كمال المسلم من كمال شريعته
تمر الأمة اليوم بهجمة شرسة لطمس الهُوِيَّة الإسلامية، هجمات متواترة على معتقداتنا، وتاريخنا، وثقافتنا، كي تضيع مع ضياع بعض مقدساتنا، ليأتي جيل ممسوخٌ لا يعرف عن نبيه إلا اسمه، ولا عن دينه وقرآنه إلا رسمه.
إن إزالة هذا الغبار المتراكم واجب شرعي على كل مسلم، كل بحسب علمه وجهده، فنحن لسنا حفدة الفراعنة الذي {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ } [هود : 98]
نحن مسلمون كما سمانا الله من فوق سبع سموات: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا}، من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر، { وَفِي هَذَا } يعني: القرآن .
مصدر تشريعتنا الرئيسي: الإسلام المتمثل في (القرآن والسنة).
فلا بد أن تعرف من أنت، ولمن يعود انتسابك، حتى وإن لم يعترف بك أحد، فرسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية لم يعترفوا بنبوته حينما أرسلت قريش مبعوثها للسلام وهو: "سهيل بن عمرو"، فدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه فَقَالَ: "اُكْتُبْ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ قَالَ فَقَالَ سُهَيْلٌ: لَا أَعْرِفُ هَذَا، وَلَكِنْ اُكْتُبْ بِاسْمِك اللّهُمّ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: " اُكْتُبْ بِاسْمِك اللّهُمّ "، فَكَتَبَهَا، ثُمّ قَالَ: " اُكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمّدٌ رَسُولُ اللّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو"، قَالَ فَقَالَ سُهَيْلٌ: لَوْ شَهِدْت أَنّك رَسُولُ اللّهِ لَمْ أُقَاتِلْك، وَلَكِنْ اُكْتُبْ اسْمَك وَاسْمَ أَبِيك، قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لعلي: " اُكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو" .
وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله وجهه:" امحه، فجعل علي يتلكأ ويأبى"، وفي لفظ قال رسول الله: "امح رسول الله، فقال علي كرم الله وجهه، والله لا أمحوك أبدًا فقال أرنيه، فأراه إياه، فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة"
عندما رفضوا الاعتراف به أبطل الله جحودهم، واعترف به من فوق السموات العلى، وأرسل به أمين الوحي جبريل، يخبره بجملة اسمية تفيد الحقيقة والثبات، وترسم ملامح وصفات وهوية الجماعة المسلمة، فقال جل وعلا:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح : 29]
ومحمد ما جاءت في القرآن إلا مرتبطة بالرسالة (وردت أربع مرات):
1- {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ } [آل عمران : 144]
2- {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } [الأحزاب : 40]
3- {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } [محمد : 1 ، 2]
4- {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا } [الفتح : 29]
فلن ينفعك محمد إلا إذا اتبعت رسالته وامتثلت بأمره فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي" .
والشخصية المسلمة كاملة بكمال الشريعة الإسلامية، فالله سبحانه وتعالى أنزل هذا الدين كاملاً، بتمام نعمه فقال عز وجل: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة : 3].
ومن نعمة الله عز وجل علينا أننا وجدنا في هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، ودينها أتم الأديان، وشريعتها أكمل الشرائع.
والمسلم منا مطالب أن يتشبه بهذه الشريعة في كمالها، فيكمل شخصيته مما جاءت به هذه الشريعة.
وهذا المفهوم -مفهوم التكميل والإتمام- مفهوم إسلامي وشرعي، فالنبي عليه الصلاة والسلام قد قال فيما رواه أحمد: " إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق " .
فنحن إذن مطالبون بصياغة شخصياتنا على ضوء هذه الشريعة، وأن نتمم شخصياتنا من الوحي الذي جاء في هذا الدين.
فهذا عمر بن الخطاب كان في الجاهلية من أشد الناس قسوة ومن أغلظ الناس قلبًا حتي قيل عنه: والله لو أسلم حمار الخطاب لأسلم عمر، هو هو عندما أسلم لله وأصبح أميرًا للمؤمنين أَتَاهُ أعرابيٌّ فَقَالَ:
يَا عُمَرُ الْخَيْرِ جُزِيتَ الْجَنَّهْ اُكْسُ بُنَيَّاتِي وَأُمَّهُنَّهْ وَكُنْ لَنَا مِنْ الزَّمَانِ جُنَّهْ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّهْ
فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ يَكُونُ مَاذَا ؟
فَقَالَ: إذًا أَبَا حَفْصٍ لَأَذْهَبَنَّهْ
فَقَالَ: فَإِذَا ذَهَبْتَ يَكُونُ مَاذَا ؟
فَقَالَ: يَكُونُ عَنْ حَالِي لَتُسْأَلَنَّهْ يَوْمَ تَكُونُ الْأُعْطَيَاتُ هَنَّهْ
وَمَوْقِفُ الْمَسْئُولِ بَيْنَهُنَّهْ إمَّا إلَى نَارٍ وَإِمَّا جَنَّهْ
فَبَكَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتَهُ ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَامُ أَعْطِهِ قَمِيصِي هَذَا لِذَلِكَ الْيَوْمِ لَا لِشِعْرِهِ أَمَا وَاَللَّهِ لَا أَمْلِكُ غَيْرَهُ . تميز شخصية المسلم
الله سبحانه و تعالى أمرنا أن ندخل في السلم كافة، وأن نأخذ بجميع شرائع الإسلام وشعب الإسلام والإيمان، وأن نتمثل هذه الشريعة بجميع أبوابها، ولسنا مطالبين بالعلم فقط ولا بالعبادة فقط ولا بحسن الخلق فقط ولا بمعرفة الآداب والتمسك بها فقط، وإنما نحن مطالبون ومتعبدون بكل ذلك وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو نعيم رحمه الله عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه" .
ينبغي أن تكون شخصية المسلم متميزة بالعلم والعبادة والخلق والأدب، وجميع هذه الأشياء موجودة متمثلة فيه، وانظر مثلاً إلى إخفاء ذكر بعض شعب الإيمان في الأحاديث، على أي شيء يدل؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الإيمان بضع وسبعون شعبة: فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان " رواه مسلم وغيره.
وفي صحيح البخاري صحيح البخاري عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الْجَنَّةَ قَالَ حَسَّانُ فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ الْعَنْزِ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَإِمَاطَةِ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً".
ومعناها:
أنك إذا أعطيتَ شاة عندك لرجل ليحتلبها، وينتفع بها فترة من الزمن ثم يردها إليك،
هذه تسمى منيحة العنز، وهي نوع من أنواع الصدقات ومن أبواب الخير.
وذكر ابن حجر رحمه الله في شرح الحديث نقلاً عن ابن بطال رحمه الله:
"ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان عالمًا بالأربعين المذكورة، وإنما لم يذكرها لمعنى هو أنفع لنا من ذكرها، وذلك خشية أن يكون التعيين لها مزهدًا في غيرها من أبواب البر" .
فإذن ما ذكرت الأربعين إلا لكي تحرص على تلمس الأربعين، وهذا يدل على أنه ينبغي عليك أن تضرب بسهم في كل واد من أودية الخير، وأن تحرص على تكميل نفسك من جميع شعب الإيمان التي هي بضع وسبعون شعبة، ذكر لنا أعلاها وأدناها وعلينا أن نبحث عن الباقي ونتلمسه في النصوص الشرعية ونعمل به.
السبق في البر من دواعي الكمال
إننا نجد كمال الشخصية موجوداً في شخصيات هذا الدين وعلى رأسهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم صحابته الذين رباهم فكان خير المربى، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، لما سأل النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه: "من أصبح منكم اليوم صائما ؟ فقال أبو بكر : أنا فقال : من أطعم منكم اليوم مسكينا ؟ قال أبو بكر : أنا فقال : من تبع منكم اليوم جنازة ؟ فقال أبو بكر : أنا قال : من عاد منكم مريضا ؟ قال أبو بكر : أنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعت هذه الخصال قط في رجل إلا دخل الجنة" .
فإذن هو رضي الله عنه قد كمل نفسه من خصال الخير، وأبواب الخير الكثيرة.
نقص الشخصية إفلاس وعيب
إذا نظرت إلى بعض الناس وجدت عنده جوانب من الخير فتراه: يصلي مع الجماعة، يقرأ القرآن، يذهب للعمرة والحج، يصوم، يتصدق، لكن في جوانب المعاملة مع الخلق تجده صاحب مثالب ومعايب، وعنده نقائص، وهذا المعنى موجود في حديث النبي عليه الصلاة والسلام: ((أتدرونَ مَنِ المُفْلِسُ ؟ )) قالوا: المفْلسُ فِينَا مَنْ لا دِرهَمَ لَهُ ولا مَتَاع، فَقَالَ: (( إنَّ المُفْلسَ مِنْ أُمَّتي مَنْ يأتي يَومَ القيامَةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزَكاةٍ، ويأتي وقَدْ شَتَمَ هَذَا، وقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مالَ هَذَا، وسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وهَذَا مِنْ حَسناتهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُه قَبْل أنْ يُقضى مَا عَلَيهِ، أُخِذَ منْ خَطَاياهُم فَطُرِحَتْ عَلَيهِ، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ )) .
إذاً: النقص عيب، بل يورد المهالك، ويمكن أن يدخل الإنسان النار بسببها.
وقد يصبح الشخص بنقائصه من الذي يصدون عن سبيل الله، نحن بنقصنا وتصرفاتنا الخاطئة نعكس صورة مشوهة عن الإسلام في أعين غير المسلمين، ونعكس صورة مشوهة لمفهوم الالتزام بالدين في أعين غير الملتزمين بالدين.
أهمية تكميل الشخصية الإسلامية
إن تكميل الشخصية الإسلامية مهم؛ لأننا من المفترض أن نرث عن الأنبياء دورهم في إصلاح المجتمع، فنذكّر الناس إذا غفلوا، ونعلمهم إذا جهلوا، ونقيم الحجة عليهم إذا عاندوا.
ولنا بعد رسول الله في صحابته أسوة فعندما تريد أن تكمل شخصيتك بمسألة العلم مثلاً، تذكر ابن عباس" حبر الأامة"، و ابن مسعود "أول من جهر بالقرآن "، وتذكر معاذ بن جبل الذي قال فيه النبي: أعلم أمتى بالحلال والحرام، وتذكر علم زيد بن ثابت في الفرائض، وإذا جئت في الحفظ تذكر حفظ أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
وإذا جئت في جانب التضحية التي لا بد أن تكمل شخصيتك بها؛ تذكر تضحية مصعب بن عمير، الشاب الذي ترك جو النعومة والغنى والثراء والترف، و صار صاحب أطمار وأكسية بالية، مطارداً، مشرداً، غريباً في المدينة عن أهله وعن وطنه، لكنه كان من الذين فتحوا المدينة بالقرآن ولم تفتح بالسيف، وهو الذي وطد وهيئ للنبي عليه الصلاة والسلام الأجواء قبل مقدمه إلى المدينة .
وتذكر في الشجاعة حمزة، وتذكر في الجرأة في قول الحق أبا ذر رضي الله تعالى عنه، وتذكر في تحمل المسئولية أبا دجانة الذي حمل السيف بحقه، وتذكر في الثبات خبيب بن عدي الذي ثبت حتى آخر قطرة من دمه، وتذكر في العمل للإسلام حتى آخر لحظة عمرو بن الجموح، الذي أصر أن يطأ بعرجته في الجنة، وإذا جئت لجانب الإيثار تذكر سعد بن الربيع الذي طلب من أخيه المهاجري أن يختار إحدى زوجتيه فيطلقها ليتزوجها هو ويشاطره في ماله، وفي كتم السر حذيفة، وألا تكون مهذاراً ولا كثير كلام ولا مفشياً للأسرار، فإن المجالس بالأمانات، وكثير من الناس عندهم هذه الخصلة الذميمة وهي إفشاء أسرار الآخرين والكلام فيما يخص الآخرين، وأنت تذكر في حسن العبادة أبا موسى الأشعري رضي الله عنه، الذي كان بعض الصحابة يجتمعون في الليل يسمعون صوته وهو يقوم الليل، ذلك الذي أوتي مزماراً من مزامير آل داود.
إن المسلم ينبغي أن يكون عنده حد أدنى في كل شيء، فمثلاً: لا يمكن لواحد أن يقول: أنا ليس علي من العلم، سأشتغل بالإغاثة أو الجهاد أو مساعدة الفقراء خطأ، يجب أن يكون هناك حد أدنى من العلم وهو ما تصح به عباداتك ومعاملاتك، إذا أردت أن تنكح فإنك تحتاج إلى أن تعرف أحكام النكاح، وإذا أردت أن تبيع؛ ينبغي أن تعرف أحكام البيوع، أما الصلاة فلا بد أن تعرف أحكام الصلاة والطهارة والزكاة.
هذه أشياء فيها ممارسة دائمة، وإن كنت قادراً وكان عندك مال؛ تحتاج أن تعرف أحكام الحج، هناك أشياء لا بد أن تعرفها الآن، وهناك أشياء يمكن أن تعرفها في المستقبل إذا احتجت إليها
وبذلك تبقى الشخصية الإسلامية في نوع من التكامل، لا يقول أحدنا: أنا أطلب العلم وما علي من الصدقات ولن أتبرع بشيء.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل
الشيخ محمد الباشا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الخميس، 28 أبريل 2011
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق