفات صاحب الرسالة
1- أن يكون مهمومًا بدعوته
"الهِمَّة بالكسر: ما هم به من أمر ليفعل، والعزم القوي، والجمع: هِمَم"[42].
"والهَمُّ: الحُزنُ، والجمع الهُمومُ. وأهَمَّني الأمرُ، إذا أقلقك وحزَنك. ويقال: هَمُّكَ ما أهَمَّكَ.
والمُهِمُّ: الأمر الشديد، وهَمَمْتُ بالشيء أهُمُّ هَمًّا، إذا أردته، والهُمامُ: الملك العظيم الهِمَّةِ"[43].
والهمة: توجه القلب وقصده بجميع قواه الروحانية إلى جانب الحق لحصول الكمال له أو لغيره[44].

والهمة رزق من الله، والله يرزق من يشاء ويقدر، فمن الناس من يحمل هم الطين(الدنيا)، ويتكاسل عن الدين، ومن الناس من يحمل هم أسرته، ويغفل عن أمته.
يقول عبد القادر الجيلاني لغلامه:
" لا يكن همك ما تأكل وما تشرب وما تلبس وما تنكح وما تسكن وما تجمع، هذا هم النفس فأين هم القلب، همك ما أهمك، فليكن همك ربك وما عنده"[45].
وإن من أعظم ما يهتم به صاحب الرسالة هداية الناس، والنصح لهم، وإذا تأملت قوائم عظماء الإسلام من الرعيل الأول فمن بعدهم، لرأيت هَمَّ الدعوة هو القاسم المشترك بينهم، اعتزوا بالإسلام، واعتز بهم الإسلام، وأوقفوا حياتهم لحراسة الملة، وخدمة الأمة، يسهرون حيث ينام الناس، ويتعبون حيث الناس يستريحون.
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَهُوَ قَاعِدٌ قَالَتْ: "نَعَمْ بَعْدَ مَا حَطَمَهُ النَّاسُ".
قَوْلهَا: "قَعَدَ بَعْد مَا حَطَمَهُ النَّاس" قَالَ الرَّاوِي: فِي تَفْسِيره يُقَال: حَطَمَ فُلَانًا أَهْله إِذَا كَبُرَ فِيهِمْ, كَأَنَّهُ لِمَا حَمَلَهُ مِنْ أُمُورهمْ وَأَثْقَالهمْ وَالِاعْتِنَاء بِمَصَالِحِهِمْ صَيَّرُوهُ شَيْخًا مَحْطُومًا, وَالْحَطْم الشَّيْء الْيَابِس[46].
"فالداعية يفتش عن الناس، ويبحث عنهم، ويسأل عن أخبارهم، ويرحل للقائهم، ويزورهم في مجالسهم ومنتدياتهم، ومن انتظر مجيء الناس إليه في مسجده أو بيته، فإن الأيام تبقيه وحيدًا ويتعلم فن التثاؤب"[47].
يقول عبد القادر الجيلاني: "الحركة بداية والسكون نهاية"[48].
2- يقدمها في اختياراته
إن صاحب الرسالة حين يخير بين رسالته وبين دنياه وحياته لا يتأخر في تقديمها وبذلها في سبيل رب العالمين وفي حادثة الرجيع يظهر هذا الأمر جليًّا عندما قدم نفر من عضل والقارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: "إن فينا مسلمين، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، حتى نزلوا بالرجيع استصرخوا عليهم هذيلاً، فلم يرع القوم إلا والقوم مصلتون عليهم بالسيوف، وهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم فقالت هذيل: إنا لا نريد قتالكم، فأعطوهم عهدًا وميثاقًا لا يريبونهم، فاستسلم لهم خبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق، ولم يستسلم عاصم بن ثابت، ولا خالد بن البكير، ولا مرثد بن أبي مرثد، ولكن قاتلوهم حتى قتلوا، وخرجت هذيل بالثلاثة الذين استسلموا لهم حتى إذا كانوا بمر الظهران نزع عبد الله بن طارق يده من قرانه ثم أخذ سيفًا، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، وقدموا بخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة مكة، فأما خبيب فابتاعه آل حجير بن أبي إهاب ، فقتلوه بالحارث بن عامر"[49].
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وأما زَيْدُ بْنُ الدّثِنّة ابْتَاعَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَبَعَثَ بِهِ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ مَعَ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ نِسْطَاسُ إلَى التّنْعِيمِ، وَأَخْرَجُوهُ مِنْ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ، وَاجْتَمَعَ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ قَدِمَ لِيُقْتَلَ: أَنْشُدُك اللّهَ يَا زَيْدُ أَتُحِبّ أَنّ مُحَمّدًا عِنْدَنَا الْآنَ فِي مَكَانِك نَضْرِبُ عُنُقَهُ وَأَنّك فِي أَهْلِك ؟
قَالَ: وَاَللّهِ مَا أُحِبّ أَنّ مُحَمّدًا الْآنَ فِي مَكَانِهِ الّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ وَأَنّي جَالِسٌ فِي أَهْلِي.
قَالَ: يَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْت مِنْ النّاسِ أَحَدًا يُحِبّ أَحَدًا كَحُبّ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ مُحَمّدًا؛ ثُمّ قَتَلَهُ نِسْطَاسُ [50].
والاختيار هو هو عندما يساوم صاحب الرسالة على الدين أو أن يحيد عنه مقابل ملكًا أو زيجة أو حتى قتلاً بأبشع الوسائل، فعن أبي رافع قال:
وجه عمر جيشًا إلى الروم، فأسروا عبد الله بن حذافة فذهبوا به إلى ملكهم فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد فقال: هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف ملكي؟
قال: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ملك العرب ما رجعت عن دين محمد طرفة عين.
قال: إذن أقتلك، فأمر به فصلب وقال للرماة: ارموه قريبًا من بدنه، وهو يعرض عليه ويأبي، فأنزله ودعا بقدر فصب فيها ماء حتى احترقت.
ودعا برجل من أسارى المسلمين، فعرض عليه النصرانية فأبي، فألقاه فيها، فإذا عظامه تلوح.
فقال لعبد الله: تنصر وإلا ألقيتك فيها،
قال: لا أفعل، فقرب إليها فبكى، فقالوا: جزع.
فقال: ما بكيت جزعًا مما يصنع بي، ولكني بكيت حيث ليس لي إلا نفس واحدة يفعل بها هذا في الله؟ كنت أحب أن يكون لي من الأنفس عدد كل شعرة في، ثم يفعل بي هذا فأعجب به، وأحب أن يطلقه.
قال: تنصر وأزوجك ابنتي، وأقاسمك ملكي.
قال: ما أفعل.
قال: قبل رأسي وأطلقك، وأطلق معك ثمانين أسيرًا من المسلمين.
قال: أما هذه فنعم، فقبل رأسه وأطلقه، وأطلق معه ثمانين أسيرًا من المسلمين، فلما قدموا على عمر قام إليه فقبل رأسه، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: قبلت رأس الطاغية.
فقال: أطلق الله بتلك القبلة ثمانين رجلاً من المسلمين[51].
وعندما يكون الاختيار بين الدين والمال، بل بكل ما تملك يكون الدين، ويكون البيع بذلك رابحًا، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ جئتنا صعلوكاً لا مال لك فلما أثريت بالمال تخرج وتهاجر، والله لا يكون ذلك أبداً، قَالَ:
 أَقْبَلَ صُهَيْبٌ, رَضِيَ الله عَنْهُ مُهَاجِرًا إِلَى مَدِينَةِ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم فَاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، "وفي رواية قالوا: جئتنا صعلوكاً لا مال لك فلما أثريت بالمال تخرج وتهاجر، والله لا يكون ذلك أبداً" فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ وَانْتَثَلَ مَا فِي كِنَانَتِه، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْمَاكَمْ رَجُلاً وَايْمُ الله لاَ تُصَلُّونَ حَتَّى أَرْمِي بِكُلِّ سَهْمٍ مَعِي فِي كِنَانَتِي ثُمَّ أَضْرِبُ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِي مِنْهُ شَيْءٌ، ثُمَّ افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى مَالِي وَقَيْنَتِي بِمَكَّةَ وَخَلَّيْتُمْ سَبِيلِي، قَالُوا: نَعَمْ ، فَفَعَلَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم الْمَدِينَةَ، قَالَ: رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى، رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى، قَالَ: وَنَزَلَتْ : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الله وَالله رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ}[52].
3- يعمل لها على مسار حياته
إن صاحب الرسالة ليس له حقل واحد لا يعمل إلا فيه، بل حقول متعددة، وميادين مختلفة، ومنابر شتى، فالدعوة لا يحدها حد، ولا يحصرها حصر، ولا يقيدها قيد، بل إن الدعوة تجري في دمه، يقولها كلمة، ويصوغها عبارة، وينشدها قصيدة، ويدبجها خطبة، وينقلها فكرة، ويؤلفها كتابًا، ويلقيها محاضرة.
إنها قد تكون مع النفس محاسبة ومراقبة، وتكون مع الأم برًّا وحنانًا، ومع الأب شفقةً ورحمةً، ومع الابن تربية وأدبًا، ومع الجار صلة وإحسانًا، ومع المسلم مصافاة ومودة، ومع الكافر دعوةً وحوارًا.
فهذا إبراهيم الخليل يتلطف بأبيه "يَا أَبَتِ"، وهذا نوح ينوح على ابنه "يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا" وهذا مؤمن آل فرعون يعطف على قومه: "يَا قَوْمِ" وهذا مؤمن آل ياسين ينادي وهو في الجنة: "يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ".
إن الدعوة رفيق لازم، وواجب دائم، فهي معك في السيارة، وفي الطائرة، وفي السفينة، وفي النادي، وفي الجامعة، والمزرعة، والمتجر.
قد تدعو بسيرتك أكثر من كلامك، وتدعو بصفاتك أعظم من خطبك، وتدعو بخلقك أحسن من محاضرتك.
ليس للداعية وقوف، سُجِن يوسف فدعا في السجن، وطرد نوح فدعا في السفينة، وحوصر محمد فدعا في الشِّعْب، وطوق فدعا في الغار، وطرد فأنشأ دولة.
قيل لشيخ الإسلام ابن تيمية: قد أمر السلطان بنفيك إلى قبرص، أو قتلك وسجنك فقال: والله إن بي من الفرح والسرور ما لو قسم على أهل الشام لوسعهم، والله إني كالغنمة ما تنام إلا على صوف، إن نفيت إلى قبرص دعوت أهلها إلى الإسلام، وإن سجنت خلوت بعبادة ربي، وإن قتلت فأنا شهيد.

ليس من المهم لصاحب الرسالة أن يكون له جمهور حاشد، أو حفل بهيج، أو مستمعون كثر، المهم أن يقول الحق، وأن يأمر بالمعروف، وأن ينهى عن المنكر في أي مكان حل فيه، وأن يحمل الميثاق بأمانة، ويبلغ الشريعة بصدق، قال تعالى: "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ"[53].
شروط صاحب الرسالة
1- الإخلاص
إن الإخلاص في العمل هو أساس النجاح فيه، لذا فإن على صاحب الرسالة الإخلاص في دعوته، وأن يقصد ربه في عمله، وألا يتطلع إلى مكاسب دنيوية زائلة أو حطام فانٍ، و يظل لسان حاله يقول: "وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ"[54]،  يريد بعمله وجه الواحد الأحد.فالإخلاص هو الفرقان  في القول والعمل والقصد، وإن أحبطت كثير من الدعوات فلفساد مقاصدها ولسوء نواياها.
قال سبحانه:
"فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا"[55].
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"[56] .
وصح أيضاً من قوله صلى الله عليه وسلم: "من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به"[57]  .
وصح أيضًا من قوله صلى الله عليه وسلم: "أن أول ما تسعر النار ثلاثة:
 فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ: ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ"[58].
وعلاج ذلك يكون بسؤال الله دائمًا الإخلاص، والتعوذ من الرياء، فإذا شككت في أمر هل تفعله لله أو للناس؟
فاسأل نفسك هل تعمله لو كنت وحدك
؟.... إن كنت تفعل ذلك فما عليك، وإلا فالحذر الحذر.
2- أن يكون على بصيرة
أن يكون على بينة في دعوته، أي على علم، لا يكن جاهلاً بما يدعو إليه: "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ"[59].
 فلا بد من العلم، فالعلم فريضة، فإياك أن تدعو على جهالة، وإياك أن تتكلم فيما لا تعلم، فالجاهل يهدم ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، وإياك أن تقول على الله بغير علم، فلا بد من بصيرة وهي العلم، تبصره فيما يدعو إليه، وأن ينظر فيما يدعو إليه ودليله، فإن ظهر له الحق وعرفه دعا إلى ذلك.
3- أن يتمثل القدوة في نفسه
على صاحب الرسالة أن يتمثل القدوة في نفسه، وأن يسدد ويقارب، وأن يعلم أن خطأه يتضخم!
 فالخطأ منه كبير! وإن الناس ينظرون إليه:
قال الله تعالى في ذم من يخالف قوله فعله:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ،كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ"[60].
وحكي عن شعيب عليه السلام أنه قال لقومه:
"قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ"[61].
فهو أمامهم كالمرآة، كلما وقع فيها نقطة سوداء صغيرة كبرت وتضخمت، فليتق الله في هذه الأمة، حتى لا يكون سببًا لهلاك كثير من الناس، قال بعض الفضلاء: زلة العالم هلاك العَالمَ!
4- الصبر وعدم اليأس
يجب على صاحب الرسالة أن يصبر على العصاة، فهو يبغض المعصية ولا يبغض العصاة، فقد أتي الرسول صلى الله عليه وسلم برجل شرب الخمر وهو من الصحابة، فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ:
اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ"[62]
  وفي رواية قال بعض الصحابة: أخزاه الله، ما أكثر ما يؤتي به الخمر! فغضب صلى الله عليه وسلم وقال للرجل:
"لا تقل ذلك، لا تعن الشيطان عليه، والذي نفسي بيده ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله".
فما أحسن الحكمة، وما أعظم التوجيه!!
 فكسب القلوب خير من كسب المواقف.
لذلك لا تيأس من الناس مهما بدرت منهم المعاصي والمخالفات،
واعتبر أنهم أمل هذه الأمة، وأنهم في يوم من الأيام سوف تفتح لهم أبواب التوبة، وسوف تراهم صادقين، مخلصين، تائبين متوضئين.
عليه أن يصبر ويثابر، ويسأل الله لهم في السجود، ولا يستعجل عليهم، فإن رسولنا صلى الله عليه وسلم مكث في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى لا إله إلا الله، فلم ييأس، مع كثرة الإيذاء ومع كثرة السب
، ومع ذلك صبر، وحبس أعصابه، حتى أتاه ملك الجبال! فقال:
"إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ"؟، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا"[63] .
فنحن لا نملك سوطًا ولا عصىً، إنما نملك حبًا وبسمة، نقود الناس بها إلى جنة عرضها السموات والأرض.
       قال علي رضي الله عنه وأرضاه: "إن الفقيه حق الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله"[64].
5- أن يكون هدفه واضحًا
من أهم مفاتيح النجاح في الدعوة هو تحديد الهدف، فالإيمان بالهدف وقيمته وأهميته وأولويته على غيره يضيف للحياة جديدًا وعلى قدر إيمانك بأهمية هدفك وضرورته يكون مقدار إنجازك ودأبك وسعيك وتجنيد جميع طاقاتك للوصول إليه .
وليكن شعارك " الكون منظم فلا مكان فيه للفوضى"
فإقامة الدين، ونشر الخير، وهيمنة الصلاح، وإنهاء أو تقليص الفساد في العالم، لهي من أهداف صاحب الرسالة، فهي رسالة واضحة في عقله وقلبه، وفي قلوب السائرين على دربه. 
فمن أهم مفاتيح النجاح هو تحديد الهدف
  6- أن يكون رفيقًا
 ينبغي  أن يكون حليمًا في دعوته، رفيقًا فيها، كما فعل الرسل عليهم الصلاة والسلام، وإياك والعجلة، إياك والعنف والشدة، عليك بالرفق والحكمة والموعظة قال جل وعلا:
 "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"[66].
 وقوله سبحانه: " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ"[67]. وقوله جل وعلا في قصة موسى وهارون:"فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى"[68].
وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم:" اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه"[69].
فلا تشق على الناس، ولا تنفرهم من الدين، عليك أن تكون حليمًا ودودًا، طيب الكلام حتى تؤثر في قلب  الناس، ويأنس ويلين ويتأثر ويثني ويشكركل من دعوته.
                                                                    والله من وراء القصد
                                                                      وهو يهدي السبيل                                                                                                   


[1] أخرجه أحمد وأبو داود
[2] أخرجه مسلم.
[3] مقدمة صناعة الحياة للراشد.
[4] الحجر(9).
[5] أخرجه أحمد ، وأبو داود ، والطبراني عن المقدام بن معديكرب وقال الألباني:"صحيح" سنن ابن ماجه.
[6] أخرجه مسلم من حديث ثوبان بهذا اللفظ، والبخاري وأحمد وأبي داود وابن ماجه بلفظ آخر. 
[7] أخرجه الحاكم، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي وصححه، وعنه البيهقي في "الأسماء" وفي "الشعب"
 قال: يحتمل أن يكون معناه جمع في صدره ما أنزل على النبي غير أنه لا يوحى إليه، فيدعى إليه نبيًّا. "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة" الموضوعة لأبي الحسن علي بن محمد بن عرّاق الكناني.
[8] أخرجه البخاري في باب: صب الماء على البول في المسجد.
[9]  "تاريخ الأمم والملوك" لمحمد بن جرير الطبري، و"البداية والنهاية" لابن كثير، و"التاريخ" لابن خلدون.
[10]  القاعدة النحوية تقول: إنه متى أمكن اتصال الضمير لا يجوز العدول عنه إلى الضمير المنفصل، لأن الضمير وضع على الاختصار، والضمير المتصل أخص من المنفصل نحو: قمت، فلا يقال: قمت أنا، ويجب فصل الضمير في حالات منها: وقوعه مبتدأ مثل: أنت صاحب رسالة "دراسات في بعض أبواب النحو د. السيد أحمد صقر بدار العلوم.
[11]  الصحابي: كل مسلم لاقى النبي بعد بعثته حال حياته ومات على الإسلام.
والتعريف يحتوي على عدة نقاط
1-        أن يكون مسلمًا فلا يعتد بلقاء الكافر مثل: أبو لهب وأبو جهل.
2-        إذا أسلم ولم يتم اللقاء لا يكون صحابيًا مثل: أصحمة ملك الحبشة، وأبو مسلم الخولاني.
3-        أن يكون اللقاء بعد البعثة.
4-        أن يموت على الإسلام، فلو ارتد قبل موته لا يعتد مثل: عبيد الله بن جحش، أما من رجع إلى الإسلام، كالأشعث بن قيس، فمختلف فيه، قال أبو حنيفة والشافعي: الردة محبطة للعمل، انظر " تدريب الراوي للسيوطي".  
[12]   يونس (16) "فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ".
[13]  أخرجه البخاري في باب: وأنذر عشيرتك الأقربين.
[14]  أخرجه مسلم في باب: وأنذر عشيرتك الأقربين أيضًا.
[15]  "تاريخ الأمم والملوك" لمحمد بن جرير الطبري، و"الرحيق المختوم" لصفي الرحمن المباركفوري.
[16]  أخرجه البخاري في باب كيف كان بدء الوحي.
[17]  أخرجه البخاري في باب: جِوَارِ أَبِى بَكْرٍ في عَهْدِ النَّبِىِّ.
[18]  المسار لمحمد أحمد الراشد.
[19] الظلال تفسير الآية بتصرف.
[20] رواه البيهقي في دلائل النبوة (1320)، وانظر: علي بن برهان الدين الحلبي: السيرة الحلبية
[21]  محمد رسول الله ج 1 ص 355، وعلي بن برهان الدين الحلبي: السيرة الحلبية، والحديث رواه مالك وأحمد والبيهقي، عن أبي هريرة.
[22]  الأخلاق النبوية في الصراعات السياسية والعسكرية ج 1 ص 49
[23]  سورة آل عمران(37).
[24]  لسان العرب لابن منظور في مادة: بتل.
[25]  تفسير ابن كثير، وابن عجيبة بتصرف.
[26]  سورة مريم (25).
[27]  تفسير "الشعراوي" في سورة مريم.
[28]  "أحداث صنعت التاريخ" ص183 الجزء الأول، الفصل الرابع، الفتنة الأولى، لمحمود عبد الحليم.
[29]  "الفوائد" لابن القيم، ص84.
[30]  البقرة(44).
[31]  "الظلال" للشهيد سيد قطب، ج1
[32]  أخرجه الإمام مسلم في بَاب: عُقُوبَةِ مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَفْعَلُهُ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَيَفْعَلُهُ.
[33]  أخرجه ابن ماجه، وأبو نعيم في " الحلية "، والحاكم في "المستدرك"، والألباني في "السلسلة الصحيحة"( 2 / 661).
[34]  رواه الخرائطي في "مكارم الأخلاق، وابن أبي شيبة، والطبراني، والبيهقي، والألباني في " السلسلة الصحيحة "( 3 / 29).
[35]  رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وقال الألباني صحيح، في الصحيحة ( 2372 ).
[36]  أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة"، ومن طريقه الديلمي، والحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار"، وقال الحافظ: "هذا حديث حسن، وقال الألباني صحيح في السلسلة برقم(3338).
[37]  رواه أحمد في "المسند" بلفظه، والترمذي وابن ماجه والبيهقي بنحوه، وصححه الألباني في "السلسلة".
[38]  صحيح البخاري في باب: الحذر من الغضب.
[39]  رواه الترمذي وابن ماجه، وقال الألباني في صحيح الترمذي وابن ماجه: صحيح.
[40]  رواه البخاري في بَاب: مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا.
[41]  فتح الباري لابن حجر العسقلاني في شرح الحديث.
[42]  "المعجم الوجيز".
[43] "الصحاح" للجوهري.
[44] "التعريفات" للجرجاني ص320.
[45]  مدارج السالكين لابن القيم ج2ص26.
[46]  "صحيح مسلم" بشرح النووي.
[47]  "المنطلق" للراشد ص127.
[48]  "علو الهمة" لمحمد إسماعيل المقدم.
[49]  "دلائل النبوة" للبيهقي.
[50]  "الروض الأنف" للسهيلي.
[51] "سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعادمحمد بن يوسف الصالحي الشامي، وسير أعلام النبلاء وطبقات ابن سعد بنحوه.
[52]  "إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة" لأحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري.
[53]  آل عمران (178).
[54]  الشعراء 109.
[55]  الكهف 110.
[56]  متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب.
[57]  متفق عليه من حديث جندب بن عبد الله.
[58]  أخرجه مسلم في بَاب مَنْ قَاتَلَ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ اسْتَحَقَّ النَّارَ.
[59]  يوسف 108.
[60]  الصف2،3.
[61]  هود 88.
[62]  أخرجه البخاري في بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ لَعْنِ شَارِبِ الْخَمْرِ وَإِنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْ الْمِلَّةِ.
[63]  متفق عليه من حديث عائشة.
[64]  أخرجه الدارمي في سننه موقوفًا.
[65]  هود 88.
[66] النحل 125.
[67]  آل عمران 159.
[68]  طه 44.
[69]  أخرجه مسلم في الصحيح

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق