رسالة

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علمًا نافعًا



الثلاثاء، 15 نوفمبر 2011

الشريعة رحمة وعدالة

الشريعة رحمة وعدالة
الشريعة رحمة وعدالة
الحمد لله رعيت من استرعاك، وحميت من لجا بحماك، لا معين غيرك، ولا ناصر سواك،
أنت البارئ والطبيب، وأنت المعاقب والمثيب، وأنت الحارس والرقيب، وأنت على كل شيء حسيب.
سبحانك لا قوة على طاعتك إلا بإعانتك، ولا تحول عن معصيتك إلا بمشيئتك،
تهدي من تشاء وتعصم وتعافي فضلا، وتضل من تشاء وتخذل وتبتلي عدلا، وكلنا يتقلب في مشيئته بين فضله وعدله،
الوجود وجوده، والملوك عبيده، نستعينه ونستهديه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوب إليه، ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله،
هو المتعالي عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره،
خالق بلا حاجة، رازق بلا مـئونة، مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة،
قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد،
لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفـهام، ولا يُشبه الآنام، حي لا يموت، قيوم لا ينام، آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلاً من عنده
ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير،
وأشهد أن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، فجزاه الله عنا خير ما جزى به نبيًّا عن أمته ورسولاً عن رسالته، تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
أما بعد فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وكلَّ ضلالة في النار، وما قلَّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى، وإنَّ ما توعدون لآتٍ، وما أنتم بمعجزين، ثم أما بعد،
عظمة الشريعة
إن البشرية جميعًا لتنحني بهامتها إجلالاً للمبادئ التي جاءت بها الشريعة الإسلامية وهي تدل بدلالة واضحة أنها ربانية المنهج وأن هذا التشريع إنما استمدت أحكامه من كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.
بل إن البشرية كلها بقوانينها لا تستطيع أن تصنع قانونًا واحدًا مثل القوانين الراقية المحكمة الذي جاء بها دستورنا العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد
وإننا إذ نشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله نقر ونذعن أن لا معبود بحق في الوجود إلا الله وأن نصرف أمورنا ونعبده طبقًا للمنهج الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن الغاية التي قصد التشريع الإسلامي تحقيقها في المجتمع المسلم هو درء المفاسد و جلب المصالح، وذلك بربط الفرد بربه وخالقه – بالعقائد والعبادات - وتنظيم علاقة الناس مع بعضهم البعض- بالأخلاق والمعاملات- ولا يحابي أحدًا، أما القانون البشري الوضعي فالغاية منه خدمة السلطة الحاكمة وخضوع أفراد المجتمع لها وقد تتدخل الأهواء والمصالح والمحسوبيات والأنساب، بل إن القوانين الوضعية تحرسها الدولة فقط، أما القوانين الشرعية فيحرسها الضمير والالتزام بهذا الدين فالمسلم رقيب على نفسه بنفسه ويفعلها متقربًا بها إلى الله.
العدل أساس الملك
ما أجمل ما قاله ابن تيمية: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة.
ولذلك كان تشريع وتطبيق رسول الله صلى الله عليه وسلم نموذجًا واضحًا ونهجًا بيننًا لا لبس فيه، فعن عروة بن الزبير فيما أخرجه البخاري أن امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح(كانت من بني مخزوم وبني مخزوم من قبيلة غطفان التي حاربت رسول الله بستة آلاف في غزوة الأحزاب، وقريش صاحبة الحرب بأربعة آلاف)، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد رضي الله عنه يستشفعونه وهو الحب بن الحب. قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها
1- تلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
2- أتكلمني في حد من حدود الله ؟
فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله.
3- فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبًا فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال:
“ أما بعد فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيه الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد (وهذا قانون البشر الذي قد تحكمه الأهواء أما قانون رب البشر فقال رسول الله ) والذي نفسُ محمدٍ بيده - وفي رواية وايم الله- لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”.
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت.
قالت عائشة رضي الله عنها: كانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إنه العدل الذي أمر الله به من فوق سبع سماوات في جميع شئون الناس لا فضل فيه لعربي علي عجمي ولا لأحمر على أسود فقال فيه
1- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ } [البقرة: 282]
2- {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]
3- {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [النحل: 90] قال القرطبي في تفسيره العدل الفرض، والإحسان النافلة.
4- { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9]
5- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135]
6- { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8].
معاني العدل
و(العدل) في القرآن الكريم جاء على عدّة معانٍ، فقد رُوي أن الخليفة عبد الملك بن مروان كتب إلى سعيد بن جبير يسأله عن العدل، فأجابه: إن العدل على أربعة أنحاء:
1- العدل في الحكم، قال تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ}.
2- والعدل في القول، قال الله تعالى:{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ}
3- والعدل في الفدية، قال الله تعالى:{وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ}
4- والعدل في الإشراك، قال الله تعالى:{ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ}، أي يشركون .
والعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه دون زيادة أو نقصان
ويدخل العدل في
1- الولاية على الناس كما أخرج البخاري "سبعة يظلهم الله.. أولهم إمام عادل".
2- القضاء بين الناس ويراعي في ذلك نفسية القاضي وهو يقضي قال رسول الله كما عند أبي داود وصححه الألباني" لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان".
3- الشهادة إن كان شاهدًا أو ناخبًا فصوتك يجب أن تعدل فيه قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2]
4- في معاملة البائع أو الموظف مع جمهور الناس بلا وساطة ولا محسوبية ولا رشوة فعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله فيما أخرجه مسلم في صحيحه قال " إن المقسطين ، عند الله ، على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين ؛ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا".
5- في معاملة الزوج مع أهله وأولاده، فقد قال صلى الله عليه وسلم لبشير والد النعمان - و كان أعطى أحد أولاده غلامًا – قال : " أعطيت سائر ولدك مثل هذا ? قال: لا,
قال: " فاتقوا الله و اعدلوا بين أولادكم " أخرجه البخاري و مسلم في " صحيحيهما " من حديث النعمان بن بشير
تطبيقات العدل
والشريعة الإسلامية عند تطبيق العدل تراعي العفو والصفح والإحسان والرحمة والتسامح فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن مكنه الله من مكة وأهلها بعدما قتلوا من أصحابه مثل: ياسر وسمية والدا عمار، وعذبوا بلالاً والخباب، وأخذوا أموال صهيب، وأخرجوهم من ديارهم بغير حق وهو الرحمة المهداة والسراج المنير ليس للمسلمين فقط، بل للعالمين: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [الأنبياء : 107]
1- "قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَا تَرَوْنَ أَنّي فَاعِلٌ فِيكُمْ ؟ قَالُوا : خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطّلَقَاءُ" .
وفي صحيح البخاري عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَرَآهُ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدْرَكُوهُ فَأَخَذُوهُ فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ، فَلَمَّا سَارَ قَالَ النبي لِلْعَبَّاسِ: احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ حَطْمِ الْخَيْلِ أو الجَبَلِ "وهو الأنف البارز منه" حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، فَحَبَسَهُ الْعَبَّاسُ "، وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: لا آمن أن يرجع أبو سفيان فيكفر، فاحبسه حتى تريه جنود الله، ففعل العباس، فقال أبوسفيان: أغدرًا يا بني هاشم، قال العباس: لا ولكن لي إليك حاجة.
"فَجَعَلَتْ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمُرُّ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى أَبِي سُفْيَانَ، فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ قَالَ يَا عَبَّاسُ: مَنْ هَذِهِ قَالَ هَذِهِ غِفَارُ قَالَ: مَا لِي وَلِغِفَارَ، ثُمَّ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَالَ: مَنْ هَذِهِ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَنْصَارُ عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَهُ الرَّايَةُ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ " يوم المقتلة العظمى "الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ.
ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ وَهِيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، وَرَايَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ مَا قَالَ قَالَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ" وروى الأموي في المغازي أن أبا سفيان قال للنبي صلى الله عليه و سلم لما حاذاه أَمَرتَ بقتل قومك قال: لا، فذكر له ما قاله سعد بن عبادة ثم ناشده الله والرحم فقال: يا أبا سفيان اليوم يوم المرحمة اليوم يعز الله قريشًا وأرسل إلى سعد فأخذ الراية منه فدفعها إلى ابنه قيس".
إن الله تعالى الذي يجمع في تدبير أمور خلقه بين العدل والرحمة في شريعته، لم يترك العدل بين العباد على حدته وصرامته، وإنما فتح معه بابًا لأهل الرحمة والعفو، وهو باب الإحسان، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى...}[النحل:90].
باب يدعه الله مفتوحًا لمن يريد أن يتسامح في بعض حقه إيثارًا لود القلوب، وشفاء لغل الصدور، ذلك مقام أشرف وأولى عند الذين يؤثرون ما عند الله تعالى، فيقابلون الإساءة بالإحسان، والظلم بالعفو، فكم عالج الإحسان من أقضية وخصومات ومنازعات قبل كلمة العدل وبعدها، وقطع الطريق على مكائد الشيطان، ورفع الأقدار بفضيلة العفو والصفح والإيثار.
2- واسمع لتطبيق عمر بن الخطاب، فإذا ما ذُكِر عمر ذُكر العدل، فأسر القلوب وبهر العقول، لأن العدل في نظره دعوة عملية للإسلام به تفتح قلوب الناس للإيمان، ولأنه سار على ذات نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقد أقبل شابان من البادية على الخليفة عمر بن الخطاب برجل قتل أباهما، فلما سأله عمر اعترف وقال: نعم قتلته، وذلك لأنه دخل أرضي ببعيره، فزجرته فلم ينزجر، فرميته بحجرٍ أصاب رأسه فمات.
قال عمر: إنه القصاص، فاستأذنه الرجل في مهلة يعود فيها إلى أهله ليتدبر أمرهم، إذ ليس لهم معيل بعد الله سواه، فأمهله عمر ثلاثة أيام، ثم التفت إلى الحاضرين يلتمس من يكفله، فلم يستجب أحد، إذ لا أحد يعرفه أو يعرف مكانه بالبادية، فألح عليهم، فقام أبو ذر بشيبته ووقاره، وقال يا أمير المؤمنين، أنا أكفله.
قال عمر: أتعلم ماذا يعني ذلك إذا لم يرجع ؟ قال أعلم وأستعين بالله.
ومرت الأيام الثلاثة، ولم يحضر الرجل، وقد اشتد الأمر على عمر وأبي ذر، وما كان عمر ليحابي في الحق والعدل أحدًا ولو كان أبا ذر، على محبته الشديدة له، وفي آخر ساعة من الموعد، أقبل الرجل، فاستبشر الجميع، فلما سأله عمر: ما حملك على العودة إلى القصاص ولو لم تفعل ما علم أحد بمكانك ؟
قال: ذلك بيني وبين الله، وقد خشيت أن يقال ذهب الوفاء بالعهد من الناس، والتفت عمر إلى أبي ذر يسأله: ما حملك على المجازفة بضمانه وأنت لا تعرفه ؟ قال: توسمت فيه الصدق، وخشيت أن يقال ذهبت المروءة أو" الخير" من الناس، ثم سأل الشابين: وما رأيكما بهذا ؟
قالا وهما يبكيان: أما نحن فقد عفونا عنه، خشية أن يقال ضاع العفو بين الناس، فكبر عمر وكبر الحاضرون.
3- وأخرج ابن عساكر قال:
كتب عمر بن الخطاب إلى فيروز الديلمي رضي الله عنهما:
قال ابن منده وأبو نعيم: هو ابن أخت النجاشي وهو قاتل الأسود العنسي الذي ادعى النبوة باليمن.
“ أما بعد فقد بلغني أنه قد شغلك أكل اللباب بالعسل فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم على بركة الله فاغز في سبيل الله” فقدم فيروز فاستأذن على عمر رضي الله عنهما فأذن به فزاحمه فتى من قريش فرفع فيروز يده فلطم أنف القرشي فدخل القرشي على عمر مستدمى فقال له عمر من فعل بك ؟
قال: فيروز وهو على الباب.
فأذن لفيروز بالدخول فدخل فقال:
ما هذا يا فيروز ؟
قال: يا أمير المؤمنين إنا كنا حديثي عهد بملك، إنك كتبت إلي ولم تكتب إليه، وأذنت لي بالدخول ولم تأذن إليه فأراد أن يدخل في إذني قبلي فكان من ما قد أخبرك.
قال عمر: القصاص.
قال فيروز: لا بد ؟
قال: لا بد.
فجثى فيروز على ركبتيه وقام الفتى ليقتص منه فقال له عمر رضي الله عنه: على رسلك أيها الفتى حتى أخبرك بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة وهو يقول: قتل الليلة الأسود العنسي الكذاب قتله العبد الصالح فيروز الديلمي، أفَتَراك مقتصاً منه بعد أن سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الفتى: قد عفوت عنه بعد أن أخبرتني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا فقال فيروز لعمر: أفَتَرى هذا مخرجي مما صنعت إقراري له وعفوه غير مستكره ؟ قال: نعم قال فيروز: فأشهدك أن سيفي وفرسي وثلاثين ألفاً من مالي هبة له”.
قال: عفوت مأجورًا يا أخا قريش وأخذت مالاً.
وما أجمل ما قاله ابن تيمية: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة.
يقول ابن القيم في إعلام الموقعين يصف الشريعة وصفًا بديعًا: "إن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَمِ ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم"
أيها الأخوة المسلمون إننا بعد أن حكمنا عقودًا بشرائع بشرية كان نتاجها ما جنيناه من ضنك في كل شيء على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، آن الأوان أن نعود لشريعة الخالق جل وعلا {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} فلا نجاة لنا ولا عز ولا سعادة ولا رقي إلا بأن نستظل بظل الإسلام فمهما ابتغينا العزة في غير أذلنا الله.
الشيخ محمد الباشا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق