خطبة عيد الأضحى 2010
بدائل الحج
الحمد لله رعيت من استرعاك، وحميت من لجا بحماك، لا معين غيرك، ولا ناصر سواك،
أنت البارئ والطبيب، وأنت المعاقب والمثيب، وأنت الحارس والرقيب، وأنت على كل شيء حسيب.
سبحانك لا قوة على طاعتك إلا بإعانتك، ولا تحول عن معصيتك إلا بمشيئتك،
تهدي من تشاء وتعصم وتعافي فضلا، وتضل من تشاء وتخذل وتبتلي عدلا، وكلنا يتقلب في مشيئته بين فضله وعدله،
الوجود وجوده، والملوك عبيده، نستعينه ونستهديه ونستغفره، نؤمن به، ونتوب إليه، ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله،
هو المتعالي عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره
خالق بلا حاجة، رازق بلا مـؤنة، مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة
قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد،
لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفـهام، ولا يُشبه الأنام، حي لا يموت، قيوم لا ينام،
آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلا من عنده
ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )
وأن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وأنه خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وحبيب المتقين، و إمام الخلق إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين
إنَّ من فضل الله على عباده أنْ جعَلَ لهم فُرَصًا ,ونفحات حتى يتقرَّبوا إليه بالطاعات، ومن مَزِيدِ فضله أنْ أعلَمَهم بهذه الفُرَص، مثل الحج، فقد أعدَّ الثواب العظيم لِمَن حجَّ بيتَه الحرام، ومن رحمته لم يُكلِّف بهذه الفريضةِ غيرَ المُستَطِيع، ومن مزيد رحمته لم يحرم غيرَ المستطيع الذي حبَسَه العذرُ أو أحصر عن أداء النسك.
فقد شرَع الله عزَّ وجلَّ لنا بدائل للحج من أعمالِ خيرٍ وبِرٍّ، وطاعةٍ وعبادة، بل جعل لنا وسائل تجعَلُنا نَعِيشُ نفسَ مَشاعِر الحجَّاج، ففي نفس الوقت الذي يكون فيه الحاجُّ في مكَّة يؤدِّي المناسك تكون أنت في بلدك، وتُحصِّل من الأجرِ الكثيرَ والكثيرَ، فمدار الأمر المغفرة والثواب، لدرجةٍ تعلو فيها على المجاهد، إلاَّ أنْ تبذل النفس بكاملها والمال بكامله في سبيل الله، فهذه أعظَمُ عشرة أيَّام في العام كله، وهذه الأيَّام ليست للحجَّاج فقط، بل إنها لعموم الأمَّة؛ حتى يعيش المسلِمون مع إخوانهم الحجاج الجوَّ الإيماني الذي يَعِيشونه فإنَّنا مأمورون بالتشبُّه بالحجَّاج في أعمالهم الظاهرة ومن باب أولي في مقاصد أعمالهم؛ عن أمِّ سلمة أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((إذا رأيتُم هلالَ ذي الحجَّة وأراد أحدُكم أنْ يُضحِّي، فليُمسِك عن شَعرِه وأظفاره)) رواه مسلم.
1- النية الصادقة
فمَن حبَسَه العذرُ عن الذَّهاب إلى مكَّة لحجِّ بيت الله الحرام وهو صادِقٌ في نيَّته فليَعِش كما يَعِيش الحاجُّ، وليتمثَّل أخلاقَ الحجَّاج ومَشاعِرهم، ويَنال بنيَّته مالم ينَلْه بعمله، وعلى الله الأجرُ الثَّواب، فعن أنس بن مالكٍ رضِي الله عنه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رجَع من غزوة تبوك فدَنَا من المدينة فقال: ((إنَّ بالمدينة أقوامًا ما سِرتُم مَسِيرًا ولا قطعتُم واديًا إلاَّ كانوا معكم))، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: ((وهم بالمدينة، حبَسَهم العُذْرُ). رواه البخاري واللفظ له،
يقول الشاعر: يَا سَائِرِينَ إِلَى البَيـْتِ العَتِيـقِ لَقَدْ سِرْتُمْ جُسُومًا وَسِرْنَا نَحْنُ أَرْوَاحَا
إِنَّا أَقَمْنَا عَلَى عُذْرٍ وَقَدْ رَحَـلُوا وَمَنْ أَقَامَ عَلَى عُذْرٍ فَقَـدْ رَاحَـا
وروى حميد بن زنجويه بإسناده عن زيد بن أسلم قال:" يؤتى يوم القيامة بفقير وغني اصطحبا في الله، فيوجد للغني فضل عمل فيما كان يصنع في ماله، فيرفع على صاحبه، فيقول الفقير: يا رب لما رفعته وإنما اصطحبنا فيك وعملنا لك، فيقول الله تعالى: له فضل عمل بما صنع في ماله، فيقول: يا رب لقد علمت لو أعطيتني مالاً لصنعت مثل ما صنع فيقول الله: صدق فارفعوه إلى منزلة صاحبه، ويؤتى بمريض وصحيح اصطحبا في الله فيرفع الصحيح بفضل عمله فيقول المريض: يا رب لم رفعته علي فيقول: بما كان يعمل في صحته فيقول: يا رب لقد علمت لو أصححتني لعملت كما عمل، فيقول الله: صدق فارفعوه إلى درجة صاحبه، ويؤتى بحر ومملوك اصطحبا في الله فيقول مثل ذلك، ويؤتى بحسن الخلق وسيء الخلق فيقول: يا رب لم رفعته علي وإنما اصطحبنا فيك وعملنا فيقول: بحسن خلقه، فلا يجد له جوابًا".
2- صوم يوم عرفة
إذا كان الحجَّ يَغفِر الذنوب، فلك هذا وأنت في بيتك، فغَيْر الحاج يَغفِر الله له الذُّنوب بصَوْمِ يومٍ واحد في سبيل الله، فعن أبي قتادة عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم "أنه سئل عن صِيامُ يوم عرفة أحتَسِب على الله أنْ يُكفِّر السَّنة التي قبلَه والسنةَ التي بعدَه"واه مسلم.
والحديث يدلنا على أن الله يتعامل معنا في هذا اليوم بالدقيقة فلو كان الصوم في12 ساعة كانت الكفارة في 24 شهرًا أي أن اليوم بسنتين والساعة بشهرين والدقيقة بيوم.
إنَّ من أعظم درجات الحجِّ أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - يَغفِر ذنوب الحجاج جميعًا، وأكثَرُ ما يعتق من الرِّقاب يوم عرفة، وإلى هذا أشارَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث الشريف؛ قالت عائشةُ رضِي الله عنها: إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((ما من يومٍ أكثر من أنْ يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنَّه لَيَدنُو ثم يُباهِى بهم الملائكةَ فيقول: ما أرادَ هؤلاء؟))؛ رواه مسلم وغيرُه.
فالحُجَّاج يُكفِّر الله عزَّ وجلَّ عنهم ذنوبهم يوم عرفه، وغير الحُجَّاج من الصائمين الطائعين يُكفِّر الله عزَّ وجلَّ ذنوبهم وهم في بلادهم، وهذا من نعمة الله عزَّ وجلَّ على المسلمين جميعًا، فينبَغِي ألاَّ نغفل عن صِيام يوم عرفة خاصَّة.
3- الدعاء
كلُّنا نلتَمِس ممَّن نُودِّعهم من الحجَّاج الدُّعاء عن الكعبة أو عند زمزم أو غيرها من النُّسُك؛ لأنَّ الدُّعاء عند الكعبة مُستجابٌ، وكذا عند الشُّرب من ماء زمزم، وعند السعي، وعند الوقوف بعرفة، وكذا عند كلِّ نسك، ولك هذا وأنت في بيتك، بل إنَّ الله هو الذي يَسأَلُك: ما حاجتك؟ ماذا تريد؟ بِمَ تدعو؟ ما الذي ينقصك؟ عن أبى هُرَيرة عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((يَنزِل الله إلى السَّماء الدُّنيا كلَّ ليلةٍ حين يمضى ثلث الليل الأوَّل فيقول: أنا الملك، أنا الملك، مَن ذا الذي يَدعُوني فأستَجِيب له؟ مَن ذا الذي يسألني فأُعطِيَه؟ مَن ذا الذي يستَغفِرني فأغفِرَ له؟ فلا يَزال كذلك حتى يُضيء الفجرُ)).متفق عليه.
روى مسلم عن أبى هُرَيرة رضِي الله عنه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((أقرَبُ ما يَكون العبدُ من ربِّه وهو ساجدٌ، فأكثِرُوا الدُّعاء))
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يغفر الله للحاج ولمن استغفر له الحاج ".أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، والبزار، والطبراني
4- الذِّكر:
فمن مقاصد الحجِّ الذِّكر، ويتَّضح ذلك من قول الله - تبارَك وتعالى -: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ [الحج: 28].
وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾ [البقرة: 198].
﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾ [البقرة: 200].
﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [البقرة: 203].
وفي صحيح مسلم للحاج ولغيره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سبح في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت له خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر".
قال شيخ الإسلام ونقل ذلك ابن القيم في الوابل الصيب:"بلغنا أن من حافظ على هذه الكلمات لم يأخذه إعياء فيما يعانيه من شغل وغيره".
5- الجلوس في المصلي بعد صلاة الفجر جماعة حتي تطلع الشمس.
أخرج الترمذي بسند حسنه الألباني في المشكاة وصححه في صحيح الجامع الصغير عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين"أي الضحى" كانت له كأجر حجة وعمرة " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تامة تامة تامة".
وأخرج أبو داود عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة، فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه، فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين" قال الشيخ الألباني حسن.
6- إطعام الطعام وإفشاء السلام.....
روى الطبراني في المعجم الأوسط وحسنه الألباني في الجامع عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، قال وما بره قال: إطعام الطعام وطيب الكلام".
ويرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البدائل العملية التي نستطيع من خلالها الوصول إلى الجنة ودخولها بسلام فعن عبد الله بن سلام قال لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس قبله وقيل: قد قدم رسول الله، قد قدم رسول الله، قد قدم رسول الله ثلاثًا فجئت في الناس لأنظر، فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: "يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" قال الترمذى: حديث حسن صحيح وقال الألباني صحيح كما في الإرواء.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأن محمدًا خاتم النبيين وسيد المجاهدين وإمام الحق إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين.
إن الله عضم وقت الحج شيئين
تعظيم المكان والزمان:
فمع تَعظِيم أماكن الحج عظَّم الله زمانَ الحجِّ؛ ففضَّل أيَّام الحج على غيرها من الأيَّام حتى تتنزَّل الرحمةُ على الحاجِّ المستَطِيع، وكذلك على مَن حبَسَه العذرُ وصدَق في نيَّته فحجَّ بقلبِه.
فكما نهى عن الظُّلم بارتِكاب المحرَّم في المكان فقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾[الحج: 25].
كذلك نهى عن الظُّلم بارتِكاب المحرَّم في زَمان الحجِّ؛ فقال تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 36].
وكما كان مكان الحج مقدَّسًا وهو بلدٌ حَرام؛ أي: حَرام فيه القتال، والذَّنب فيه أشد عقوبَة، كذلك زمان الحج فهو شهر حَرام؛ أي: حَرام فيه القتال، والذَّنب فيه أشد عقوبة، ففي الشهور الحرم تُغلَّظ فيها الآثام كما تُغلَّظ فيها الدِّية عند الإمام الشافعي وغيره.
ومعني (حَرم)؛ أي: إنَّ المعصية فيها أشد عقوبة والطاعة فيها أكثر ثَوابًا،﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [التوبة: 36] بفعل المعاصي وترك الطاعات؛ فتركُ الطاعات وفعلُ المعاصِي في هذه الأيَّام ظلمٌ للنَّفس.
فاذكروا ذلك جيدًا، واعلموا أنَّ الأمَّة التي تعمل بالمعاصي، وتحيد عن أمر الله، تسقط وتنهار، ولستمْ والله أفضل من سعد بن أبي وقاص، بطل القادسية، المُبَشَّر بالجنة، السابق إلى الإسلام، ومع كل ذلك هذه وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه له، وهو متأهِّب للمسير إلى القادسية، حيث قال له: "يا سعد، لا يغرنَّك منَ الله أن قيل: خالُ رسول الله، وصاحب رسول الله، فإنَّ الله عز وجل لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكنه يمحو السيئة بالحسنة، يا سعد، إن الله ليس بينه وبين أحد نسبٌ إلا طاعته، فالناس جميعًا؛ شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالتَّقوى، ويُدركون ما عنده بالطاعة".
ولا تغفل عن يوم النحر فإنه أفضل أيام الدنيا على الاطلاق يومُ الذِّكر والشكر، وهو يوم الذبح والنحر؛ يوم الحج الأكبر قبله الأيام العشر وبعده أيام التشريق فهو الواسطة والتاج، فعن عبدالله بن قُرْطٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمُ النَّحْرِ ثم يوم القَرِّ" أي ثاني يوم النحر، لأنهم يقرّون فيه ويستجمعون مما تعبوا في الأيام الثلاثة"التروية وعرفة والنحر" رواه أبو داود وصححه الألباني في الجامع.
ففيه وبعده الذكر والشكر والطاعة كما فيه الأكل ففي حديث نُبَيْشَةَ الهُذَلِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ، وَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ لله"رواه مسلم.
وكما أنَّ الحجَّاج لا يُضيِّعون وقتًا ولا يَصرِفونه إلاَّ في طاعةٍ، فكن مثلَهم في طاعةٍ دائمًا، وإذا كانوا يَخافُون من الله أنْ يعصوه في بلده الحرام فخَفْ من الله أنْ تعصيه في الشهر الحرام.
فاتقوا الله تعالى وعظِّموا شعائره، وقفوا عند حدوده، واجتنبوا حرماته؛ {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ}
وإذا سعَوْا بين الصفا والمروة فاسعَ أنتَ هنا لقَضاء حَوائِج النَّاس؛ عن ابن عمر عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((أحَبُّ الناس إلى الله أنفَعُهم، وأحَبُّ الأعمال إلى الله عزَّ وجلَّ سرُورٌ تُدخِلُه على مُسلِم أو تَكشِف عنه كُربةً، أو تَقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُد عنه جُوعًا، ولَأَنْ أَمشِي مع أخي المُسلِم في حاجةٍ أحبُّ إلَيَّ من أنْ أعتَكِفَ في هذا المسجد شهرًا، ومَن كفَّ غضَبَه ستَرَ الله عَوْرتَه، ومَن كظَم غيظًا ولو شاءَ أنْ يُمضِيه أمضاه مَلَأَ الله قلبَه رضًا يوم القيامة، ومَن مشَى مع أخيه المسلم في حاجَتِه حتى يُثبتها له أثبَت الله تعالىقدَمَه يوم تزلُّ الأقدام، وإنَّ سوء الخلق ليُفسِد العملَ كما يُفسِد الخل العسل))؛ أخرجه الطبراني وابن عساكر وابن أبي الدنيا، وحسَّنه الألباني.
وإذا كانوا يُقبِّلونَ الحجرَ الأسودَ فقَبِّل يدَيْ والدَيْك وبرَّهما؛ فهما باب الجنَّة، وإذا كانُوا يشرَبُون ويغتَسِلون من زمزم فاغسِل وجهَك وطهِّر قلبك بدموع التوبة.
وحين يَقِفُ الحجيج على عرفات رافِعِين أكفَّ الضَّراعة إلى الله عزَّ وجلَّ فليَصعَد قلبُك على أبواب السَّماء، ويخر ساجدًّا لله سجدةَ انكسارٍ وفقرٍ وتذلُّلٍ لا يرفَع منها إلى يوم القِيامة، وقِفْ أنت هنا على حُدودِ الله، واجعَل بينك وبين المعصية حِجابًا.
وحين يتَزاحَم الحجيج لرَمْي الجمرات، فليَرْمِ قلبُك كلَّ ما علق به من شَهوات الدُّنيا وملذَّاتها، وتطرد روحك كلَّ ما يُطارِدها من وَساوِس الشيطان.
وإذا قدَّمُوا الهديَ فقَدِّم الأُضحِيَة طيِّبةً بها نفسُك وبِعْ نفسَك لله؛ ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 111].
الخميس، 18 نوفمبر 2010
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق