اتباع المحبين
إن الحمد لله نحمده نستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا.
ونشهد أن لا إله إلا الله، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، أتمَّ شرعه وأكمله، ورضيه لنا وحسنه، وجمَّله وفضَّله، وبيَّنه وأحكمه، وهو مصدر المصالح والنعمة، والخير والرفعة، وبدونه تنزل النقمة، وتحل الذلة.
وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، البشير النذير، مخرج قومه من الظلمات إلى النور، ومن ضلال الجاهلية وشقائها إلى هداية الإسلام وسعادته... أما بعد
إن من أكثر حقوق النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي أنقذنا الله به من النار وهدانا به من الضلالة هي محبته صلى الله عليه وسلم، محبة قلبية صادقة، ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين))( ).
قال ابن القيم رحمه الله: (وكل محبة وتعظيم للبشـر فإنما يجـوز تبعا لمحـبة الله وتعظيمه كمحـبة رسول الله صلى الله عليه وسـلم وتعظيمه).
فحق على كل مؤمن بالله واليوم الآخر أن يحب النبي صلى الله عليه وسلم محبة يتجلى فيها إيثار النبي صلى الله عليه وسلم على كل محبوب من نفس ووالد وولد والناس أجمعين.
فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم حق واجب وفرض لازم على كل مؤمن لا يتم إيمان العبد إلا بها،ومن الأدلة القرآنية على وجوب تقديم حب النبي على كلِّ محبوب قول رب العالمين: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ } [الأحزاب: 6].
يقول ابن القيم رحمه الله في روضة المحبين (1/276): "قال الله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ، ولا يتم لهم مقام الإيمان حتى يكون الرسول أحب إليهم من أنفسهم، فضلاً عن أبنائهم وآبائهم".
واعلموا أن محـبة رسـول الله صلى الله عليه وسـلم وطاعته أصل من أصول الإيمـان يجب على كل مسـلم ومسـلمة اعـتقادها والوفاء بها والحذر من نواقضها.
قال عـز وجـل:{قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْـوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُـكُمْ وَعَشِـيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـارَةٌ تَخْـشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَـبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُـولِهِ وَجِـهَادٍ فِي سَـبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِـينَ} [التوبة/24].
قال القاضي عياض رحمـه الله: (وكفى بهذا حـظا وتنبـيها، ودلالة وحـجة على إلزام محـبته، ووجـوب فرضها وعظم خـطرها، واستحـقاقه صلى الله عليه وسـلم لها، إذا قرع الله من كان ماله وأهله وولده أحـب إليه من الله ورسـوله وتوعدهم بقوله: {فَتَرَبَّصُوا حَـتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ}، ثم فسـقهم بتمام الآية وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله فقال: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِـينَ}.
وإن لمحبة الرسول علامات ودلائل تظهر حقيقة المحبة وصدقها ومن أبرز هذه العلامات متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أعماله وأقواله وأخلاقه وجميع شأنه قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾( ) قال التابعي الجـليل الحـسن البصري رحمه الله : (ادعى ناس محـبة الله عز وجـل فابتلاهم الله بهذه الآية).
فمن أحب رسول الله محبة صادقة أوجب له ذلك تمام المتابعة، فتجد المحب الصادق في محبة النبي صلى الله عليه وسلم معظماً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، عاملاً بها حريصًا عليها في دقيق الأمر وجليله لا يعدل عنها.
ولقد نال الصحـابة رضا الله عنهم لمحبتهم العملية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبذل الغالي والنفيس في سبيل دعوته، فخرجـوا في سبيل الله طائعـين يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسـوله.
فـ {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَـنَّاتٍ تَجْرِي تَحْـتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِـيمُ} [التوبة/100].
جاءوا إلى المصطفى صلى الله عليه وسـلم، يحكمونه في أموالهم وأنفسهم وهم يقولون: هذه أموالنا بين يديك يا رسول الله فاحكم فيها بما شـئت، وهذه نفوسـنا بين يديك، لو استعرضت بنا البحر لخـضناه معك ما تخلف منا أحد، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، فامض بنا يا رسول الله حيث شئت.
ونام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ليلة الهجـرة، وهو يعلم أن السـيوف قد تصيـبه في أي لحـظة، لكنه يقدم نفسه فداء للمصطفى صلى الله عليه وسلم، في موقف من أعظم مواقف الإيمان والمحـبة والشجاعة والتضحـية، وقد اجتمع حول بيت النبي صلى الله عليه وسلم فرسان المشـركين الذين أجمـعوا على قتله صلى الله عليه وسـلم، وتفريق دمه بين القبائل، ولكن النفوس المؤمنة تهـون دفاعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينجـو من مكرهم ويخرج من بيته.
وسئل زيد بن الدثنة رضي الله عنه حـينما أخرجه أهل مكة من الحـرم ليقتلوه وقد كان أسـيرا عندهم أسروه في بئر معونة فقال: أنشـدك بالله يا زيد أتحـب أن محـمدًا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك، قال: والله ما أحب أن محـمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جـالس في أهلي، فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يحـب أحدًا كحب أصحاب محـمد محـمدًا.
وأما أبو بكـر الصديق رضي الله عنه وأرضاه فإنه كان أثناء الهجرة يمـشي مرة عن يمين رسـول الله صلى الله عليه وسـلم، ومرة عن شمـاله، وساعة خـلفه، وحـينا أمامه، يخـشى أن يدركه الطلب من أية ناحـية من النواحي، وأبى إلا أن يدخـل الغار أولاً ليسـتبرئه لرسول الله صلى الله عليه وسـلم من الدواب والهوام.
وكان من السلف من كان حبه للنبي توقيرًا عمليًّا مثل: مالك بن أنس: إمام دار الهجـرة إذا أراد الخـروج لتحـديث الناس، توضأ وضوءه للصلاة، ولبـس أحـسن ثيابه، وتطيب ومشط لحـيته، توقيرًا لحـديث رسـول الله صلى الله عليه وسـلم.
وقد روى مسـلم في صحـيحه عن أبي هـريرة رضي الله عنه أن رسـول الله صلى الله عليه وسـلم قال : «مِنْ أَشَـدِّ أُمَّتِي لِي حُـبًّا نَاسٌ يَكُـونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَـدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ»
ومن أراد اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمليًّا ينبغي أن يسلك طريق حبه أولاً، والطريق إلى حب النبي صلى الله عليه وسلم هو
1- الإكثار من ذكره، فذكره صلى الله عليه وسلم سبب لدوام محبته في قلب العبد وتضاعفها، فالعبد كلما أكثر ذكر المحبوب واستحضر محاسنه زاد حنينًا له وانشغالاً به.
وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الذي تزداد به محبته والإيمان به يكون بالصلاة عليه كما أمر الله حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾( ) لا سيما عند ذكره والتذكير بذكره في مجلس، فإنه صلى الله عليه وسلم: ((البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي)) ( )، ومن فوائد ذكره قال فيما رواه مسلم: «مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْـرًا».
2- معرفة سيرته وأيامه وأحواله وما جرى له وقراءة خصائصه التي امتاز بها عن سائر الأنبياء بأن جعله خاتم النبيين، وأرسله للناس أجمعين، وأعطي الشفاعة، وأكرم الله هذه الأمة بسببه بأن جعلها
• خير الأمم {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } [آل عمران : 110].
• سماهم الله بذاته {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج : 78].
• خصهم بليلة القدر {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر : 3].
• الأمة الوسط {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة : 143] الوسط هاهنا: الخيار والأجود.
• شهداء الله في الأرض {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة : 143]..
3- الشوق إلى لقائه، وتمني رؤيته، وهو عمل قلبي، ففي صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم: ((من أشد الناس لي حبًا ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله))( ).
وليعلم أن لحب النبي ثمرة من أهم ثمار الدنيا وهي أنك تجد بها حلاوة الإيمان، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) رواه البخاري ومسلم.
الخطبة الثانية
الحمد لله ربِ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد ألا إله إلا الله، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا، خاتمُ النبيين، وسيدُ المجاهدين، وإمامُ الخلق إلى يومِ يقومُ الناسُ لربِ العالمين، أما بعد ...
عباد الله: ليس من محبة النبي صلى الله عليه وسلم في شيء الغلوَ فيه، بل الغلو فيه مضادة لشرعه ومحادة لله ورسوله ومخالفة لأمره ومشاقة له صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح البخاري من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله))( ).
وقال صلى الله عليه وسلم لقوم أثنوا عليه فأطنبوا: ((فعن مطرف قال: قال أبي انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا، فقال: السيد الله تبارك وتعالى، قلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً، فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان)) ( ).
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ: ((أَجَعَلْتَنِي وَاللَّهَ عدْلاً؟! بَلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ)) أخرجه النسائي في الكبرى بإسناد حسن وأحمد.
فليتق الله قوم غلوا في النبي صلى الله عليه وسلم فابتدعوا في دين الله ما ليس منه وشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، فأفرطوا في مدحه والثناء عليه، ووصفه بما لا يجوز أن يوصف به إلا الله رب العالمين، فوقعوا في الشرك بالله.
ليتق الله قوم ادعوا محبة النبي كذبًا وزورًا فجعلوا الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم فقط البرهان الساطع والدليل القاطع على صدق محبته، وغفلوا عن اتباعه والاقتداء بهديه واقتفاء أثره قال الله تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب/21].
إن البرهان الصادق لمحـبة النبي صلى الله عليه وسـلم وتعظـيمه وإجـلاله وطاعته، هو تعظيم ما جـاء به من الشـريعة القائمة على الكتاب والسنة من غير غلو ولا جفاء، كما فهمها سلف هذه الأمة وطبقوها في واقع حـياتهم.
ثم إن الناظر في هذه الموالد التي يدعو إليها الناس يرى فيها شرًا عظيمًا، فباسم المولد وادعاء محبة النبي يكثر المتسولون والشحاذين ويتمايل الرجال مع قليل من البر، ويكون بذلك قد ادعى محبته واقتفى أثره وهو في ذلك ليس منه في شيء.
أسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا بحب وتوقير وتعظيم نبيه، واتباع منهجه والموت على ملته...إن ولي ذلك والقادر عليه.
الخميس، 27 يناير 2011
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق