رسالة

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علمًا نافعًا



الخميس، 14 مارس 2013

الصبر طريق التمكين الحمد لله رعيت من استرعاك، وحميت من لجا بحماك، لا معين غيرك، ولا ناصر سواك، أنت البارئ والطبيب، وأنت المعاقب والمثيب، وأنت الحارس والرقيب، وأنت على كل شيء حسيب، سبحانك لا قوة على طاعتك إلا بإعانتك، ولا تحول عن معصيتك إلا بمشيئتك، تهدي من تشاء وتعصم وتعافي فضلا، وتضل من تشاء وتخذل وتبتلي عدلا، وكلنا يتقلب في مشيئته بين فضله وعدله، الوجود وجوده، والملوك عبيده، نستعينه ونستهديه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوب إليه، ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله، هو المتعالي عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره، خالق بلا حاجة، رازق بلا مـئونة، مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة، قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفـهام، ولا يُشبه الآنام، حي لا يموت، قيوم لا ينام، آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلاً من عنده ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وأنه خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وحبيب المتقين، وإمام الخلق إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين. إن الله أوجب علينا في كتابه أن يوصي بعضنا بعضًا بالحق والصبر فقال: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) }، علق الفلاح بالصبر والتقوى فعقل ذلك عنه المؤمنون فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، وضمن لهم ألا يضرهم عدوهم إذا تحصنوا بالصبر فقال تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} وجعل السبيل إلى التمكين والإمامة في الدين إنما تنال بالصبر واليقين فقال تعالى {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}. معنى الصبر: الصبر في اللغة: قال ابن القيم:أصل هذه الكلمة هو المنع والحبس فالصبر حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب. والصبر أقسامه ثلاثة أقسام: 1- صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها. فالعبادة لا يوفق العبد إليها إلا بالصبر، قال تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّ} [مريم 65}، والصلاة تحتاج إلى الصبر، قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه 132].، والدعوة إلى الله تحتاج لصبر قال تعالى: {يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (4)وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7} 2- وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها، كصبر يوسف عليه السلام، الذي راودته المرأة الجميلة، وهددته وتوعدته، وبدأته وأفصحت عن رغبتها، وكان شابًا غريبًا قويًا، وغلقت الأبواب فأمنا من دخول أحد عليهما، مع ذلك كله كان رده على طلبها: {معاذ الله}. إنّ العمل بالطاعة يحتاج إلى صبر، وترك المخالفات والمنكرات يحتاج إلى صبر، وهل أدل على ذلك من حديث جبريل؟ فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى لما خلق الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها .فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها. ثم حفها بالمكاره ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها. فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد. فلما خلق الله النار قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها. فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها. فحفها بالشهوات ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها. فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها» [رواه أبو داود والترمذي والألباني في السلسلة الصحيحة 3- وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها، كما في الصحيحين أن ابن عباس رضي الله عنهما قال لعطاء رحمه الله: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قال: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي. قَالَ: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ»؟ فَقَالَتْ: أَصْبِرُ. فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا. فمن صبر فله الجنة لقوله: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ». فيامن ابتليت بفقد عينك إن شئت صبرت ولك الجنة، ويامن ابتليت بفقد ولدك إن شئت صبرت ولك الجنة، ويامن ابتليت بفقد زوجك إن شئت صبرت ولك الجنة، ويامن ابتليت بفقد حريتك إن شئت صبرت ولك الجنة، ويامن ابتليت بفقد مالك إن شئت صبرت ولك الجنة، وهذه الأنواع الثلاثة هي التي قال فيها الشيخ عبد القادر في فتوح الغيب: "لا بد للعبد من أمر يفعله ونهي يجتنبه وقدر يصبر عليه"، وهذه الثلاثة هي التي أوصى بها لقمان لابنه في قوله :{يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك} والصبر نوعان: اختياري واضطراري والاختياري أكمل لأن الاضطراري يشترك فيه الناس ويتأتى ممن لا يتأتى منه الصبر الاختياري (كالموت والإفلاس والمرض)، ولذلك كان صبر يوسف الصديق عليه السلام عن مطاوعة امرأة العزيز وصبره على ما ناله في ذلك من الحبس والمكروه أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لما ألقوه في الجب وفرقوا بينه وبين أبيه وباعوه بيع العبد" عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم. أكمل الصبر {الصبر الجميل} وفي القرآن: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} [المعارج: 5]، {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } [يوسف: 18] قال ابن تيمية رحمه الله: "الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه" وقال مجاهد رحمه الله:" هو الذي لا جزع معه" [تفسير ابن كثير 2/489]. أهمية الصبر: نيل الرحمة: قال تعالى: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155- 157]. والصلوات المغفرة كما قال الطبري رحمه الله. الأجر الجزيل: قال تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر 10]. قال قتادة رحمه الله:"لا والله، ما هُناكم مكيال ولا ميزان" [تفسير الطبري 21/ 270]. معية الله و محبة الله: وقال: {والله مع الصابرين} [البقرة: 249، والأنفال: 66] قال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] التمـــكيـــــن: فمن سُبـــــل التمكــــين الصـــــــــــبر على الأذى وعلى المُؤذين قال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) } [الأعراف: 137] وقال تعالى:{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ}[الأنعام :34] أي أتاك نبأهم من نبئهم أن الله ناصرهم بعد ابتلاءهم وصبرهم على ما يحصل من الأذى. ونظير هذه الآية قول الله -سبحانه وتعالى- بعد أن ذكر دعوة الرسل لقومهم، وما أجابهم به من التكذيب، قال الله عز وجل عن رسله :{وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ }[ابراهيم : 12]، فأبان سبحانه بعد هذه الآية أنه نصرهم، قال الله سبحانه وتعالى:{ف وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14)}[ابراهيم]، فأبان الله أن من خاف مقام الله وخاف وعيده وصبر على الأذى من أجله، أن الله ممكنه. ولما شكا قوم موسى على موسى عليه الصلاة والسلام ما حصل لهم من الأذى من قبله و بعده صبرهم وبشرهم ،قال موسى لقومه{قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُواْ أُوذِينَا} شكوى عظيمة على نبي الله {أُوذِينَا من قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}الأذى مستمر{قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ(129)}[الأعراف:128-129]، وهذا لا شك فيه أنه سبب من أسباب التمكين. إن ما يحصل لأنبياء الله ورسله، ومن سلك مسلكهم واهتدى بهديهم واقتفى أثرهم من الأذى هو سنة الله في خلقه، ففي الصحيحين لما التقى رسول الله بورقة بن نوفل قَالَتْ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ قَالَ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَبَرَ مَا رَأَى فَقَالَ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ وَرَقَةُ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ أُوذِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ حَيًّا أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا". سنة الله في خلقه يبتلي أولياءه بالمجرمين، ويسلط المجرمين على أذى المؤمنين، قال الله عز وجل :{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ}[ الفرقان:31]فما من نبي إلا وابتلاه الله عز وجل ببعض المجرمين يؤذونه، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 112، 113]. أي أنّ سنّة اللّه جرت على أن يكون بعض الناس أعداء للأنبياء وورثتهم، وكلّ أصحاب دعوات الإصلاح في الأمور الدّينيّة والاجتماعيّة، وهذا ما يعبّر عنه بتنازع البقاء وبقاء الأصلح، كما قال تعالى:فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرّعد 13/ 17] وجاء في سورة البقرة: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ [14]. وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ: وذلك كلّه بقدر اللّه وقضائه وإرادته ومشيئته أن يكون لكلّ نبيّ عدوّ من الشياطين. التفسير المنير للزحيلي قال الله تعالى لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم الذي ما أرسله إلا رحمة للعلمين مبشرًا وهاديًا ونصيرًا يصبر على أذى من يدعوهم لما فيه خير لهم فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيرًا (47) وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (48)} [الأحزاب]، {وَدَعْ أَذَاهُمْ}أي اصبر على أذاهم. وقال الله عز وجل له مبينا ما يحصل له من الأذى منهم :{وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [التوبة:61 أيــها النـــاس هذه سنة الله في خلقه فلا بد من الصبر على الأذى وما ذلك إلا أن الأذى يعقبه التمكين، فلا بد أن يتحمل ذلك، وأن يعلم أن هذا سبيل إرادة الله لتمكينه. تربية النبي لأصحابه على الثبات والأمل عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو لَنَا فَقَالَ قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" صحيح البخاري. وشكواهم ليست عن تطجر ولا تبرم، وإنما هي لأنهم رأوا أن في السلام من ذلك تفرغاً للعبادة، وتوجهاً إلى كمال السعادة، فأرشدهم المصطفى إلى أن غاية الأدب الصبر على مراد الله والرضا بقضاء الله. إن ربك لبلمرصاد أما الذين يتبنون إيذاء المؤمنين، وقطع طرقهم، وإزهاق أرواحهم، وزعزعة أمنهم، والتفريق بينهم، والعداء لهم، وغير ذلك من الفتن مما لا يرضاه الله ولا يقره شرع، ولا عرض ولا مروءة إن كل من يفعل ذلك لهو متشبه بمن ذكر الله في كتابه {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا-بغير جناية توجب الأذى-فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا58 } [ الأحزاب:57-58]. وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22] فما ظنك بانتقام الله العزيز الجبار المتكبر. والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته في عند الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر قال صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال:" يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ". وعَنْ حُذَيْفَةَ بن أُسَيْدٍ ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ ".رواه الطبراني في المعجم الكبير والألباني في السلسلة الصحيحة. لا يجوز الإيذاء ولو بالرائحة إن إيذاء المسلمين حرام، حتى ولو بالثوم، ولو بالبصل ، ولو برائحة كريهة، ففي حديث جابر عند الإمام مسلم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ من الثُّومِ أو الْبَصَل أوالْكُرَّاث فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ". نعم إذاء المسلمين محرم ، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال" إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ قَالُوا يا رسول الله مجالسنا مَا لَنَا منها بُدٌّ قَالَ إن أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا قَالُوا وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ قَالَ غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَالأمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ"، فمن شروط الجلوس في موضع يمر الناس فيه، أنه لا يحصل منه أذى لمسلم. أجر دفع الأذى عن الناس إن دفع الأذى عن المسلمين فيه أجر عظيم ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ –أي بسب شجرة-قَطَعَهَا عن طرِيقِ المسلمين كَانَتْ تُؤْذِي المسلمين "وفي لفظ "في غُصْنٍ"غصن من شجرة نحاه عن طريق المسلمين ، كان يؤذي المسلمين ، فبسبب هذا رفع هذا الأذى اليسير، استحق بذلك جنة عرضها السموات والأرض وينبغي أن يتقوى الناس بعضهم ببعض ويحكى أن عمدة قرية أطلق جمله في القرية يأكل كيفما شاء فاشتكى أهل القرية لإمام المسجد فغضب وخرج معهم ليزجر العمدة وساروا خلفه وفي الطريق حدّث بعضهم بعضًا قال أحدهم: إني أستحي من العمدة لأنه أعطاني جاموسة السنة الماضة ورجع، وقال الآخر أعطاني كيلة قمح ورجع، فرجعوا واحدًا واحدًا، وظن الشيخ أنهم يسيرون خلفه، فأطرق الباب على العمدة بقوة فقال يا عمدة، ولم يقل ياحضرة العمدة فقال: اتفضل يا مولانا ما الخبر؟ فقال له جملك. قال ماله؟ فنظر خلفه فلم يجد أحدًا خلفه فقال: عاوزين نجوزه. الأذى يضر بصاحبه اعلـموا عباد الله أن الأذى لا يضر، وإنما هو يعود على صاحبه بالشر ،قال الله تعالى:{ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ(وجدوا) إِلاَّ بِحَبْلٍ (عهد)مِّنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ (المهانة)(112)}[آل عمران]، والقرآن فيه تناسب في آيات كثيرة منه، ومنها هذه الآية، فبعد أن ذكر الله أن المؤمنين لا يتضررون من الأذى، ذكر الله أن الذين يقومون بالأذى تضرب عليهم الذلة وتضرب عليهم المهانة ولا يضرون من أذوه، أي أن مكرهم يعود عليهم كما في قوله: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا} [فاطر: 43، 44] سنة اللّه في الأولين، التي لا تبدل ولا تغير، أن كل من سار في الظلم والعناد والاستكبار على العباد، أن يحل به نقمته، وتسلب عنه نعمته، فَلْيَتَرَّقب هؤلاء، ما فعل بأولئك."السعدي" الثبات الثبات حتى الممات فإذا أوذيت أيها المسلم إياك أنت تفتن في دينك،فإن هذا ليس بثبات، وإنما الثبات هو الذي أثنى الله عليه،هو أنك تعتقد أن هذه البلوى لك فيها خير لا يعلمه إلا الله {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور}[آل عمران: 186]، هذا هو العزم ، هذه القوة هنا، أنك تصبر على ما يحصل لك من أذى في أي جانب من الجوانب. وإياك والترنح إذا حصل لك أذى من عدو،أو باغ ،أو من حاقد فالله سبحانه وتعالى قال:{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ}[العنكبوت :10]أي أطاعهم خوفًا من أذاهم فكفر بالله، وهذا على سياق الذم لهذا الصنف الذي يجعل فتنة الناس كعذاب الله، ولا مقارنة فإن عذاب الله أليم، وبطشه شديد،وماذا سيكون فتنة الناس وأذية الناس بجانب عذاب الله ؟!، فهذا شأن من وصفهم الله بقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ(طرف لا ثبات فيه كمن على طرف جيش إن أحس بظفر قرّ وإلا فرّ) فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ (ارتد وكفر)خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}[الحج:11] اعلـموا عباد الله أن أمر الأذى الذي يحصل في هذه الدنيا للعباد متحقق لا محال{لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}[البلد:4]،{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)}[العنكبوت]، وإنما سبـيل التمـكين، وسبـيل ما يرضـي الله هو ما سلـكه أنبـياء الله ورسـله عليهم الصلاة والسلام في هذا الجانب وفي غيره، حتى يسر الله لهم ما أراده ويتم لهم وعده من العز والتمكين: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[ آل عمران :26] نسأل الله عز وجل بعزته وجلاله أن يدفع عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وأن يؤمن بلادنا وسائر بلاد المسلمين ، وأن يسلط على من أراد الفتن في بلاد المسلمين بما أراده وبما علمه لهم مما يدفع شرهم ، والحمد لله رب العلمين .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق