رسالة

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علمًا نافعًا



الخميس، 14 مارس 2013

الـهـــدايـــة الحمد لله رعيت من استرعاك، وحميت من لجا بحماك، لا معين غيرك، ولا ناصر سواك، أنت البارئ والطبيب، وأنت المعاقب والمثيب، وأنت الحارس والرقيب، وأنت على كل شيء حسيب. سبحانك لا قوة على طاعتك إلا بإعانتك، ولا تحول عن معصيتك إلا بمشيئتك، تهدي من تشاء وتعصم وتعافي فضلا، وتضل من تشاء وتخذل وتبتلي عدلا، وكلنا يتقلب في مشيئته بين فضله وعدله، الوجود وجوده، والملوك عبيده، نستعينه ونستهديه ونستغفره، نؤمن به، ونتوب إليه، ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله، هو المتعالي عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره، خالق بلا حاجة، رازق بلا مـئونة، مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة، قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفـهام، ولا يُشبه الأنام، حي لا يموت، قيوم لا ينام، آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلاً من عنده ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وأنه خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وحبيب المتقين، وإمام الخلق إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين. أما بعد : فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي نبينا محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين، ثم أما بعد. كيف السبيل إلى الهــدايـة هذا هو عنوان لقائنا اليوم، وسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم في هذا الموضوع في العناصر التالية : أولاً : أقسام الهداية . ثانيا : أسباب الهداية . ثالثاً : علامات الهداية . وأخيرًا : عقبات وموانع الهداية . أيها الأحبة المسلمون عباد الله: إن أعظمَ وأشرف وأجل نعمةٍ يمتن الله بها على عباده هي نعمةُ الهداية للإسلام والإيمان، ليؤدي العبدُ الوظيفةَ التي من أجلها خلق، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)} [الذاريات : 56 - 58]. وبما أن العبد لن يتوصل إلى عبودية الله جل وعلا إلا عن طريقها، لذا فقد افترض الله على عباده أن يتضرعوا إليه بطلب الهداية لا في كل يوم، ولا في كل صلاة، بل في ركعة من ركعات الصلاة، سبعة عشر مرة على الأقل، سواء كانت الصلاةُ فريضةً أم نافلةً، فما من ركعةٍ وإلا وتتضرع فيها إلى الله أن يهديك إلى الصراط المستقيم بقولك: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} [الفاتحة : 6 ، 7]، و{ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } كما قال ابن كثير هم المذكورون في سورة النساء، حيث قال: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا } [النساء: 69، 70]. عن أم سلمة، وهي أسماء بنت يزيد بن السكن، أن رسول الله:" كَانَ يُكْثِرُ فِي دُعَائِهِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ. قَالَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِِ، أوَإِنَّ الْقُلُوبَ لَتَتَقَلَّبُ ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَا مِنْ خَلْقِ اللهِ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ بَشَرٍ إِلاَّ وَقَلْبُهُ بَيْنَ إِصْبُعَيْنِ مِنْ أصَابِعِ اللهِ، فَإِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أزَاغَهُ، فَنَسْالُ اللَّهَ رَبَّنَا أَنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَنَسْألُهُ أَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِِ ، ألا تُعَلِّمُنِي دَعْوَةً أدْعُو بِهَا لِنَفْسِي؟ قَالَ: بَلَى، قُولِي: اللَّهُمَّ رَبَّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَأذْهِبْ غَيْظَ قَلْبِي، وَأجِرْنِي مِنْ مُضِلاَّتِ الْفِتَنِ مَا أحْيَيْتَنَا". أخرجه أحمد والترمذي وقال حديث حسن، وابن مردويه في تفسيره. غير المغضوب عليهم اليهود ولا الضالين وهم النصارى يقول ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم - (3 / 7) "إن كُفْرَ اليهودِ أصلُه من جهة عدم العمل بعلمهم، فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه لا قولا ً ولا عملاً (وما اختلفوا إلا..)، وكفر النصارى من جهة عملهم بلا علم، فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون على الله ما لا يعلمون(ورهبانية..). ولهذا كان السلف: سفيان بن عيينة وغيره، يقولون: إن من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود! ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى"، فما هي الهداية وما أقسام الهداية ؟ الهداية في اللغة: هي الدَلالة أو الدِلالة بالكسر والفتح للدال واللغتان صحيحتان، والتعريف والإرشاد والبيان وهي تنقسم إلى أربعة أقسام : القسم الأول : الهداية العامة: وهي مأخوذة من قول ربي حين سأل فرعون موسى وهارون عن ربهما {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى} [طه/49] فأجابه موسى بقوله: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } [طه/50] هذه هي الهداية العامة:{ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}. قال الشعراوي: (1 / 5689) معنى {أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ } [ طه : 50 ] أي: كل ما في الوجود، خلقه الله لمهمة، فجاء خَلْقُه مناسبًا للمهمة التي خُلِق لها { ثُمَّ هدى } [ طه : 50 ] أي: دلّ كل شيء على القيام بمهمته ويسّره لها، والخَلْق يُطلَق، ويُراد به المخلوق.أهـ فالعين مثلا: خلقها الله بهذه الصورة البديعة والشكل الجميل لمهمة، وهيأها للإبصار، فخلقها في تجويف حتى لا تتلف، وأحاطها بحمايات عدة: بالرموش لتدفع الرموش عن العين الضوء، وبغطاء واقي وهو الجفن، ثم بحاجب يمنع العرق من أن يتساقط إلى داخل العين، ثم أمدها بماء مالح لتحفظ العين من الأتربة والميكروبات. والفم مثلا، خلقه الله بهذا الشكل البديع الذي يؤهله للطعام والكلام والتعبير عن الابتسامة والغضب، فالشفتان تنفرجان للطعام، دون أمر منك لهما بالانفراج والقواطع تقطع والأنياب تمزق، والضروس تطحن، واللعاب يسهل، واللسان يتحرك هنا وهنالك لتيسير المضغ وكذلك للكلام. وفي الرأس تجد إفرازات مختلفة كل منها له وظيفة مثل: اللعاب في الفم والمخاط في الأنف والدموع في العين فقدر لكل مخلوق وظيفته، وهداه إلى ما خلقه لأجله، { الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}. لله في الآفــاق آيــاتٌ لعل أقلَّها ما إليـه هـداك ولعل ما في النفس من آياته عجبٌ عجابٌ لو ترى عيناك الكون مشحونٌ بأسرار إذا حاولت تفسيرًا له أعياك قال ابن القيم: "من تأمل بعض هداياته في خلقه لعلم أنه الإله الواحد الحق الذي يستحق أن يوحد ويستحق أن يعبد بلا منازع أو شريك". بل لقد أضاف العلامة الألوسي في (( روح المعاني )) إضافة جديدة جميلة للآية فقال:"{قال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}[طه/50] قال ربنا الذي خلق كل شيء على صورته وشكله اللائق به، وجعل هذا الشيء دليلاً على وجوده" . ففي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد القسم الثاني من أقسام الهداية هداية الفطرة والخلقة والتسوية: ومعناها: أن الله خلق الإنسان وأرشده ودله وهداه وعرفه طريق الخير والشر . قال تعالى:{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}[البلد/10] أي: الطريقين: طريق الخير وطريق الشر . قال تعالى:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا{7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا{8} قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا{9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}[ الشمس/7-10] قال ابن كثير: (8 / 411) وقوله: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } أي: خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة، كما قال تعالى: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } [الروم: 30]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة في البخاري مسلم: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه أو يُنَصِّرانه أو يُمَجِّسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جَمْعَاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ". شرح النووي على مسلم : (16 / 209) "أي مجتمعة الأعضاء سليمة من نقص لا توجد فيها جدعاء بالمد وهي مقطوعة الأذن أو غيرها من الأعضاء ومعناه أن البهيمة تلد البهيمة كاملة الأعضاء لا نقص فيها وإنما يحدث فيها الجدع والنقص بعد ولادتها" وفي صحيح مسلم من رواية عياض بن حمار المجاشعي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله عز وجل: إني خلقت عبادي حُنَفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" . وقوله: { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } أي: فأرشدها إلى فجورها وتقواها، أي: بين لها ذلك، وهداها إلى ما قدر لها. قال ابن عباس: { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } بين لها الخير والشر. وكذا قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، والثوري. القسم الثالث: هداية التعريف والبيان والإرشاد قال تعالى:{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}[الإنسان/3] والمراد بالهداية هنا كما قال ابن كثير: "الدلالة إلى طريق الحق، والإِرشاد إلى الصراط المستقيم. أى: إنا بفضلنا وإحساننا - قد أرشدنا الإِنسان إلى ما يوصله إلى طريق الحق والصواب، وأرشدناه إلى ما يسعده، عن طريق إرسال الرسل وتزويده بالعقل المستعد للتفكر والتدبر في آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا". إنا هديناه ودللناه على ما يوصله إلى الصراط المستقيم، في حالتي شكره وكفره، لأنه إن أخذ بهدايتنا كان شاكرًا، وإن أعرض عنها كان جاحدًا وكافرًا لنعمنا، فالهداية موجودة في كل الأحوال. ولما كان الشكر قل من يتصف به، كما قال: { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور } جاء التعبير بقوله:{ شَاكِراً } بصيغة اسم الفاعل، ولما كان الجحود والكفر يعم أكثر الناس، جاء التعبير بقوله:{كَفُوراً} بصيغة المبالغة. ومن رحمة الله بنا أن الله لم يعذب خلقه إلا بإقامة الحجة بهداية الدلالة والبيان والتعريف والإرشاد، وهي إرسال الرسل والأنبياء إلى الخلق، وأنزل الله عليهم الكتب، ليأخذ الرسلُ والأنبياء بيد البشر من ظلام الشرك والوثنية إلى أنوار التوحيد والإيمان برب البرية، ليدل الرسلُ والأنبياء البشرَ على الحق تبارك وتعالى قال تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}[الإسراء/15 . وقال سبحانه: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} النساء/165. وبالجملة قال تعالى:{وإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ}[فاطر/24] . فالله لا يعذب عباده إلا بعد أن يقيم الحجة عليهم ببعثه الأنبياء والمرسلين، ومع ذلك من رحمة الله بخلقه وأمة حبيبه أن أبقى في كل أمة بعد رسولها ورثة لهذا النبي، إنهم ورثة الأنبياء، إنهم الدعاة المخلصون، المصلحون المنصفون، الربانيون الصادقون، الآمرون بالمعروف بمعروف، والناهون عن المنكر بغير منكر، الشموع التي تضيء للأمة طريق ربها ونبيها، فهؤلاء يدلون الخلق على الحق، ويأخذون بأيدي البشر إلى طريق رب البشر، والسير على طريق سيد البشر . قال رسول الله كما في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا وكان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبةُ خردل". إذًا هداية الدلالة يؤديها العلماء بعد الرسل والأنبياء، لأنهم ورثة الرسل والأنبياء فعن أَبي الدرداء رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:(( مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَبْتَغِي فِيهِ عِلْماً سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَريقاً إِلَى الجَنَّةِ، وَإنَّ المَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضاً بِمَا يَصْنَعُ ، وَإنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّماوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ حَتَّى الحيتَانُ في المَاءِ، وَفضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، وَإنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ، وَإنَّ الأنْبِيَاءَ لَمْ يَوَرِّثُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً وَإنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بحَظٍّ وَافِرٍ )) . رواه أَبُو داود والترمذي . قال تعالى لنبينا: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي}.{يوسف/108{ قال ابن القيم: "ولا يكون الرجل من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم حقًا حتى يدعو إلى ما دعا إليه النبي على بصيرة" . القسم الرابع هداية التوفيق والإعانة : وهذه لا يملكها مَلَكّ مقرب، ولا نبيٌ مرسل، ولو كان هو رسولَ الله محمدًا، فلا يملك هداية التوفيق إلا الله، نعم ! لا يملك هداية التوفيق إلا الله، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ}آل عمران قال ابن كثير: (2 / 60) "هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتم الإيمان" {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(35)}، [يونس : 35] قال ابن كثير: "هو الذي يفعل هذا ويستقل به" وقال الشعراوي:" فالذي يهدي هو الذي خَلَق " { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23} [الزمر : 23] ما هي هداية التوفيق ؟ أن يوفقك الله لطاعته والسير على صراطه المستقيم، ليست بيدك ولا بيدي. ولو كانت هداية التوفيق بيد المصطفى لهدى النبي عمه أبا طالب الذي تفطر قلب النبي من أجل هدايته، لأن أبا طالب كان يشكل حائط صدٍ منيعٍ للنبي ،ومع ذلك فلم يستطع النبي هدايته أبدًا، هو بذل له هداية الدلالة، وهي المرادة في قوله تعالى:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}}[الشورى/52] . أما هداية التوفيق قال الله فيها لنبيه: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}}[ القصص/56 {. روى البخاري وغيره أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: أَيْ عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ يَا أَبَا طَالِبٍ تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ فَنَزَلَتْ { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } وَنَزَلَتْ { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ } فلو كانت هداية التوفيق بيد المصطفي لاستطاع أن يهدي عمه أبا طالب هذا يبين لنا أيها الأحبة أننا في غاية الفقر لله وفي أمس الحاجة إلى توفيق الله، فوالله ما أتيت اليوم برغبتك وإنما بتوفيق الله لك، والله ما جلست اليوم في هذا المكان من ساعات مبكرة إلا بعد توفيق الله لك . والله لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا قال الله:{وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} }[الأعراف/42] ثم تدبر قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ} الأعراف/43]. اعتراف المؤمن بالفضل لله، فالمؤمن لا يرى لنفسه أبداً فضلا، لا يرى لنفسه في قول ولا في عمل فضلا، فالفضل ابتداء وانتهاء لله فإن أطعت فمن وفقك للطاعة وإن ذكرت فمن أعانك على الذكر ؟ وإن شكرت فمن وفقك للشكر ؟ وإن فهمت مراد الله فمن فهمك ؟ وإن وفقك الله لبر الوالدين فمن وفقك ؟ وإن حبب الله إليك البذل فالفضل ابتداء وانتهاء لله قال سبحانه وتعالى:{يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات/17] . قال الله: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى } قال ابن كثير - (7 / 315) أي: والذين قصدوا الهداية وفقهم الله لها فهداهم إليها، وثبتهم عليها وزادهم منها، { وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } أي: ألهمهم رشدهم. قال صاحب الظلال - (6 / 448) فالذين اهتدوا بدأوا هم بالاهتداء، فكافأهم الله بزيادة الهدى، وكافأهم بما هو أعمق وأكمل: { وآتاهم تقواهم } . . والتقوى حالة في القلب تجعله أبداً واجفاً من هيبة الله، شاعراً برقابته، خائفاً من غضبه، متطلعاً إلى رضاه، متحرجًا من أن يراه الله على هيئة أو في حالة لا يرضاها . . هذه الحساسية المرهفة هي التقوى . . وهي مكافأة يؤتيها الله من يشاء من عباده، حين يهتدون هم ويرغبون في الوصول إلى رضى الله . قال الله: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76)} قال القرطبي: (11 / 133)أي: ويثبت الله المؤمنين على الهدى ويزيدهم في النصرة قال تعالى:{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} قال الشعراوي: (1 / 5372) فحقيقة هؤلاء أنهم فتية آمنوا بالله، وهذه قضيتهم التي ضَحَّوْا من أجلها، فلما آمنوا بالله تولاّهم ونوَّر بصائرهم وربط على قلوبهم، وزادهم إيماناً، كما قال في آية أخرى:{ والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وءاتاهم تَقْوَاهُمْ } [ محمد: 17]. القسم الخامس الهداية في الآخرة وهي آخر مراتب الهداية . تدبر معي ! أيها الحبيب اللبيب فمن هدي في الدنيا إلى الصراط المستقيم هدي في الآخرة للسير على قَدْر هداه في الدنيا على الصراط المضروب على متن جهنم . على قدر سيرك هنا يكون سيرك هناك، وعلى قدر وجود الشهوات والشبهات، التي تعيق سيرك على الصراط المستقيم في الدنيا، ستكون قوة الخطاطيف والكلاليب، التي تعيق سيرك إلى جنات النعيم . فمن الناس من يمشي على هذا الصراط في الدنيا بثبات، اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك، لا يلتفت إلى الوراء لنداء الشيطان والنفس الأمَارة بالسوء والهوى وصحبة السوء، إنما هو عرف طريقه، عرف ربه، وسار على درب الحبيب لا يلتفت إلى الوراء، بل إذا وقعت قدمه في بؤرة معصية، وتأثرت ثيابه بشوك المعاصي، سرعان ما يجذب ثيابه ليطهرها بدموع التوبة، ليواصل سيره ومسراه إلى ربه وسيده ومولاه خلف حبيبه سيدنا رسول الله . هذا يمر على الصراط المضروب على متن جهنم يوم القيامة كالبرق بمجرد أن يعبر، أو أن يضع قدمه اليمنى على الصراط، يرى نفسه كالبرق في جنات النعيم، ومنهم من يمر عليه كالطرف كالريح، كأجاويد الخيل والركاب، ومنهم من يمر عليه يجري، ومنهم من يمر على الصراط يمشي، ومنهم من يمر على الصراط يحبو على يديه ورجليه، ومنهم من يمر فتسفعه النار مرة، وتخدشه النار مرة وينجيه الله، ومنهم من تخطفه الكلاليب إلى نار جهنم فأهل الإيمان يعبرون الصراط إلى الجنة تدبر معي قول ربي:{إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ{23} وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ } أي في الدنيا، وفي الآخرة { وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ}[ الحج /24،23] . اللهم اجعلنا منهم وهدوا إلى الطيب من الأقوال في هذه الحياة، لا يتكلم إلا خيرًا، لا يأمر إلا بمعروف، لا ينهي إلا عن منكر، لسانه رطب بذكر الله، لا يخرج العيب، لا يعرف الغيبة، لا يعرف النميمة، لا يعرف الكذب، لا يعرف شهادة الزور، هذا يهديه ربه يوم القيامة إلى صراط الحميد، وهدوا إلى صراط الحميد. قال الله:{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ{10} أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ{11} فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ{12} ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ{13} وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ}[ الواقعة / 10-14] . قال ابن القيم : السابقون في الآخرة إلى الرضوان والجنات ، هم السابقون في الدنيا إلى الخيرات والطاعات، وعلى قدر السبق هنا يكون السبق هناك . قال الحبيب وتدبروا هذا الحديث الذي رواه البخاري وغيره من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : "إذا خلص المؤمنون من النار"، أي إذا عبروا الصراط ونجاهم العزيز الغفار من النار وأرجو أن تتصوروا معي هذا المشهد الذي يخلع القلب قال تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً{71} ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}[ مريم 72،71] اللهم اجعلنا من المتقين. تدبر معي المشهد قال : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا" قال الله في سورة محمد: {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}}[محمد/6] أقول : ينطلق الآن بعد صلاة الجمعة بعد هذا الجمع الكريم بين يدي كل واحد منا سيذهب إلى بيته ومنزله، دون أن يسأل أحداً، ليدله على هذا المنزل كذلك في الآخرة بعد هذا القصاص والتطهير والتهذيب، ينطلق كل مؤمن إلى منزله على قدر مكانته وعمله في الجنة قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)} [يونس : 9 ، 10] قال ابن كثير: وهذا إخبار عن حال السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وامتثلوا ما أمروا به، فعملوا الصالحات، بأنه سيهديهم بإيمانهم. يحتمل أن تكون "الباء" هاهنا سببية فتقديره: بسبب إيمانهم في الدنيا يهديهم الله يوم القيامة على الصراط، حتى يجوزوه ويخلصُوا إلى الجنة. قال ابن جريج: أخبرتُ أن قوله: { دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ } [قال: إذا مر بهم الطير يشتهونه، قالوا: سبحانك اللهم] (6) وذلك دعواهم فيأتيهم الملك بما يشتهونه، فيسلم عليهم، فيردون عليه، فذلك قوله: { وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ } قال: فإذا أكلوا حمدوا الله ربهم، فذلك قوله: { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ القسم الثاني أسباب الهداية أولا من أعظم أسباب الهداية أن تعرف الله: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} ، فمن عرف الله بأسماء جلاله وصفات كماله أحبه، ومن عرف الله خافه، والحب والخوف هما العبادة، فالعبادة هي كمال الحب لله، مع كمال الذل لله، ومن عبد الله وحده لا شريك له فقد هدي إلى الصراط المستقيم ثانيا : الإيمان بالله تبارك وتعالى تدبر معي ! هذه الآية الجميلة قال سبحانه:{ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [ التغابن/11] الله أنت قرأتها مرارًا، ولكن أرجو أن تتدبرها عش معنى الآية:{َومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} ولو هدى القلب لسجد بين يدي الرب سجدة لا يقوم منها حتى يستمتع بالنظر إلى وجه ربه في الجنة، والله لو ذاق القلب حلاوة السجود ما قام من سجدته ، والله لو ذاق القلب حلاوة الإيمان ما فارق هذا الباب أبدا وهدى القلب سبيل السعادة في الدنيا والآخر{ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ{88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشعراء/89،88] اللهم اهد قلوبنا. قال صاحب الظلال - (7 / 226) "قد فسرها بعض السلف بأنها الإيمان بقدر الله والتسليم له عند المصيبة، وعن ابن عباس يعني يهدي قلبه هداية مطلقة" وعن أبي يحيى صهيب بن سنانٍ رضي الله عنه، قَالَ : قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( عَجَباً لأمْرِ المُؤمنِ إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خيرٌ ولَيسَ ذلِكَ لأَحَدٍ إلاَّ للمُؤْمِن: إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيراً لَهُ، وإنْ أصَابَتْهُ ضرَاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْراً لَهُ )) رواه مسلم ثالثا : من أسباب الهداية الاعتصام بالله قال تعالى:{ومَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }[آل عمران/101] فما هو الصراط المستقيم ؟ وأنت تكرر اللفظة كثيرًا، قال عليّ رضي الله عنه: الصراط المستقيم هو القرآن، وقال ابن عباس رضي الله عنه: الصراط المستقيم هو الإسلام، قال ابن الحنفية رضي الله عنه: الصراط المستقيم هو دين الله، الذي لا يقبل غيره أبدا .. دين الله هو الصراط المستقيم . قال ابن كثير (2 / 86) قال تعالى: { وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }" أيّ: ومع هذا فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العُمْدة في الهداية، والعُدَّة في مباعدة الغَواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد، وحصول المراد". الوسيط لسيد طنطاوي - (1 / 686) وفى هذا إشارة إلى أن التمسك بدين الله وبكتابه كفيل بأن يبعد المسلمين الذين لم يشاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم عما يبيته لهم أعداؤهم من مكر وخداع. رابعًا من أسباب الهداية الصحبة الصالحة إنها من أعظم أسباب الهداية أن تصحب رجلا يذكرك بالله ، وأن تبتعد عن رجل يحول بينك وبين معرفة الله{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً{27} يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً{28} لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً} [ الفرقان / 27-29] لذا فعن أَبي سعيد الخدري عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ : (( لا تُصَاحِبْ إلاَّ مُؤْمِناً ، وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إلاَّ تَقِيٌّ )) . رواه أَبُو داود والترمذي وحسنه الألباني و عن أَبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قَالَ: ((إِنَّمَا مَثلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ: إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ، وَإمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحاً طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إمَّا أنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحاً مُنْتِنَةً )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ خامسًا من أعظم أسباب الهداية أيضا المجاهدة : قال تعالى:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} الوسيط لسيد طنطاوي - (1 / 3326) أما الذين بذلوا جهدهم في سبيل إعلاء ديننا، وقدموا أنفسهم وأموالهم في سبيل رضائنا وطاعتنا، وأخلصوا لنا العبادة والطاعة، فإننا لن نتخلى عنهم، بل سنهديهم إلى الطريق المستقيم، ونجعل العاقبة الطيبة لهم، فقد اقتضت رحمتنا وحكمتنا أن نكون مع المحسنين في أقوالهم وفي أفعالهم، وتلك سنتنا التي لا تتخلف ولا تتبدل. والمجاهدة للنفس أربع مراتب : المرتبة الأولى : مجاهدة النفس على تعلم الحق، والهدى . المرتبة الثانية : مجاهدة النفس على العمل بما تعلمت . المرتبة الثالثة : مجاهدة النفس على الدعوة إلى الحق والهدى . المرتبة الرابعة : مجاهدة النفس على الصبر على الأذى والبلاء . فمن تعلم وعمل وعَلْم لابد أن يتعرض للأذى من المنافقين والظالمين. قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ}[ الفرقان /31] . وقال تعالى:{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ{2} وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [ العنكبوت /3،2] . سادسًا من أسباب الهداية الدعاء والتضرع إلى الله تعالى الذي بيده الهداية ولذا يردد المسلم في كل صلاة ]اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ[ [الفاتحة:6]. لاسيما في أوقات الإجابة، والثلث الأخير من الليل وساعة الجمعة ووقت الإفطار … الخ. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال ما صليت خلف نبيكم إلا سمعته يقول حين ينصرف: "اللهم اغفر لي خطئ وعمدي اللهم اهدني لصالح الأعمال والأخلاق إنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت" رواه الطبراني وقال الهيثمي: رجاله وثقوا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُعَلِّمُنَا دُعَاءً نَدْعُو بِهِ فِي الْقُنُوتِ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ :« اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِى وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ ». السنن الكبرى للبيهقي قال ابن تيمية رحمة الله عليه: والعبد مضطر دائما إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم فهو مضطر إلى مقصود هذا الدعاء فإنه لا نجاة من العذاب، ولا وصول إلى السعادة إلا بهذه الهداية، وهذا الهدى لا يحصل إلا بهدى الله. الخـطـبـة الـثـانـيـة : الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين . أما بعد فمع العنصر الثالث القسم الثالث علامات الهداية : وأول علامة من علامات الهداية : تحقيق الإيمان : وبدايتها أن تحافظ على الصلوات فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - ، قَالَ : مَنْ سَرَّهُ أنْ يَلْقَى اللهَ تَعَالَى غداً مُسْلِماً ، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هؤُلاَءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ ، فَإنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكم - صلى الله عليه وسلم - سُنَنَ الهُدَى ، وَإنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الهُدَى ، وَلَوْ أنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ في بُيُوتِكم كَمَا يُصَلِّي هذا المُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّة نَبِيِّكُم لَضَلَلْتُمْ ، وَلَقَدْ رَأيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤتَى بهِ ، يُهَادَى((2)) بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ في الصَّفِّ . رَوَاهُ مُسلِم . ثانيا من أعظم علامات الهداية السمع والطاعة لله ورسوله: قال تعالى:{فَبَشِّرْ عِبَادِ{17} الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} } [ الزمر / 18،17] . وقال في شأن طاعة رسوله :{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور : 54]لأنه يدعو إلى صراط مستقيم فطاعة الله وطاعة رسول الله من أعظم علامات الهداية إن كنت ممن أطاع الله وأطاع رسوله.. ثالثا من علامات الهداية : أن يكون سمتك وهديك موافقا لسمت وهدي رسول الله مع نية صادقة وعمل صالح ، وإلا فإن المظهر وحده لا يكفي مع سوء وفساد الطوية وبعد عن العمل الصالح لا يكفي هذا المظهر على الإطلاق . لذا روى الإمام أحمد في مسنده وغيره بسند صحيح ، بشواهده أن النبي قال: "خير عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله" قال الألباني في " السلسلة الصحيحة " هناك مسلم إذا مشي في طريق ورآه الناس ذكروا الله ، تذكروا الله بسمته بهيبته ، ولاحظ أن الهيبة ليست كبرا ، فقد يتصور بعض طلابنا ، أنه من أجل أن يُحَصْل الهيبة عند الناس يتصور أنه لابد من أن يتقعر ، ولابد من أن يعبث بجبينه ، ولابد من أن يتكلم بصوت أجش ، لا ، لا اسمع لابن الجوزي – رحمه الله تعالى – إذ يقول : "هيبة الناس لك لا تكون إلا على قدر هيبتك أنت من الله ، فمن الناس من يُرى فيذكر الله" . رابعًا من علامات الهداية الصبر في الله وبالله وعلى الله قال تعالى: ] وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ[ [السجدة:24]. تفسير ابن كثير - (6 / 371) أي: لما كانوا صابرين على أوامر الله وترك نواهيه وزواجره وتصديق رسله واتباعهم فيما جاؤوهم به، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ثم بيَنَّ تعالى مَنِ الصابرون (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) } [البقرة : 154 - 158] قال ابن كثير - (1 / 467) "أي: تسلَّوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنَّهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء" وعن أم سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا سُررْتُ به. قال: "لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجُرني في مصيبتي واخلُف لي خيرًا منها، إلا فُعِل ذلك به". قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منه، ثم رجعت إلى نفسي. فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدَّتي استأذن علي رسول الله صلى الله عليه وسلم -وأنا أدبغ إهابا لي فغسلت يدي من القَرَظ (القذى) وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حَشْوُها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله، ما بي ألا يكون بك الرغبة، ولكني امرأة، فيّ غَيْرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلتُ في السن، وأنا ذات عيال، فقال: "أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يُذهبها الله، عز وجل عنك. وأما ما ذكرت من السِّن فقد أصابني مثلُ الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي". قالت: فقد سلَّمْتُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت أم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه، رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أخرجه أحمد في المسند خامسًامن علامات الهداية : حب الناس لك وثناء الناس عليك : ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي r قال: ((إذا أحب الله عبدا نادى جبريل يا جبريل إني أحب فلانا)) .. يا الله !! تصور أن يذكر اسمك ملك الملوك الله، يذكر اسمك لجبريل ، وجبريل يذكر اسمك في الملأ الأعلى ((يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه ، فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء: يا أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم ينادي جبريل في أهل الأرض: يا أهل الأرض إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل الأرض أو فيوضع له القبول في الأرض" اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين . وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر أنه قال : يا رسول الله إن الرجل ليعمل العمل من الخير فيلقى الله له الثناء الحسن – أي : على ألسنة المسلمين – فقال النبي :تلك عاجل بشرى المؤمن." فمن علامات هداية الله لك أن يحبك الناس لكن ليس كل الناس فلن يحب المؤمن إلا المؤمنون ، أما المنافق فهو يبغض المؤمن من كل قلبه ، لذا اعلم أخي : أنه لا يبغض مؤمنا إلا منافق ، ولا يحب مؤمنا إلا مؤمن ، فعنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ" صحيح البخاري قال الخطابي : أرواح المؤمنين تحن إلى المؤمنين ، وأرواح المنافقين تحن إلى المنافقين قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً} [مريم/96] أي : محبة في قلوب عباده المؤمنين . كان عمر بن هبيرة الفزارى واليا على العراقين في عهد الخليفة الأموي : يزيد بن عبد مالك وكان يزيد يرسل إليه بالكتاب تلو الكتاب ويأمره بإنفاذ ما في هذه الكتب ولو كان مجافيا بحق أحيانا فدعا ابن هبيرة كلا من الحسن البصري وعامر بن شراحبيل المعروف بالشعبي يستفتيهما في ذلك وهل له من مخرج فيدين الله ؟ فأجاب الشعبي جوابا فيه ملاطفة للخليفة ومسايرة للوالي والحسن ساكت فالتفت عمر ابن هبيرة إلى الحسن وقال : ما تقول أنت يا أبا سعيد فقال : يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ، ولا تخف يزيد في الله ، واعلم أن الله عز وجل يمنعك من يزيد ، وأن يزيد لا يمنعك من الله ... يا ابن هبيرة إنه يوشك أن ينزل بك ملك غليظ لا يعصى الله ما أمره فيزيلك عن سريرك هذا وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ، حيث لا تجد هناك يزيد ، وغدا تجد عملك الذي خالفت فيه رب يزيد ... يا ابن هبيرة إنك إن تك مع الله تعالى وفي طاعته يكفك بائقة يزيد بن عبد الملك في الدنيا والآخرة ، وإن تك مع يزيد في معصية الله تعالى فإن الله يكلك إلى يزيد . واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوق كائناً ما كان في معصية الخالق - عز وجل - فبكى عمر بن هبيرة حتى بللت دموعه لحيته ومال عن الشعبي إلى الحسن ، وبالغ في إعظامه وإكرامه ، فلما خرجا من عنده توجها إلى المسجد ، فاجتمع عليهما الناس ، وجعلوا يسألونهما عن خبرهما مع أمير العراقين ، فالتفت الشعبي إليهم وقال : أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله - عز وجل - على خلقه في كل مقام فليفعل ، فوالذي نفسي بيده ما قال الحسن لعمر بن هبيرة قولاً أجهله ولكنى أردت فيما قلته وجه ابن هبيرة ، وأراد فيما قاله وجه الله ، فأقصاني الله من ابن هبيرة وأدناه منه وحببه إليه. القسم الرابع عقبات وموانع الهداية فمن أخطر العقبات : الكفر قال تعالى:{ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}} [المائدة/67] ، {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86)} [آل عمران : 86] والفسق قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} }[المنافقون/6] ، والظلم قال تعالى:{إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}الأنعام/144 ] ، والإسراف والكذب قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ}} [غافر/28 ] ، والهوى قال تعالى:{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}ص/26] . ومن موانع الهداية عدم الأهلية: فإنه قد تكون المعرفة تامة لكن يتخلف عنه عدم زكاة المحل وقابليته وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ [لأنفال:23] قال ابن كثير - (4 / 34) " ولكن لا خير فيهم فلم يفهمهم؛ لأنه يعلم أنه { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ } أي: أفهمهم { لَتَوَلَّوْا } عن ذلك قصدا وعنادا بعد فهمهم ذلك، { وَهُمْ مُعْرِضُونَ } عنه". مثل: الأرض الصلدة التي يخالطها الماء، فإنه يمتنع النبات فيها لعدم قبولها، عَنْ أبي موسى الأشعري ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي الله بِهِ مِنَ الهُدَى والعِلْم كَمَثَلِ غَيثٍ أَصَابَ أرْضاً فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفةٌ طَيِّبَةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أمسَكَتِ المَاء فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ فَشَربُوا مِنْهَا وَسَقُوا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ طَائفةً مِنْهَا أخْرَى إنَّمَا هِيَ قيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلاَ تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ بمَا بَعَثَنِي الله بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأساً وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ )) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ . (( فَقُهَ )) بضم القافِ عَلَى المشهور وقيل بكسرِها : أي صار فقيهاً . وأخطر هذه العقبات الشيطان: قال تعالى:{لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}}[النور/21]، فالشيطان له خطوات وهو لنا عدو:{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّا}} [فاطر/6] ، وقال الله فيه:{كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}[الحج/4].

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق