صلاحية الشريعة وحفظها
الحمد لله رعيت من استرعاك، وحميت من لجا بحماك، لا معين غيرك، ولا ناصر سواك،
أنت البارئ والطبيب، وأنت المعاقب والمثيب، وأنت الحارس والرقيب، وأنت على كل شيء حسيب.
سبحانك لا قوة على طاعتك إلا بإعانتك، ولا تحول عن معصيتك إلا بمشيئتك،
تهدي من تشاء وتعصم وتعافي فضلا، وتضل من تشاء وتخذل وتبتلي عدلا، وكلنا يتقلب في مشيئته بين فضله وعدله،
الوجود وجوده، والملوك عبيده، نستعينه ونستهديه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوب إليه، ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله،
هو المتعالي عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره،
خالق بلا حاجة، رازق بلا مـئونة، مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة،
قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد،
لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفـهام، ولا يُشبه الآنام، حي لا يموت، قيوم لا ينام، آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلاً من عنده
ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير،
وأشهد أن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وأنه خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وحبيب المتقين، وإمام الخلق إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين.
طاعة الله في شرعه ضرورة إيمانية
روى البخاري رحمه الله في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة،قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين".
فصارت هذه الشريعة هي أكمل الشرائع قاطبة من وجوه كثيرة ومتعددة، فما تركت شاردةً ولا واردةً إلا ولها فيها حكمٌ؛ إما نصاً أما استنباطاً، قال تعالى في الآية الثالثة من سورة المائدة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة : 3]
وإننا لنعلم بالضرورة، أنه لا يجوز للناس أن يتخذوا غير الله ربًَا، وكذلك لا يجوز أن يتخذوا غير الله حكمًا قال تعالى: { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]
{ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام : 114 ، 115].
{ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) } [الشورى : 10]
{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13)} [الشورى : 13]
{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18)} [الجاثية : 18]
والشريعة هي كل ما شرع الله من نظم وأحكام تنظم حياة الإنسان، والمسلم مأمور بأن يأخذ بشريعة الله في حياته، ويطبقها دون جدال، بل يذعن لأمره، والناس حيال شرعه إما مطيعًا يستحق لقب الإيمان، وإما معرضًا ما لم يكن الحق له، فيستحق نفي الإيمان عنه إما نفاقًا وإما كفرًا قال تعالى في سورة النور: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) }.
أما حال المؤمنين فقولهم: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور : 46 - 52]
وقال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينًا} [الأحزاب: 36].
عموم الشريعة تستلزم
1- صلاحها (لكل زمان ومكان)
2- حفظها
والشريعة الإسلامية جعلها الله للأمة عامة، لذلك لم يضمن الله عز وجل للشرائع السابقة البقاء والخلود، في حين ضمن ذلك لشريعة الإسلام،
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [الأنبياء : 107].
قال ابن كثير في تفسيره:
يخبر تعالى أن الله جَعَل محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، أي: أرسله رحمة لهم كلّهم، فمن قَبِل هذه الرحمةَ وشكَر هذه النعمةَ، سَعد في الدنيا والآخرة، ومن رَدّها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ (6) الْقَرَارُ } [إبراهيم : 28، 29].
وقال مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين، قال: "إني لم أبعَثْ لَعَّانًا، وإنما بُعثْتُ رحمة"
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعدد خصائص رسالته وفضلها: "أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي،... وفيه: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبُعِثتُ إلى الناسِ كافة" البخاري.
وقال الله تعالى لأتباع الرسول الخاتم الذين يحملون منهجه ويؤدون رسالته: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران : 110]
وتدبر لفظ للناس أي: لكل الناس لليهودي والمسيحي والهندوس والمجوسي، للعربي والأعجمي، للأبيض والأحمر والأسود.
ومقتضى هذا العموم
1- أن تكون هذه الرسالة وهذه الشريعة صالحة لكل قوم ولكل بيئة أي: لكل زمان ومكان.
2- ضمان بقائها يستلزم حفظها، وقد تكفل الله جل وعلا بذاته بحفظ دستورها ومصدرها، ولم يكل حفظه لأتباعه مثل التوراة قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ } [المائدة : 44]
قال السعدي في تفسيره:{ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ } "أي: هو أمانة عندهم، أوجب عليهم حفظه من الزيادة والنقصان والكتمان، وتعليمه لمن لا يعلمه".
وقال الشعراوي في تفسيره:
"فطلب الله منهم أن يحفظوا المنهج: {فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} [المائدة:14].
وأول مرحلة من مراحل عدم الحفظ أنهم نسوا.
المرحلة الثانية هي كتمان ما لم ينسوه قال تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174)} [البقرة : 174]
قال ابن كثير في تفسيره
يعني اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم التي بأيديهم، مما تشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم.
والثالثة هي: ما لم يكتموه حرَّفوه ولووا به ألسنتهم قال تعالى:{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } [المائدة : 41].
وياليتهم اقتصروا على هذه المراحل فقط، ولكنهم جاءوا بأشياء وقالوا: هي من عند الله وهي ليست من عند الله قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)} [آل عمران : 78]
إذن فالحفظ منهم لم يتم، ولأنه سبحانه أراد لشريعة الإسلام البقاء، لم يكل الله أمر حفظه إلى الخلق، ولكنه تكفل - سبحانه - بأمر حفظ القرآن فقال: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر:9]
ومصداق هذا النص، أن بعضًا من المسلمين أسرفوا على أنفسهم في هجر منهج الإسلام ومنهج القرآن إلا أنك تجد عجبًا، فبمقدار بُعدهم عن منهج الإسلام
تطبيقًا يحافظون على القرآن تحقيقًا"أهـ.
أقسام الناس حيال شرع الله
والناس أمام شرع الله ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: كفروا به جملة وتفصيلاً، وجحدوه وأنكروه، وما استضاءوا بنوره، واستحقوا غضب الله، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)} [فصلت : 41 ، 42]
قال السعدي في تفسيره:
الإلحاد في آيات الله: الميل بها عن الصواب، بأي وجه كان: إما بإنكارها وجحودها، وتكذيب من جاء بها، وإما بتحريفها وتصريفها عن معناها الحقيقي، وإثبات معان لها، ما أرادها الله منها.
القسم الثاني: آمنوا ببعض الشريعة وكفروا ببعضها، وهؤلاء يلحقون بالصنف الأول، ولا يغنيهم الإيمان الذي أخذوه ببعض الشريعة قال تعالى: { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:85].
وقال أيضًا: {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)} [الحجر : 91 - 93] }
قال ابن كثير في تفسيره:
"قوله: { الْمُقْتَسِمِينَ } أي: المتحالفين، أي: تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم، كما قال تعالى إخبارًا عن قوم صالح أنهم: { قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} [النمل: 46] أي: نقتلهم ليلا قال مجاهد: تقاسموا: تحالفوا، وعن ابن عباس: { جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ } قال: هم أهل الكتاب، جَزَّؤوه أجزاء، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه"
والقسم الثالث: هم الذين استجابوا لأمر الله وأطاعوه واستضاءوا بنوره وآمنوا به كله كما قال الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة : 208]
قال السعدي في تفسيره:
"هذا أمر من الله تعالى للمؤمنين أن يدخلوا { فِي السِّلْمِ كَافَّةً } أي: في جميع شرائع الدين، ولا يتركوا منها شيئًا، وأن لا يكونوا ممن اتخذ إلهه هواه، إن وافق الأمر المشروع هواه فعله، وإن خالفه، تركه، بل الواجب أن يكون الهوى، تبعًا للدين، وأن يفعل كل ما يقدر عليه، من أفعال الخير، وما يعجز عنه، يلتزمه وينويه، فيدركه بنيته"
وقال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } [الأنفال:24]
وكثير من المسلمين يتصورون عندما ينادى بتطبيق الشريعة الإسلامية أن معنى التطبيق هو قطع يد السارق وجلد القذف، ورجم الزاني، وألا تخرج المرأة من بيتها إلا إلى قبرها، واختصروا الشريعة في الحدود وفقط، وهذا تصور غير صحيح، والإسلام أكبر من هذا وأرحب، وإذا كانت الحدود جزءًا منه إلا أنه لا يجوز اختصار الشريعة فيها لا سيما عرضها بصورة تفزع الآمنين، وتروع الجاهلين بها، ومثال هذا كما أخرج ابن ماجه و أحمد و ابن الأعرابي في "معجمه" من حديث أبي هريرة بسند وإن كان فيه ضعف إلا إنه يذكر للمناسبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل الذي يجلس يسمع الحكمة ,ثم لا يحدث عن صاحبه إلا بشر ما يسمع, كمثل رجل أتى راعيًا, فقال: يا راعي ! أجزرني شاة من غنمك ( أي: أعطني شاة لأذبحها ), قال: اذهب فخذ بأذن خيرها, فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم".
والحدود: "جمع حد وهو في اللغة المنع لأنها تمنع من الإقدام (وحد الشيء طرفاه)، وفي الشرع: عقوبة مقدرة وجبت حقًا لله تعالى"
فهي علاج لأمراض تدب في الأمة يجب اسئصالها، فالحدود كالسور المضروب حول القصر المنيف لحمايته من السرقة والإفساد فيه، فمن الظلم أن نتقصر وصف القصر على سوره.
يقول ابن القيم في إعلام الموقعين يصف الشريعة وصفًا بديعًا: "إن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَمِ ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم"
الشريعة بين وعد ووعيد
فأما عن وعد الله فقوله:
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)} [النور : 55 ، 56]
فبعد التمكين ينظر الله كيف تعملون في العبادة والمعاملة وسائر الأمور
{قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)} [الأعراف : 127 - 129]
والفاء للتعقيب والسرعة فالمراقبة بعد الاستخلاف والحرية، والدور المنوط من الأمة حال النصر بينه الله في سورة الحج بقوله:
{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج : 39 – 41].
يقول الشيخ الشعراوي في تفسيره:
"فإذا تمَّتْ لكم الغَلَبة، فاعلموا أن لكم دَوْراً ، أَلاَ وهو: { الذين إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض أَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة . . }
معنى: { مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض . . } [ الحج : 41 ] جعلنا لهم سلطانًا وقوة وغَلَبة، فلا يَجترئ أحد عليهم أو يزحزحهم، وعليهم أنْ يعلموا أن الله ما مكَّنهم ونصرهم لذاتهم، وإنما ليقوموا بمهمة الإصلاح وينقوا الخلافة الإنسانية في الأرض من كُلِّ ما يُضعِف صلاحها أو يفسده".
أما عن وعيد الله لمن ترك شريعة الله وأعرض عنها فإن الله تعالى قال فيه: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا- يقول ابن كثير: أي: في الدنيا-وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) } [طه : 124 ، 128].
أما عن المجتمع وما سيصيبه فعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كيف أنتم إذا وقعت فيكم خمس وأعوذ بالله أن تكون فيكم أو تدركوهن:
1- ما ظهرت الفاحشة في قوم قط فعمل بها بينهم علانية إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم،
2- وما منع قوم الزكاة إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم تمطروا،
3- وما بخس قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم ،
4- ولا حكم أمراؤهم بغير ما أنزل الله إلا سلط الله عليهم عدوهم فاستنفذوا بعض ما في أيديهم،
5- وما عطلوا كتاب الله وسنة رسوله إلا جعل الله بأسهم بينهم" .
أليست هذه الشريعة هي التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور.
أليست هذه الشريعة هي التي أطعمت الناس من جوع وآمنتهم من خوف.
أليست هذه الشريعة هي التي فتحت أعينا عميًا وآذانًا صمًا وألسنةً بكمًا.
ظلمها أهلها وبنوها حين لم يفهموها، ولم يحسنوا عرضها، قبل أن يظلمها أعداؤها.
والله أسأل أن يجمعنا وإياكم في مستقر رحمته وأن يرزقنا حبه وحب رسوله وحب شريعته وحب كل عمل صالح يقربنا إلى حبه.
{فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}[غافر:44].
الشيخ / محمد الباشا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الأحد، 13 نوفمبر 2011
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق